Top
Image Alt

باب: جعل تعليم القرآن صداقًا

  /  باب: جعل تعليم القرآن صداقًا

باب: جعل تعليم القرآن صداقًا

عن سهل بن سعد: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا، فقال: ما أجد شيئًا، فقال: التمس ولو خاتمًا من حديد، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي صلى الله عليه  وسلم: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور يسميها، فقال له النبي صلى الله عليه  وسلم: قد زوجتكها بما معك من القرآن)) وهذا حديث متفق عليه.

وفي رواية أخرى متفق عليها أيضًا: ((قد ملكتكها بما معك من القرآن)) وفي رواية أخرى متفق عليها أيضًا: ((فصعَّد فيها النظر وصوَّبه)).

وهذا الحديث يدل على جواز جعل المنفعة صداقًا، ولو كانت تعليم القرآن. قال المازريُّ: “هذا ينبني على أن الباء للتعويض كقولك: بعتك ثوبي بدينار. قال: وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام، على معنى تكرمة لكونه حاملًا للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه  وسلم”.

قال الطحاوي وغيره؛ إن هذا خاص بذلك الرجل؛ لكون النبي صلى الله عليه  وسلم كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له إنكاحها مَن شاء بغير صداق، واحتجوا على هذا بمرسل أبي النعمان المذكور لقوله فيه: لا يكون لأحد بعدك مهرًا.

وأجيب عنه بأن هذا حديث مرسل، وفي بعض رواته جهالة، وهذا الحديث -حديث سهل بن سعد- فيه دليل على أن أقل الصداق لا تقدير له.

وممن ذهب إلى أنه لا تقدير لأقل الصداق، بل ما جاز أن يكون مبيعًا أو ثمنًا جاز أن يكون صداقًا: سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال عمر بن الخطاب: “في ثلاث قبضاتِ زبيبٍ مهرٌ”. وقال سعيد بن المسيب: “لو أصدقها سوطًا جاز”.

وذهب قوم إلى أن أقل الصداق يتقدر بنصاب السرقة، وهذا القول هو قول مالك وأصحاب الرأي، غير أن عند مالك نصاب السرقة ثلاثة دراهم، وعند أصحاب الرأي عشرة دراهم، وكان إبراهيم النخعي يكره أن يتزوج الرجل على أقل من أربعين درهمًا، ويقول: “مثل مهر البغي”. يعني: ما دون ذلك، والأول أَولى لما رويناه من الحديث.

كما روي أيضًا عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “من أعطى في صداق امرأته ملء كفيه سويقًا أو تمرًا فقد استحل”. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، لكن في سنده إسحاق بن جبريل. قال الذهبي: لا يُعرف. وضعفه الأزدي، كما أن فيه موسى بن مسلم وهو مجهول.

ومما يدل أيضًا على أن القليل من الصداق يجوز الحديث الذي ذكرناه سابقًا، عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: ((أتى النبيَّ صلى الله عليه  وسلم رجل من بني فزارة، ومعه امرأة له فقال: إني تزوجتها بنعلين، فقال لها: رضيتِ؟ قالت: نعم، ولو لم يعطني لرضيت. قال: شأنك وشأنها)).

وفي حديث سهل بن سعد المذكور دليل على جواز لبس خاتم الحديد، وقد كرهه بعضهم؛ لما روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه “أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه  وسلم وعليه خاتم من شَبَه، وهو نوع من النحاس يشبه الذهب، كانوا يتخذون منه الأصنام، فقال له: ما لي أجد منك ريح الأصنام! فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار! فطرحه، فقال: يا رسول الله، مِن أي شيء أتخذه؟ قال: اتخذه من وَرِق، ولا تُتمه مثقالًا” وإسناده غريب، وحديث سهل أصح.

كما أن هذا الحديث فيه دليل على أن المال غير معتبر في الكفاءة، وفيه دليل أيضًا على أنه يجوز أن يُجعل تعليم القرآن صداقًا، والحديث صريح في ذلك، وهذا هو قول الإمام الشافعي، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز جعل تعليم القرآن صداقا للمرأة، بل قالوا: لها مهر المثل، وهو قول أحمد وأصحاب الرأي، ولم يُجوزْه مالك. وقال مكحول: “ليس لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن يفعله”.

وفي الحديث أيضًا دليل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وعلى جواز أن يُجعل من منفعة الحر صداقًا، وجملته أن كل عمل جاز الاستئجار عليه جاز أن يُجعل صداقًا.

ولم يُجوِّز أصحاب الرأي أن يجعل منفعة الحر صداقًا، ويحتج من جَوَّز عقد النكاح بلفظ التمليك برواية من روى: ((فقد ملكتكها)) وهو قول أصحاب الرأي، ولم يجوز جماعة من العلماء بغير لفظ الإنكاح والتزويج، وهو قول الشافعي، ولا حجة فيه لمن أجاز بلفظ التمليك؛ لأن العقد كان واحدًا، فلم يكن إلا بلفظ واحد، واختلفت الرواية فيه، فالظاهر أنه كان بلفظ التزويج على وفاق قول الخاطب: زوجنيها، إذ هو الغالب من أمر العقود أنه قلما يختلف فيه لفظ المتعاقدين.

ومن نقل غير لفظ التزويج لم يكن قصده مراعاة لفظ العقد، وإنما قصده بيان أن العقد جرى على تعليم القرآن، بدليل أن بعضهم روى بلفظ الإمكان، واتفقوا على أن العقد بهذا اللفظ لا يجوز.

وفي الحديث أيضًا دليل على أنه لو قال: زوجني ابنتك فقال: زوجت، صح، وإن لم يقل قبلت بعده، وكذلك البيع وغيره.

error: النص محمي !!