Top
Image Alt

باب سُنَن الفِطْرة، وباب الختان، وباب أخذِ الشارب وإعفاء اللحية

  /  باب سُنَن الفِطْرة، وباب الختان، وباب أخذِ الشارب وإعفاء اللحية

باب سُنَن الفِطْرة، وباب الختان، وباب أخذِ الشارب وإعفاء اللحية

. باب سُنَن الفِطْرة:

1. حديث أبي هريرة: ((خَمس من الفِطْرة…)):

قال الإمام مجد الدين ابن تيمية: عن أبي هريرة رضي الله  عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((خَمْس مِن الفِطْرة: الاستحداد، والخِتان، وقصّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار))، رواه الجماعة، أي: أصحاب الكتب السّتة، والإمام أحمد -رحمهم الله تعالى.

وقوله: ((خَمْس من الفِطْرة)): المراد: أنَّ هذه الأشياء إذا فُعلت اتّصف فاعلها بالفِطْرة التي فَطَر الله العباد عليها وحثّهم عليها واستحبّها لهم، ليكونوا على أكمل الصِّفات وأشرفها صورة.

وسوّغ الابتداء بالنَّكرة في قوله: ((خَمْس)): أنه صفة موصوف مَحذوف، والتقدير: خِصال خَمس، ثم فسرها، أو على الإضافة، أي: خَمس خِصال. ويجوز أن يكون خَبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الذي شُرع لكم خَمس.

وقوله: ((الاستحداد)) هو: حَلْق العَانة، سُمي: “استحدادًا” لاستعمال الحَديدة، وهي: الموسى؛ وهو سُنة بالاتفاق. ويكون بالحَلْق، والقَصّ، والنَّتف، والنُّورة. قال النووي: والأفضل: الحَلْق. والمُراد بالعَانة: الشعر الذي فَوق ذَكَر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر الذي حول فَرج المَرأة. ونُقل عن أبي العباس بن سُريج: أنه الشعر النَّابت حول حَلقة الدُّبر. قال النووي: فيحصل مِن مجموع هذا: استحباب حَلْق جميع ما على القُبل والدُّبر وحولهما. انتهى.

قوله: ((والخِتان))، اختُلف في وجوبه، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا.

و((الخِتان)): قَطْع جميع الجلدة التي تغطّي الحَشفة، حتى ينكشف جميع الحشفة، وفي المرأة: قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفَرج.

وقوله: ((وقصّ الشّارب))، هو سُنّة بالاتفاق، والقاصُّ مُخيَّرٌ بين أنْ يتولى ذلك بنفسه أو يوليه غيره لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة. وسيأتي مِقدار ما يقصّ منه في باب أخذ الشارب.

وقوله: ((ونتْف الإبط))، هو سُنّة بالاتفاق أيضًا. قال النووي: والأفضل فيه: النَّتف إن قويَ عليه، ويحصل أيضًا بالحَلْق والنُّورة. وحُكيَ عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي وعنده المزيِّن يحَلْق إبطه، فقال الشافعي: علِمتُ أنَّ السُّنة النَّتف، ولكن لا أقوى على الوَجع. ويُستحبّ أن يبدأ بالإبط الأيمن لِحديث التَّيمُّن، وفيه: ((كان يعجبه التَّيمُّن في تَنعّله، وترجُّله، وطَهوره، وفي شأنه كلّه))، وكذلك يُسْتَحب أن يبدأ في قَصّ الشارب بالجانب الأيمن لهذا الحديث.

وقوله: وهو سُنة بالاتفاق أيضًا. والتَّقليم: “تفعيل” مِن: القلْم وهو: القطع. قال النووي: “ويُستحب أن يبدأ باليديْن قبل الرجليْن، فيبدأ بمسبِّحة يده اليمنى ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام. ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها… إلى آخره. ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى”. انتهى.

ب. باب الخِتَان:

1. حديث: ((اختتن إبراهيم بالقَدَوم…)):

عن أبي هريرة رضي الله  عنه: أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((اختتن إبراهيم خليل الرحمن، بعد ما أتتْ عليه ثمانون سنة. واختتن بالقَدوم))، متفق عليه، إلّا أن مسلمًا لم يذكر السِّنين. هذا ما قاله مجد الدين ابن تيمية. والحق: أن مسلمًا قد ذكر في هذا الحديث -في حديث أبي هريرة- السنين، وذلك في “كتاب الفضائل” في “باب فضائل إبراهيم خليل الرحمن”.

قوله: ((الخِتَان)) -بكسر المعجمة، وتخفيف المثناة-: مصدر “خَتَن”، أي: قَطع. و”الخَتْن” -بفتح ثم سكون-: قَطْع بعض مَخصوص من عضو مَخصوص. و”الاختِتان” و”الخِتَان”: اسم لفعل الخَاتِن، ولموضع الخِتَان، كما في حديث السيدة عائشة رضي الله  عنها ((إذا التقى الخِتَانان)). قال الماوردي: “خِتان الذَّكَر: قَطْع الجِلدة التي تغطي الحَشَفة. والمستحب أن تُستوعب مِن أصلها عند أول الحَشَفة؛ وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما تتغشى به”. قال إمام الحرميْن: “المُستحقُّ في الرجال: قَطْع الجِلدة التي تغطّي الحَشَفة حتى لا يبقى من الجِلدة شيء يتدلّى.

وقوله: ((بالقَدُوم)) -بفتح القاف، وضم الدال وتخفيفها.: آلة النجارة، وقيل اسم الموضع الذي اختتن فيه إبراهيم u، وهو الذي في (القاموس). وأورد المصنّف الحديث في هذا الباب للاستدلال به على أنّ مُدة الخِتَان لا تختص بوقت معيّن؛ وهو مذهب الجمهور.

وليس بواجب في حال الصغر.

واختُلف في وجوب الخِتَان؛ فروى الإمام يحيى عن العِترة، والشافعي، وكثير من العلماء: أنه واجب في حق الرجال والنساء، وعند مالك، وأبي حنيفة، والمرتضى. قال النووي: وهو قول أكثر العلماء: أنه سُنة فيهما. وقال الناصر، والإمام يحيى: إنه واجب في حق الرجال لا النساء. واحتج الأولون على الوجوب بحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((مَن أسلم فليخْتتِنْ)). وقد ذكره الحافظ في (التلخيص) ولم يُضعِّفه. وتُعقِّب بقول ابن المنذر: ليس في الخِتَان خَبر يُرجعُ إليه، ولا سُنّة تُتّبع. ومن أدلتهم أيضًا: حديث أمّ عطية -وكانت خافضة- بلفظ: ((أشمِّي ولا تُنْهكي)) عند الحاكم، والطبراني، والبيهقي، وأبي نُعيم، من حديث الضحاك بن قيس.

أمّا القائلون بأنه سُنّة، فقد احتجوا بحديث: ((الخِتَان: سُنّة في الرجال، مَكْرُمة في النساء))، رواه أحمد، والبيهقي .

والحديث استدلّ به مَن قال بوجوب الخِتَان، لِما فيه من لفظ الأمر به. 

فائدة:

اختُلف في خِتان الخُنثى؛ فقيل يجب خِتانه في فرجيه قَبل البلوغ، وقِيل لا يجوز حتى يتبيَّن؛ وهو الأظهر -قاله النووي. وإذا مات إنسان قبل أن يُختن فلأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه؛ الصحيح المشهور: لا يُختن كبيرًا كان أو صغيرًا، والثاني: يُختن، والثالث: يُختن الكبير دون الصغير.

هذا، وقد قامت ضجة كبيرة في أيامنا هذه تحارب خِتان الإناث، وقد تبيَّن لنا هنا من أقوال العلماء أنه إنْ لم يكن واجبًا فهو سُنة، ومعلوم عند المسلمين من لدن عصر رسول الله صلى الله عليه  وسلم وفي الحديث الصحيح كما ذُكر وكما هو معروف، حديث عائشة رضي الله  عنها: ((إذا التقى الخِتَانان وجَب الغُسل))؛ فمعنى ذلك: خِتان الرجل وخِتان المرأة.

جـ.  باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية:

حديث زيد بن أرقم، وحديث أبي هريرة وابن عمر:

قال صاحب (المنتقى) -رحمه الله-: عن زيد بن أرقم رضي الله  عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه  وسلم: ((مَن لمْ يأخذ مِن شاربه فليس منا))، رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث صحيح.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((جزّوا الشوارب وأرخوا اللِّحى؛ خالفوا المجوس!))، رواه أحمد ومسلم.

وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((خالفوا المُشركين: وفّروا اللِّحَى، وأحفوا الشوارب))، متفق عليه.

تقدّم الكلام على بعض ألفاظ هذه الأحاديث في: “باب سُنن الفِطْرة”. وقد اختَلف الناس في حدِّ ما يُقصّ مِن الشارب. وقد ذهب كثير مِن السلف إلى استئصاله وحلْقه، لِظاهر قوله: ((احفوا))؛ وهو قول الكوفيِّين. وذهب كثير منهم إلى منع الحَلْق والاستئصال؛ وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب مَن حَلَقه.

والإحفاء ليس معناه: احفوا ما طال عن الشفتيْن، بل الإحفاء: الاستئصال كما في (الصحاح)، و (القاموس)، و (الكشاف)، وسائر كتب اللغة

قوله: ((وأرخوا اللِّحى))، قال النووي: “هو بقطع الهمزة والخاء، ومعناه: اتركوا ولا تتعرّضوا لها بتغيير.

قوله: ((وفِّروا اللِّحى))، وهي إحدى الروايات، وقد حصل من مجموع الأحاديث خمْس روايات: ((أعفوا))، و((أوفوا))، و((أرخوا))، و((أرجوا))، و((وفِّروا))، ومعناها كلها: ترْكها على حالها.

وقوله صلى الله عليه  وسلم : ((خالِفوا المَجوس))، قد سبق أنه كان مِن عادة الفرس قصُّ اللحية، فنهى الشرع عن ذلك.

فائدة:

قال النووي: “وقد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة، بعضها أشد مِن بعض: الخضاب بالسواد لا لغرض الجهاد، والخضاب بالصُفرة تشبهًا بالصالحين لا لاتّباع السُّنة، وتبييضها بالكبريت أو غيره استعجالًا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم، وإيهام أنه لقيَ المشايخ، ونتفها أوّل طلوعها إيثارًا للمُرودة وحُسْن الصورة، ونتف الشيب، وتصفيفها طاقة فوق طاقة تصنّعًا لتستحسنه النساء وغيرهنّ، والزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصّدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنفقة، وتسريحها تصنّعًا لأجل الناس، وتركها شعثة منتفشة إظهارًا للزهادة وقلة المُبالاة بنفسه؛ هذه عشر، والحادية عشرة: عقدها وضفرها. والثانية عشرة: حلْقها، إلّا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحبّ لها حلْقها”.

error: النص محمي !!