Top
Image Alt

باب: في الخوارج

  /  باب: في الخوارج

باب: في الخوارج

قال الإمام أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس قال: أخبرنا زهير وأبو بكر بن عياش، ومندل عن مطرف عن أبي جهم عن خالد بن وهبان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فارق الجماعةَ قِيدَ شبرٍ، فقد خلع ربقةَ الإسلام من عنقه)).

الخوارج:

فرقة من أهل الباطل خرجوا على علي رضي الله عنه ولهم عقائد فاسدةٌ من بغض عثمان وعلي وعائشة، ومَن وقع بينهم الحرب من الصحابة، ويكفرون مَن ارتكب الكبيرةَ، قاتلهم علي ومعاوية رضي الله عنهما.

((من فارق الجماعة قيد شبر)) بكسر القاف؛ أي قدر شبر، ((فقد خلع)) أي: نزع: ((ربقة الإسلام من عنقه)) والربقة: ما يجعل في عنق الدابة، كالطوق يمسكها لئلا تشرد، يقول: من خرج من طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع عليه، فقد ضل وهلك، وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة بها، فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع.

والحديث سكت عنه المنذري.

وفي هذا الباب أيضًا قال الإمام أبو داود: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، قال: أخبرنا الوليد ومبشر -يعني: ابن إسماعيل الحلبي- بإسناده عن أبي عمرو قال -يعني: الوليد-: حدثنا أبو عمرو قال: حدثني قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: ((سيكون في أمتي اختلاف وفُرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعلَ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروقَ السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فُوقه، هم شر الخلق والخَليقة، طوبَى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، ومن قاتلهم كان أولى بالله تعالى منهم قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: التحليق)).

((لا يجاوز تراقيهم)) يعني: لا يجاوز قرآنُهم أو قراءتهم تراقيَهم، وهي جمع ترقوة، وهي العظم التي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، والمعنى: لا يتجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات، ولا يتعدى إلى القلوب، أو المعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلَوقهم.

((لا يرجعون)) أي: إلى الدين لإصرارهم على بطلانهم، ((حتى يرتد)) أي: يرجع السهم: ((على فوقه)) -بضم الفاء- موضع الوتر من السهم، وهذا تعليق بالمحال؛ لأن السهم يتجه ضد اتجاه الوتر، فإن ارتداد السهم على الفوق محال، فرجوعهم إلى الدين أيضًا محال.

((هم شر الخلق والخليقة)) قال في (النهاية) الخلق: الناس، والخليقة: البهائم، وقيل: هما بمعنى واحد، ويريد بهما جميع الخلائق، ((طوبى)) يعني: هنيئًا أو الجنة لمن قتلهم، فإنه يصير غازيًا، ((لمن قتلهم وقتلوه)) أي: ولمن قتلوه، فإنه يصير شهيدًا، وفيه دليل على جواز حذف الموصول أو الواو؛ لمجرد التشريك، والتقدير: طوبى لمن جمع بين الأمرين قتله إياهم وقتلهم إياه، قاله القاري.

و((يقرءون كتاب الله وليسوا منه في شيء)) يعني: وليسوا من كتاب الله في شيء معتد به، ((مَن قاتلهم)) أي: من أمتي: ((كان أولى بالله تعالى منهم)) أي: من باقي أمتي، ويحتمل أن تكون “من” تعليلية أي: من أجل قتالهم.

“ما سيماهم؟” أي: ما علامتهم؟ قال: ((التحليق)) أي: علامتهم التحليق وهو حلق الرأس، واستئصال الشعر.

قال النووي: “استدل به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح كما قال صلى الله عليه وسلم: ((آيتُهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة)) ومعلوم أن هذا ليس بحرام، وقد ثبت في (سنن أبي داود) بإسناد على شرط البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صبيًّا قد حلق بعض رأسه، فقال: ((احلقوه كله، أو اتركوه كله)) وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلًا”. قال العلماء: “حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح، استحب حلقه، وإن لم يشق استحب تركه” انتهى كلام النووي.

وقال المنذري: قتادة لم يسمع من أبي سعيد الخدري، وسمع أنس بن مالك.

وعلى كل حال فالحديث عن أبي سعيد وعن أنس، فلا يضر أن هناك انقطاعًا بين قتادة وبين أبي سعيد.

الحديث الثاني:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا الأعمش، عن خيثمة عن سويد بن غفلة، قال: قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فلأن أخر من السماء أحب إليَّ مِن أن أكذَبَ عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإنما الحرب خدعة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يأتي في آخر زمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قولِ البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)). يعني: أجر له يوم القيامة.

قال القاضي عياض: “فيه جواز التورية والتعريض في الحرب، فكأنه تأوَّل الحديث على هذا عندما قال: “فإنما الحرب خدعة” يعني: معناه أجتهد رأيي.

و((حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام)) أي: صغار الأسنان ضِعاف العقول، قال في (النهاية): حداثة السن كناية عن الشباب.

((يقولون من خير قول البرية)) أي: من خير ما يتكلم به الخلائق، وقيل: أراد بخير قول البرية القرآن، كما جاء في بعض الأحاديث: ((يقرءون القرآن)) وفي بعض النسخ: ((من قول خير البرية)). والظاهر أن المراد بخير البرية النبي صلى الله عليه وسلم يعني: يقولون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

باب: في قتال الخوارج:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد ومحمد بن عيسى المعنى، قالَا: أخبرنا حماد عن أيوب عن محمد عن عبيدة -أي: السلماني- أن عليًّا ذكر أهل النهروان فقال فيهم: “رجل مودن اليد أو مخدج اليد أو مثدون اليد، لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: أنت سمعت هذا منه صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي ورب الكعبة”.

وكما قلنا: عبيدة هو السلماني، وذكر علي أهل النهروان، ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل، هن بين واسط وبغداد، وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع الخوارج.

ومودن اليد أي: ناقص اليد، أو مخدج، على وزن مفعل، وهو بمعنى مودن أي: ناقص اليد أو مثدون اليد، بفتح الميم وثاء مثلثة ساكنة، وهو صغير اليد مجتمعها كثندوة الثدي، وكان أصله مثنود، فقدمت الدال على النون، كما قالوا: جبذ وجذب، كذا قال النووي.

وقال: “لولا أن تبطروا” من البطر، وهو شدة الفرح أو الطغيان عند النعمة، لولا خوف البطر منكم بسبب الثواب الذي أعد لقاتليهم، فتعجبوا بأنفسكم “لأنبأتكم” أي: أخبرتكم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يعني: بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت -أي: عبيدة- قال لعلي رضي الله عنه: أنت سمعتَ هذا منه؟ قال: إي ورب الكعبة” يعني: نعم ورب الكعبة.

وننتقل للحديث الثاني، وهو كما قال أبو داود -رحمه الله تعالى-:

قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان عن أبيه عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري قال: ((بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين زيد الخيل، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم زيدَ الخير الطائي، ثم أحد بني نَبهان وبين علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، قال: فغضبتْ قريش والأنصارُ، وقالت: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا. قال: إنما أتألفهم قال: فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتِئ الجبين، كث اللحية محلوق، قال: اتقِ الله يا محمد، فقال صلى الله عليه وسلم: من يطع الله إذا عصيته؟ أيأمنني الله على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ قال: فسأل رجل قتلَه -أحسبه خالد بن الوليد- قال: فمنعه صلى الله عليه وسلم قال: فلما ولَّى قال: إن من ضئضئ هذا، أو في عقب هذا قومًا يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروقَ السهم من الرمية، يقتلون أهلَ الإسلام، ويدعون أهلَ الأوثان، لئن أنا والله أدركتهم لأقتلنهم قتلَ عاد)).

“بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة” تصغير ذهبة أي: قطعة من الذهب. “في تربتها” يعني: هذه الذهيبة كائنة في ترابها، لم تميز عنه، ((فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: بين الأقرع بن حابس وبين عيينة بن بدر الفزاري وبين زيد الخيل)) باللام، وفي بعض النسخ بالخير بالراء المهملة، قال النووي: كلاهما صحيح يقال بالوجهين، كان يقال في الجاهلية: زيد الخيل، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام: زيد الخير الطائي، “ثم أحد بني نبهان” يعني: الطائي القبيلة العامة الكبيرة، ثم القبيلة الخاصة، وهي بني نبهان، وهو صفة لزيد، وفي (أُسد الغابة): زيد بن مهلهل بن زيد إلى أن قال: ابن نابل بن نبهان الطائي النبهاني، المعروف بزيد الخير العامري؛ يعني: القبيلة من العامرية، “ثم أحد بني كلاب” وهو علقمة بن علاثة، عامري قبيلته العامة الكبيرة، ثم القبيلة الخاصة التي تندرج في هذه هي بني كلاب.

وفي (أسد الغابة): علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب إلى آخره، العامري الكلابي، فقال: “قالت قريش والأنصار” يعني: المسلمون من قريش ومن الأنصار: “يعطي صناديد أهل نجد” أي: ساداتهم، جمع صنديد بكسر الصاد “ويدعنا” أي: يتركنا فلا يعطنا، قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا أتألفهم)) لأنهم من المؤلفة قلوبهم الحديثي عهد بالإسلام، أما أنتم فلستم تحتاجون إلى هذا التأليف، فمتمكن إيمانكم، “فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين”، “غائر العينين” من الغور أي: غارت عيناه ودخلتَا في رأسه، “مشرف الوجنتين” أي: عالي الخدين، و”ناتئ الجبين” يعني: مرتفع الجبين، و”كث اللحية” أي: كثيف اللحية.

قال الرجل: “اتق الله يا محمد” أي: في القسمة فكأنه يقول: إنك لم تتق الله في القسمة، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((مَن يطع الله إذا عصيتُه؟)) إذا لم أتق وأظلم في القسمة، فمن بعدي وأنا سيد الخلق وأفضل الخلق طاعةً لله عز وجل من يطع الله حينئذٍ. يعني: يريد أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الطائعين لله عز وجل فلا يمكن أن يعصيه، وهذا مع عصمته وثبوت نبوتِه صلى الله عليه وسلم: ((من يطع الله إذا عصيته، أيأمنني الله)) يعني: يجعلني أمينًا على الوحي وعلى أهل الأرض، أن أبلغهم بكل أمانة رسالة الله سبحانه وتعالى ولا تأمنني بتشديد النون ويخفف: ((ولا تأمنوني))، فلما ولى -أي: أدبر- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من ضِئضئ هذا)) بكسر المعجمتين الضادين وبهمزتين، يبدل أولاهما أي: من أصله.

قال الخطابي: “الضئضئ الأصل، يريد أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يَقتدون به، ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله، أو “في عقب هذا” شك من الراوي يعني: من نسله: ((قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)) أي: حلوقهم، قال في (النهاية): الحنجرة رأس العلصمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق، والجمع الحناجر.

((يمرقون)) أي: يخرجون كخروج السهم من الرمية، قال في (النهاية): الرمية الصيد الذي ترميه وتقصده، يريد أن دخولهم في الدين وخروجهم منه، ولم يتمسكوا منه بشيء، كالسهم الذي دخل في الرمية ثم يقدها، ويخرج منها ولم يعلق منها شيء، وذلك لسرعته في دخوله، وفي خروجه، وكذلك هؤلاء في سرعتهم في دخول الدين، وفي خروجهم منه.

((يقتلون أهل الإسلام)) بتكفيرهم إياهم بسبب ارتكاب الكبائر؛ يعني: يقولون كل من ارتكب الكبائر فهو كافر، ويستحق أن يقاتل ويُقتل، ((ويدعون أهل الأوثان)) بفتح الدال أي: يتركون أهل عبادة الأصنام وغيرهم من الكفار، قال صلى الله عليه وسلم: ((لئن أنا والله أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) أراد بقتل عاد استئصالهم بالهلاك، فإن عادًا لم تقتل وإنما أهلكت بالريح واستؤصلت بالهلاك، فهو يريد أن يشبههم باستئصال الله سبحانه وتعالى لعاد بإهلاكهم.

قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم.

error: النص محمي !!