Top
Image Alt

باب: في قوله: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ}، وباب: في قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}

  /  باب: في قوله: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ}، وباب: في قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}

باب: في قوله: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ}، وباب: في قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}

باب في قوله: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ}:  

مازلنا مع هذه الآية الكريمة لقوله تعالى: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ} [النور: 31] يجوز لهنّ أن يدخلن على النساء.

قال الإمام أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن الزهري وهشام بن عروة، عن عائشة قالت: ((كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنّث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل علينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأةً، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعلم ما هو هاهنا -يعني: هذا ليس من أولي الإربة، وإنما هو يعلم هذه الأمور- لا يدخلنّ عليكنَّ هذا، فحجبوه، ولم يدخل عليهم بعد ذلك)).

قوله: {غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ} الإربة والإرب: الحاجة والشهوة، يعني: غير ذوي الشهوة، والمراد من غير أولي الإربة الذين ليس لهم حاجة إلى النساء؛ لكبر أو تخنيث أو عَنَة. يعني: لا يأتي النساء..

عن معمر بن راشد، عن الزهري وهشام بن عروة، فمعمر يروي عن شيخين: الزهري وهشام، وهما يرويان عن عروة بن الزبير: ((كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث)) بفتح النون وكسرها، والفتح أشهر، مخنّث ومخنِّث، وهو الذي يلين في قوله ويتكسّر في مشيته وينثني فيها كالنساء، وقد يكون خلقة، وقد يكون تصنعًا من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا إرب له في النساء؛ ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة، وكنّ لا يحجبنه، إلى أن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام: ((إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان)) المراد بالأربع العكن، جمع عكنة، وهي الطية التي تكون في البطن من كثرة السمن، يقال: تعكن البطن إذا صار ذلك فيه، ولكل عكنة طرفان، فإذا رآهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعًا، وإذا رآهن من جهة الظهر وجدن ثمانٍ، وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن؛ بحيث يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلّا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالبًا في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((هذا -أي: المخنث- يعلم ها هنا)) يطّلع على ما ها هنا: ((ويعلم هذه الأمور، فحجبوه)) أي: منعوه، قال النووي: “في الحديث منع المخنث من الدخول على النساء ومنعهن من الظهور عليهم، وبيان أنه له حكم الرجال الراغبين في النساء في هذا المعنى، وهذا حكم الخصيّ والمجبوب، ذكره”.

قال المنذري: “أخرجه النسائي”.

وقال المزي: حديث: “كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنّث” الحديث أخرجه مسلم في الاستئذان عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة، وأبو داود في اللباس عن محمد بن داود بن سفيان عن عبد الرزاق عن معمر به، وعن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر به -يعني: هذا الحديث- والنسائي في عشرة النساء عن محمد بن يحيى بن عبد الله عن عبد الرزاق به إلى آخر ما قال.

باب في قوله تعالى: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: 31]:

قال الإمام أبو داود في هذا الباب: حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: ((كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة -يعني: زوجه- فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبَا منه، فقلنا: يا رسولَ الله، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟)) يعني المشكلة ليست في نظره هو، ولكن المشكلة في أنهن يمكن أن ينظرن إليه.

في قوله: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: 31] قال في (القاموس): غض طرفه: خَفَضَه، يعني: يخفضن من أبصارهن حتى لا يرون النساء أو العوراتِ. وقوله: “حدثني نبهان” هو بنون مفتوحة ثم موحدة ساكنة الباء.

((احتجبَا)) الخطاب لأم سلمة وميمونة رضي الله عنهما منه، أي: من ابن أم مكتوم، وقوله: ((أفعمياوان)) تثنية عمياء، تأنيث أعمى، قد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال: إنه يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل، كما يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة، وهو أحد قولي الشافعي وأحمد، قال النووي: وهو الأصح؛ لقوله تعالى: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: 31] ولأنّ النساء أحد نوعي الآدميين حرّم عليهن النظر إلى النوع الآخر؛ قياسًا على الرجال، ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ، فإنها أشد شهوةً وأقل عقلًا، فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل.

واحتجّ مَن قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته بحديث عائشة، قالت: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأمه)) ويجاب عنه: بأن عائشة كانت يومئذٍ صغيرة غير مكلفة على ما تقتضي به عبارة الحديث، وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرةً دون البلوغ، أو كان ذلك قبل الحجاب، وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذٍ ست عشرة سنة، واحتجوا أيضًا بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه: ((أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم، قال: إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده)). ويجاب: بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها، ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر، فقد يضمهما البيت الواحد، لكن ينبغي ألا تنظر إليه؛ لأن هذا محرم بمقتضى هذا الحديث.

قال أبو داود: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصّة، ألَا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابَك عنده)) أي: حديث أم سلمة مختص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحديث فاطمة بنت قيس لجميع النساء، هكذا جمع المؤلف أبو داود بين الأحاديث التي تمنع والتي تبيح.

قال الحافظ في (تلخيص الحبير) قلت: هذا جمع حسن، وبه جمع المنذري في حواشيه، واستحسنه شيخنا -ربما العراقي- انتهى.

وجمع في الفتح بين الأحاديث بأن الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم؛ لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به، فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقًا، قال: ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقباتٍ؛ لئلّا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب؛ لئلّا يراهم النساء، فدلّ على مغايرة الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزالي.

لكنني أرى أنه فرق بين الجواز وبين أن يكون هذا النظر مؤدّ إلى الفتنة، فلا يجوز النظر من النساء للرجال إذا كان في ذلك ما يؤدي إلى الفتنة، أو فيه نوع من الشهوة حتى ولو كان جائزًا، يعني: من باب سد الذرائع، والله تعالى أعلم.

قال المنذري: أخرجه هذا الحديث -((أفعمياوان أنتما))- أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.

error: النص محمي !!