Top
Image Alt

باب: في كراهية التمادح

  /  باب: في كراهية التمادح

باب: في كراهية التمادح

قال الإمام أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أخبرنا أبو شهاب، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: أن رجلًا أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ((قطعت عنقَ صاحبك)) ثلاث مرات. ثم قال: ((إذا مدح أحدُكم صاحبَه لا محالةَ، فليقُلْ: إني أحسبه كما يريد أن يقول، ولا أزكيه على الله تعالى)).

قوله صلى الله عليه وسلم عندما أثنى رجل على رجل: ((قطعت عنق صاحبك)) ثلاث مرات، أي: أهلكته؛ لأن مَن يقطع عنقه يهلك، قال النووي: لكن هلاك هذا الممدوح إنما يكون ليس في جسمه وإنما في دينه، وقد يكون من جهة الدنيا أيضًا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب، فيكون معجبًا بنفسه، فتفوت عليه مصلحة الدنيا والدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات.

وهذا الحديث في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث تتعارض مع هذا، أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه، فكيف يجمع بينهما؟

قال العلماء: “ووجه الجمع بينهما أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، بحيث يؤدي به هذا إلى الكذب، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح كما قلنا قد يفسد عليه دينه، وقد تفسد عليه دُنياه، وعلى ذلك يحمل النهي عن المدح”.

أما من لا يخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه، بشرط ألا يكون في هذا مجازفة فيؤمن عليه الفتنة والإعجاب بنفسه، ويؤمن على المادح أن يكون كاذبًا في مدحه أو مغالٍ في مدحه، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة بالمدح يعرف أنه إذا مدح يؤدي به ذلك إلى زيادة في الخير، أو الازدياد منه، أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًّا في ذلك أن يمدح.

وبذلك يجمع بين أحاديث النهي عن المدح والأحاديث الصحيحة التي جاءت بالمدح دون إنكار فيها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان لا بد من المدح إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقدم ذلك على سبيل الظن لا القطع، إنما يترك القطع لله عز وجل الذي يَعلم ما في القلوب، وما يستحق أن يمدح بحق، ومَن لا يستحق أن يمدح بحق حتى وإن كان يبدو منه ما يمدح به، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالةَ)) يعني: لا بد: ((فليقل إني أحسبه)) أي: أظنه: ((كذا وكذا)) بما يريد أن يمدحه به المادح في حق الممدوح.

والمعنى أن المدح الذي يريد المادح أن يقوله في حق الممدوح لا يقطع في حقه به، بل يقول: إني أظنه كذا وكذا، ولفظ الشيخين: ((إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله)) أي: لا أزكيه على الله سبحانه وتعالى والله عز وجل هو الذي يعلم أنه يستحق هذا المدح أو لا يستحق، أو أن هذا المدح يؤدي به إلى الخير أو يؤدي به إلى الشر؛ أي لا أقطع على عاقبته ولا على ما في ضميره؛ لأن ذلك مغيب عني يعلمه الله عز وجل ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضي لذلك لهذا المدح.

قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

error: النص محمي !!