Top
Image Alt

باب: كتابة العلم

  /  باب: كتابة العلم

باب: كتابة العلم

وقبل أن نقرأ في هذا الكتاب بعض الأحاديث نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أولًا: عن كتابة الحديث، ثم أذن فيه، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أو أذن بكتابة حديثه صلى الله عليه وسلم، وأنه كانت له مكتوبات، وعند الصحابة في عهده صلى الله عليه وسلم مكتوبات، وليس هناك من حديث صحيح في النهي المطلق عن كتابة الحديث إلّا حديث واحد، وهو حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى، ولا نتكلم ولا نشكك في صحته، ولكننا نشير إلى أنّ بعض العلماء قد أوقفه على أبي سعيد الخدري؛ لأنه من المعروف أن أبا سعيد الخدري كان يكره كتابة الحديث. هذا من ناحية.

ثانيًا: الأحاديث الكثيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين مشروعية الكتابة، وبعضها متأخر إلى نهاية العهد النبوي، فعند التعارض يمكن أن تكون هي الناسخة، والنهي عن الكتابة هو المنسوخ. فالأحاديث الكثيرة المتفق عليها في الإذن بالكتابة، بصرف النظر عن أنّ بعض العلماء كان يكره كتابة الحديث، لكن واحدًا منهم لم يتعلل بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة، وكان ذلك صحيحًا، يعني: سنقرأ الآن حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة لكنه ضعيف.

قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا يحيى عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن يوسف بن ماهِك، عن عبد الله بن عمرو قال: “كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج إلّا حق)) يعني: ما يخرج من فمه صلى الله عليه وسلم إلا حق.

قوله: “فأمسكت عن الكتاب” أي: عن الكتابة، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة فقال: “اكتب كل ما تسمع مني” فليس صحيحًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في في الغضب يتكلم بغير الحق، فهذا ظن سوء، ولذلك وضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عندما يتكلم، سواء أكان ذلك في الغضب والرضا، فإنه لا يتكلم إلا بالحق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم، ((فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه)) أي: من فمي ولساني، “إلا حق” تستنبط منه المسائل وأحكام الشريعة.

وأخرج الدارمي عن عبد الله بن عمرو أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أروي من حديثك، فأردت أن أستعين بكتاب يدي مع قلبي إن رأيت ذلك، يعني: إن أذنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن كان حديثي، ثم استعن بيدك مع قلبك)) أي: إن كان حديثًا يقينًا من غير شبهة تثق في أنه عني، فاحفظه، ثم استعن بيدك مع قلبك، قاله الشيخ ولي الله الدهلوي.

وأخرج الدارمي وغيره عن وهب بن منبّه عن أخيه -يعني: همام بن منبه- سمع أبا هريرة يقول: “ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم مني، إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب” وحديث عبد الله بن عمرو هذا الذي رواه أبو داود سكَت عنه المنذري أيضًا، فهو صالح.

أمّا الحديث الثاني في كتابة العلم: فقال أبو داود -رحمه الله تعالى: حدثنا نصر بن علي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: “دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث فأمر إنسانًا يكتبه، أو أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ألّا نكتب شيئًا من حديثه، فمحاه”، فهذا الحديث يدل على أن النهي كان موجودًا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك لم ينسخ؛ لأن معاوية وافق زيد بن ثابت على ما نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن الكتابة ومحى ما كتبه.

وقبل أن نبين كلام العلماء في مسألة الإذن ومسألة النهي قبلها، نبيّن أن هذا الحديث ليس صحيحًا، وقد ضعّفه العلماء، قال المنذري: في إسناده كثير بن زيد الأسلمي، مولاهم المزني، وفيه مقال، والمطلب بن عبد الله بن حنطب الذي روى عنه يزيد قد وثّقه غير واحد، وقال محمد بن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له لقاء، وعامة أصحابه -يعني: الذين رووا عنه- يدلسون. هذا آخر كلامه.

وقد قيل: إنه سمع من عمر، وأن الأوزاعي روى عنه، والظاهر أنهما اثنان؛ لأن الراوي عن عمر لم يدركه الأوزاعي، وقد أخرج مسلم في الصحيح كما قلنا: من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)) وسيبين العلماء أن هذا كان في أول الأمر لأسباب، ثم أذن في الكتابة وكتب الصحابة فعلًا.

هذا في مسألة الكتابة والنهي والإذن، قال الخطابي: يمكن أن يكون النهي مقدّمًا، وآخر الأمرين الإباحة، ويمكن أنه إنما نهى أن يُكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلّا يختلط به، فيشتبه على القارئ، وخاصة أنّ المواد التي كان يُكتب عليها أو فيها، كانت قليلة، من اللخاف ومن الجلود وغير ذلك. قال الخطابي: فأما أن يكون نفس الكتاب محظورًا، وتقييد العلم -يعني: الحديث بالخط- منهيًّا عنه؛ فلا، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ، وقال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) فإذا لم يقيدوا ما سمعوه منه يعذر أو يتعذّر التبليغ، ولم يُؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر، والحفظ غير مأمون عليه الغلط.

ثم بيَّن من الأدلة ما يدل على الإذن، وقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل شكا إليه سوء الحفظـ، فقال: ((استعن بيمينك)) وقال: ((اكتبوها لأبي شاة)) يريد: خطبته التي خطبها، فطلب أبو شاة أن تُكتب له، فأذن وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها، وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبًا في الصدقات والمعاقل والديات، أو كتبت عنه فعمل بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف، فدلّ ذلك على جواز كتاب الحديث والعلم، والله تعالى أعلم.

وقال الإمام شمس الدين ابن القيم -رحمه الله: “قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح: ((اكتبوا لأبي شاة)) يعني: خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابه أو كتابته وهي الصحيفة التي كان يسمّيها الصادقة، ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كُتِبَ عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دلّ على أنّ الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله”.

وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في مرض موته: ((ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابًا، فلا تضلوا بعده أبدًا))، وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه صلى الله عليه وسلم، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتابًا عظيمًا فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها، وكتبه صلى الله عليه وسلم في الصدقات معروفة، مثل كتاب عمر بن الخطاب، وكتاب أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس رضي الله عنه.

ويجدر بالذكر أنّ في سند كتاب عمرو بن حزم ضَعْف؛ لكنّ العلماء صححوه، ومنهم الإمام الشافعي، ووثّقوه، وهو مشهور عندهم، وعملوا به، فهو من الأحاديث التي وإن كانت ضعفت سندًا، إلّا أنها صُحِّحَت لشهرتها بين العلماء وللعمل بها، قال ابن القيم: “وقيل لعلي رضي الله عنه: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلّا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول، وفكاك الأسير، وألّا يقتل مسلم بكافر”، قال: وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام؛ لئلّا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميّز وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط، أذن صلى الله عليه وسلم بالكتابة.

وقد قال بعضهم: “إنما كان النهي عن كتابة مخصوصة، وهي أن يُجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس، وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقًا، وكان بعضهم يرخّص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها”.

وبمناسبة أن ابن القيم قال: “كان بعض السلف يكره الكتابة مطلقًا” نلحظ أنه ليس في تعليلهم لذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وإنما كان في تعليلهم أنهم يريدون أن تحفظ في الصدور، وكان بعضهم يقول: احفظوا كما حفظنا، قال ابن القيم: “وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلّا أقلّ القليل”، وقد أفضنا في هذا الأمر لأنّ المستشرقين ومن لفَّ لفهم، قد شوشوا على نقل السنة وعلى توثيقها، بأنها لم تكتب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابتها، وبالتالي كانت عرضة للتغيير والتبديل والنسيان، فلا نثق فيما دوّن في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما أمر بتدوين السنة.

ووجه الحق في ذلك أنّ السنة كتب الكثير منها، يكفي أنّ الصحيفة الصادقة التي رواها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو تحتوي على أكثر من مائتي حديث، وهذه جذور للسنة تفرّعت بعد ذلك هذه الجذور؛ بحيث كثرت الأحاديث التي يمكن أن نقول: إنها كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في عهد الصحابة رضي الله عنهم، ومما كتب في عهد الصحابة رضي الله عنهم صحيفة همام بن منبه، وصحيفة سمرة بن جندب لبنيه، وغير ذلك من الكتابات التي يمكن أن نقول: إن السنة كُتِبَت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة والتابعين، وكان أمر عمر بن عبد العزيز إنما كان للجمع، جمع هذه الكتابات المتفرقة وللتدوين، أي: وضع السنة في دواوين، وفي ذلك يشير ابن حجر في (فتح الباري)، ويفرّق العلماء بين الكتابة، وهذه قد وجدت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم، قبل نهاية القرن الأول، وبين التدوين -بمعنى: وضع السنة في مصنّفات أو في دواوين- كما فعل ابن شهاب الزهري، كان ابن شهاب الزهري يكتب قبل أن يأمره عمر بن عبد العزيز بالتدوين أو بالكتابة، بمعنى: جمع ما تفرّق هنا وهناك ووضعه في دواوين، والله تعالى أعلم.

الحديث الذي معنا، والذي حكاه زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث فيه كلام، أو فيه انقطاع، وفيه كثير بن زيد وهو ضعيف، فلا يعتمد عليه في ذلك، خاصة مع ما يعارضه من الواقع الذي ثبت يقينًا، وهو كتابة السنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة، وفي عهد التابعين، وتكامل ذلك حتى جاء القرن أو بداية القرن الثاني الهجري.

ننتقل إلى حديث آخر في كتابة العلم، وكأنّ أبا داود -رحمه الله تعالى- أراد أن يثبت أن الكراهة إنما كانت من بعض الصحابة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذِن في الكتابة، فأتى بحديث موقوف عن أبي سعيد الخدري قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا ابن شهاب عن الحذاء -يعني: خالد الحذاء، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: “ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن” ثم قال: حدثنا مؤمل قال: أخبرنا الوليد قال: وحدثنا العباس بن وليد بن مزيد قال: أخبرني أبي عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرنا أبو سلمة -يعني: ابن عبد الرحمن- قال: حدثني أبو هريرة قال: “لما فُتحت مكة قام النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الخطبة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقام رجل من أهل اليمن يُقال له أبو شاة، فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال: ((اكتبوا لأبي شاة)).

ثم قال: حدثنا علي بن سهل الرملي قال: أخبرنا الوليد قال: قلت لأبي عمرو: ما يكتبوه؟ قال: الخطبة التي سمعها يومئذ منه، وبطبيعة الحال هذه الخطبة كانت في فتح مكة، وهي في آخر العهد النبوي، فإذا كان هناك نسخ هي الناسخة، يعني: الإذن بكتابة هذه الخطبة لأبي شاة هو الناسخ.

error: النص محمي !!