Top
Image Alt

باب كون النهي عن المنكر من الإيمان

  /  باب كون النهي عن المنكر من الإيمان

باب كون النهي عن المنكر من الإيمان

وننتقل إلى حديث آخر في باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.

قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن سفيان، ثم حول السند فقال: وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة كلاهما عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب.

وهذا حديث أبي بكر -أي ابن أبي شيبة- قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد ترك ما هنالك أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).

قال القاضي عياض: اختلف في هذا أي في البدء بالخطبة أو بالصلاة، قال القاضي عياض: اختلف في هذا أي من بدأ بالخطبة قبل الصلاة، فوقع هنا في هذا الحديث ما نراه وقيل: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان رضي الله عنه وقيل: عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة ولا ينتظرون الخطبة وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبعد منزله وقيل: أول من فعله معاوية وقيل: فعله ابن الزبير رضي الله عنه ، والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم تقديم الصلاة وعليه جماعة فقهاء الأنصار، وقد عده بعضهم إجماعًا، يعني والله أعلم بعد الخلاف أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول.

وفي قوله: ((أما هذا فقد قضى ما عليه)) كان هذا بمحضر من ذلك الجمع العظيم ففيه دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان، وبينه أيضًا احتجاجه بقوله: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرًا فليغيره)) ولا يسمى منكرًا لو اعتقده من حضر أو سبق به عمل أو مضت به سنة.

وفي هذا دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وإنما حكي عن عمر وعثمان ومعاوية وهو لا يصح والله أعلم.

وقوله: فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد، أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده… الحديث)). قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد رضي الله عنه عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟! وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام، ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئًا لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد والله أعلم.

ثم إنه جاء في الحديث الذي اتفق عليه البخاري ومسلم رحمهما الله على إخراجه في باب صلاة العيد: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين رآه يصعد المنبر، وكان جاءا معًا فرد عليه مروان بمثل ما رد عليه هنا على الرجل فيحتمل أنهما قضيتان أو قصتان إحداهما لأبي سعيد والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد والله أعلم.

وأما قوله: ((فقد قضى ما عليه)) ففيه تصريح بالإنكار أيضًا من أبي سعيد وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((فليغيره)) فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين ولا يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يكترث بخلافهم في هذا فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.

ولا يتعارض هذا الحديث مع قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مّن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية:{ أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به، ومما كلفتم به القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164] ومما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب عليه بعد ذلك ولا تقصير، أما إذا لم يفعل فإنه سيذنب تبعًا لذلك، لا لأن غيره قصر ولكن لأنه قد أخل بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أحد مستوياته التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين هذا الفرض كما إذا كان في موضع لا يعلم به أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف، قال العلماء رحمهم الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والذي عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا القبول، وكما قال والذي عليه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله عز وجل: {مّا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ} [المائدة: 99] قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثل بما يأمر به مجتنبًا ما يَنهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًّا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، وإن كان سينطبق عليه قوله سبحانه وتعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].

لكن مع ذلك لا يسقط هذا الأمر ولا ذاك النهي إن كان مخلًّا بما يأمر به أو كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها وأن يأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر، ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين؛ قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية والله أعلم. ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها؛ فكل المسلمين علماء به وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعين بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق. فيحسن الأمر أو النهي في الأمور الخلافية إذا كان هذا الأمر أو النهي يُخرج من الخلاف؛ فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر، وذكر الماوردي في (الأحكام السلطانية) خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحِسبة: هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد أم لا يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغيره لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره وكذلك قالوا: ليس للمفتى ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا؛ قال الإمام النووي: واعلم أن هذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قد ضُيع أكثره في أزمان متطاولة ولم يبقَ منه في هذه الأزمان -يعني في زمان النووي- إلا رسوم قليلة جدًّا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عمَّ العقابُ الصالحَ والطالحَ، وإذا لم يأخذوا على الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب -فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه- ويخلص نيته ولا يهاب من ينكر عليه لارتفاع مرتبته قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40] وقال تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] وقال تعالى: {وَالّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وقال تعالى: {أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2، 3].

واعلم أن الأجر على قدر النَّصب، ولا يتركه أيضا لصداقته ولمودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه؛ فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًّا، ومن حقه أن ينصحه وأن يهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه وإنما كان إبليس عدوًّا لنا لهذا، وكان الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أولياء المؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا وأحبابنا وسائر المسلمين لمرضاته وأن يعمنا بجوده ورحمته، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب؛ فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً فقد فضحه وشانه، ومما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأي إنسانًا يبيع متاعًا معيبًا أو نحوه فإنهم لا ينكرون ذلك ولا يعرِّفون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يجب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يُعلم المشترى، والله أعلم.

وأما صفة النهي ومراتبه: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: ((فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) فقوله صلى الله عليه وسلم: ((فبقلبه)) معناه فليكره بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغيير المنكر، ولكنه هذا هو الذي في وسعه، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وذلك أضعف الإيمان)) معناه والله تعالى أعلم: أقله ثمرة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أم فعلًا، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه كف يده واقتصر بالقول باللسان والوعظ والتخويف، وهذا ينبغي أن نلتفت إليه جيدًا فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه، هذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال وإن قتل ونيل منه كل أذى.

قال كذلك إمام الحرمين: ويسوغ لآحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينتهِ الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح، فإن انتهي الأمر إلى ذلك ربط الأمر بالسلطان، قال: وليس الأمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثر على منكر غيَّره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، والله تعالى أعلم.

في الباب نفسه حديث ابن مسعود:

قال الإمام مسلم: حدثني عمرو الناقد وأبو بكر بن النضر وعبد بن حميد واللفظ لعبد قالوا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثني أبي عن صالح بن كيسان عن الحارث عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المِسور عن أبي رافع عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).

قال أبو رافع: فحدثته عبد الله بن عمر فأنكره عليه فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر قال صالح، وقد تُحدث بنحو ذلك عن أبي رافع قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هذا الحديث غير محفوظ، قال: وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وابن مسعود يقول: اصبروا حتى تلقوني. يعنى أن هذا يتعارض مع المبدأ الذي عليه ابن مسعود وأنه ينبغي الصبر على هذه الظواهر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث قد أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله، وقد روي عن الحارث عن جماعة من الثقات ولم نجد له ذكرًا في كتب الضعفاء وفي كتاب ابن أبي حاتم عن يحيي بن معين أنه ثقة ثم إن الحارث الذي رواه لم ينفرد به بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان، وذكر الإمام الدارقطني رحمه الله في كتاب (العلل) أن هذا الحديث قد روي من وجوه أخر؛ منها: عن أبي واقد الليثي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: ((اصبروا حتى تلقوني)) فذلك حيث يلزم من ذلك سفك الدماء أو إثارة الفتن أو نحو ذلك، وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان؛ فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة، على أن هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظة ذكر لهذه الأمة، هذا آخر كلام ابن الصلاح.

قال الإمام النووي: وهو ظاهر كما قال، وقدح الإمام أحمد رحمه الله في هذا بهذا عجب والله أعلم. وأما الحواريون المذكورون فاختلف فيهم؛ فقال الأزهري وغيره: هم خُلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نقوا من كل عيب، وقال غيره: أنصار الأنبياء، وقيل: المجاهدون وقيل: الذين يصلحون للخلافة بعدهم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف)) الضمير في ((أنها)) هو الذي يسميه النحويون ضمير القصة والشأن؛ أي أن الشأن في ذلك أن تخلف خلوف، ومعنى: ((تخلف)) تحدث، وأما الخلوف فهو جمع خلف بإسكان اللام وهو الخالف بشر، وأما الفتح فهو الخالف بخير، قال الإمام النووي: هذا هو الأشهر، وقال جماعة من أهل اللغة منهم أبو زيد: يقال: كل واحد منهم بالفتح والإسكان، ومنهم من جوز الفتح في خلف الشر، ولم يجوز الإسكان في الخير، ((فنزل بقناة)) هكذا هو في بعض الأصول المحققة بقناة بالقاف المفتوحة وآخره تاء التأنيث، وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث، وهكذا ذكره أبو عبد الله الحميدي في (الجمع بين الصحيحين) ووقع في أكثر الأصول ولمعظم رواة كتاب مسلم بفنائه؛ بالفاء المكسورة والمد، والفناء ما بين أيد المنازل والدور، وكذا رواه أبو عوانة الإسفرايينى، قال القاضي عياض -رحمه الله-: في رواية بقناة هو الصواب، وقناة وادٍ من أودية المدينة، قال: ورواية الجمهور بفنائه هو خطأ وتصحيف، قوله صلى الله عليه وسلم: ((يهتدون بهديه)) أي بطريقته وسمته، والله أعلم.

error: النص محمي !!