Top
Image Alt

باب: كيف الرقي

  /  باب: كيف الرقي

باب: كيف الرقي

الحديث الأول:

قال أبو داود -رحمه الله تعالى- في هذا الباب: حدثنا مسدد قال: أخبرنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب قال أنس -يعني لثابت-: ((ألا أرقيك رقيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: فقال: اللهم رَب الناس، مذهب الباس، اشفِ أنتَ الشافي، لا شافي إلا أنت، اشفه شفاءً لا يغادر سَقمًا)).

قوله: “ألا أرقيك”، أي: ألا أُعوِّذك. ((اللهم رب الناس)) أي: يا رب الناس. ((مذهب الباس)) أي: مذهب البأس وهو الشدة والضرر.

((اشفِ أنت الشافي)) فيه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن، فاسم الشافي ليس موجودًا في القرآن، ما لم يوهم نقصًا، وكان له أصل في القرآن هكذا، ففي القرآن: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80].

((لا شافيَ إلا أنت)) لأن الدواء لا ينفع إلا بتقديرك وبإذنك سبحانك.

((اشفه)) بكسر الهاء، أي: العليل. ضمير العليل المريض، أو اشفه هي هاء السكت.. ((لا يغادر)) أي: لا يترك سقمًا إلا أذهبَه. قال المنذري: “وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي”.

الحديث الثاني:

قال أبو داود: حدثنا عبد الله القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن خُصيفة، أن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي، أخبره أن نافعَ بنَ جبير، أخبره عن عثمان بن أبي العاص: ((أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عثمان: وبي وجع قد كاد يُهلكني. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امْسَحْه بيمينك سبعَ مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد. قال: ففعلت ذلك، فأذهب اللهُ ما كان بي، فلم أزل آمُر به أهلي وغيرَهم)).

وقوله -أي: عثمان-: “قد كاد يهلكني” أي: قارب على هلاكي، ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن نافع عن عثمان أنه اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((امسحه -أي: موضع الوجع- بيمينك سبع مرات)). وفي رواية مسلم قال: ((ضع يدَك على الذي يألم من جسدك)) وللطبراني والحاكم: ((ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات وقل -زاد مسلم-: بسم الله ثلاثًا قبل قوله: أعوذ بعزة الله)) وقوله: ((أعوذ بعزة الله)) يعني: أعتصمُ بعزة الله. ((من شر ما أجد)) وفي رواية مسلم زيادة: ((وأحاذر)). يعني: وأخاف. وللطبراني والحاكم عن عثمان أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع، والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن محمد بن سالم، قال: قال لي ثابت البناني: ((يا محمد، إذا اشتكيتَ، فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أَعد ذلك وترًا)) قال: فإن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك. قال: “فأذهب اللهُ ما كان بي من الوجع”.

وقوله: “فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم”. لأنه من الأدوية الإلهية والطب النبوي؛ لِمَا فيه من ذكر الله، والتفويض إليه، والاستعاذة بعزته وقدرته، وتَكراره يكون أنجحَ وأبلغَ، كتكرار الدواء الطبيعي باستقصاء إخراج المادة التي تسبب المرض. وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وهو عدد توقيفي.

قال المنذري: “وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه”.

وفي الباب نفسه قال: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالوا: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد ربه -يعني: ابنَ سعيد- عن عمرةَ عن عائشة قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للإنسان إذا اشتكى يقول بريقه، ثم قال به في التراب: تربة أرضنا بريقة بعضنا، يُشفى سقيمُنا بإذن ربنا)).

كلمة “قال”: تُستعمل في بعض الأحيان بمعنى فعل، وهي هنا كذلك. فقوله: ((إذا اشتكى يقول بريقه)) يعني: يفعل بريقه، يعني: يبل أصبعَه بريقه. ((ثم قالَ به في التراب)) يعني: غمسه في التراب. ولفظ مسلم: ((كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منه، أو كانت به قرحة أو جرح، يقول، يشير بريقه، ثم قال: أي أشار به)). وعند مسلم: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه هكذا)). ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها.

قال النووي: “ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح”.

((تربة أرضنا)) هو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه هي تربة أرضنا. ((بريقة بعضنا)) أي: هي ممزوجة بريقه. ولفظ البخاري: ((بسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا)) وهذا يدل على أنه كان يتفل عند الرقية.

قال النووي: “المراد بأرضنا ها هنا -يعني: في الحديث- جملة الأرض. وقيل: أرض المدينة خاصة لبركتها. والريقة أقل من الريق”.

((يشفى)) بصيغة المجهول علة للممزوج. قاله السندي.  ((بإذن ربنا)) يعني: يشفى هذا المريض أو هذا السقيم ليس بالريق لذاته، وليس بالتربة لذاتها، وإنما بإذن الله عز وجل إذا أذِنَ أن يكون هذا شفاء للدواء شُفي المريض بإذن الله سبحانه وتعالى والريق والتربة كما في كل الأدوية، إنما هي أسباب جعلها الله تعالى لشفاء المرضى بإذنه سبحانه وتعالى وليس بذاتها.

وهكذا ينبغي أن يَفهم المؤمنُ.

error: النص محمي !!