Top
Image Alt

باب: كيف نزل الوحي, وأول ما نزل, وباب: نزل القرآن بلسان قريش

  /  باب: كيف نزل الوحي, وأول ما نزل, وباب: نزل القرآن بلسان قريش

باب: كيف نزل الوحي, وأول ما نزل, وباب: نزل القرآن بلسان قريش

أبواب فضائل القرآن:

قال البخاري في أوّل باب من هذا الكتاب: باب: كيف نزل الوحي، وأوّل ما نَزل.

ثم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة وابن عباس رضي الله عنهم قالا: ((لبِث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشْر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشْر سنين)).

وهذا ظاهره: أنه صلى الله عليه وسلم عاش ستين سنة، إذا انضم إلى المشهور أنه بُعث على رأس الأربعين. لكن يمكن -كما يقول ابن حجر- أن يكون الراوي ألغى الكسر؛ فإنّ كلّ من روي عنه أنه عاش “63” سنة، فالمُعتمَد ذلك، وما يخالف ذلك إمّا أن يُحمل على إلغاء الكسر في السِّنين، وإمّا على جبر الكسر في الشهور.

وحديث الباب يمكن أن يُجمع بينه وبين المشهور بوجْه آخَر، وهو: أنه بُعث على رأس الأربعين؛ فكانت مدّة وحي المنام ستة أشهر، إلى أن نزل عليه الملَك في شهر رمضان من غير فترة الوحي. ثم فتَر الوحي. ثم تتابع وتواتر؛ فكانت مدّة تواتره وتتابعه بمكة “10” سنين من غير فترة. أو أنه صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين قُرِن به ميكائيل أو إسرافيل، فكان يُلقي إليه الكلمة أو الشيء مدة ثلاث سنين، كما جاء من وجْه مرسَل. ثم قُرن به جبريل، فكان ينزل عليه بالقرآن مدّة عشر سنين بمكة.

ويُؤخذ من هذا الحديث ممّا يتعلّق بالترجمة:

أنّ القرآن نزل مفرّقًا، ولم ينزل جُملة واحدة. ولعلّه أشار إلى ما أخرجه النسائي، وأبو عبيد، والحاكم، من وجْه آخَر عن ابن عباس، قال: “أُنْزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سَنة، وقرأ: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}” الآية الكريمة.

وقوله في الإسناد: “عن شيبان”، هو: ابن عبد الرحمن، و”يحيى” هو: ابن أبي كثير، و”أبو سلمة” هو: ابن عبد الرحمن بن عوف.

حديث أبي عثمان: ((أنْبِئتُ…)).

قال البخاري في الباب نفسه: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان، قال: ((أُنبِئْتُ: أنّ جبريل أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم وعنده أمّ سلمة، فجعل يتحدّث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمِّ سلَمة: من هذا؟ -أو كما قال- قالت: هذا دِحية. فلما قام قالت: والله ما حسبتُه إلا إيّاه، حتّى سمعتُ خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يُخبِر خبَر جبريل))، أو كما قال.

قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممّن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد.

قوله: “حدثنا معتمر” هو: ابن سليمان التيمي، قال: ((أُنبئْتُ أنّ جبريل))، فاعل “قال” هو: أبو عثمان النهدي.

وقوله: ((أُنْبِئْتُ)) على البناء للمجهول، وقد عيَّنه في آخِر الحديث؛ وهو أنه أخذه عن أسامة بن زيد. ووقع عند مسلم في أوّله زيادة، حذفها البخاري عمدًا لكونها موقوفة، ولعدم تعلّقها بالباب، وهي: عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: ((لا تكوننّ إن استطعتَ أوّلَ من يَدخل السوق…))، الحديث، وقد أورده البرقاني في (مستخرجه) من طريق عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا.

قوله: ((فقال لأمّ سلمة: من هذا؟))، فاعل ذلك: النبي صلى الله عليه وسلم استفهم أمّ سلمة عن الذي كان يحدّثه، هل فَطِنَت لكونه ملَكًا، أو لا.

وقوله: “أو كما قال”، يريد: أنّ الراويَ شكّ في اللفظ، مع بقاء المعنى في ذهْنِه. وهذه الكلمة كثُر استعمال المحدِّثين لها في مِثل ذلك. قال الداودي: “هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل؛ وظاهر سياق الحديث يُخالفه”؛ كذا قال، ولم يظهر لي ما ادّعاه من الظهور. كذا قال.

وقال ابن حجر: “ولم يظهر لي ما ادّعاه من الظهور، بل هو محتمل للأمرَين”.

قالت أم سلمة: “هذا دحية”، أي: ابن خليفة الكلبي، الصحابي المشهور؛ وقد تقدّم ذِكره في حديث أبي سفيان الطويل، في قصة هِرَقل، في أوّل “كتاب البخاري”، والذي تعرّضنا له في شرح (صحيح البخاري) في أوائل أحاديث من كتاب “بدء الوحي”. وكان دحية موصوفًا بالجَمال، وكان جبريل يأتي النبيَ صلى الله عليه وسلم غالبًا على صورته.

وقوله: ((فلما قام))، أي: النبي صلى الله عليه وسلم أي: قام ذاهبًا إلى المسجد؛ وهذا يدلّ على أنه لم ينكر عليها ما ظنَّته من أنه دحية، اكتفاءً بما سيقع منه في الخُطبة ممّا يوضّح لها المقصود.

وقولها: ((ما حسبتُه إلا إياه))، في رواية عند مسلم: ((فقالت أمّ سلمة: ايمُن الله! ما حسبتُه إلا إيّاه!)). و”ايمُن” من حروف القَسم. ((حتّى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يُخبر بِخَبر جبريل)).

قوله: “قال أبيّ”، القائل هو: معتمر بن سليمان.

وقوله: “فقلت لأبي عثمان”، أي: النهدي الذي حدّثه بالحديث، وقوله: “ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد”، فيه: الاستفسار عن اسم من أبهَم من الرواة، ولو كان الذي أبهم ثقة معتمَدًا. وفائدته: احتمال إلا يكون عند السامع كذلك؛ ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال.

قال عياض وغيره: “وفي هذا الحديث أنّ للملَك أن يتصوّر على صورة الآدميّ، وأنّ له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدمي أن يراه فيها، لضَعف القوى البشرية، إلا من يشاء الله أن يقوِّيه على ذلك”؛ ولهذا كان الغالب ما يأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل، كما تقدّم في “بدء الوحي”: ((وأحيانًا يتمثّل لي الملَك رجُلًا))، ولم يرَ جبريلَ على صورته التي خُلق عليها إلا مرّتيْن -كما ثبت في “الصحيحيْن”- ومن هنا، يتبيّن وجْه دخول حديث أسامة هذا في هذا الباب، في باب: كيف نزل الوحي، وأوّل ما نزل.

حديث أنس رضي الله عنه: ((أنّ الله تعالى…)).

قال البخاري: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أنّ الله تعالى تابَع على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتّى توفّاه أكثر ما كان الوحي. ثم توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ)).

في رواية: ((إنّ الله تابع على رسوله الوحي قبل وفاته))، وهذا في رواية أبي ذر. أي: أكثر إنزاله قُرب وفاته صلى الله عليه وسلم؛ والسِّرّ في ذلك: أنّ الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك.

قال ابن حجر: “ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك عن الزهري، قال: سألت أنس بن مالك: هل فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت؟ قال: ((أكثر ما كان وأجمّه)).

وقوله: ((حتّى توفّاه أكثر ما كان الوحي))، أي: الزمان الذي وقعَت فيه وفاته، كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. ثم توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ.

فيه: إظهار ما تضمنّته الغاية في قوله: ((حتى توفّاه الله)). وهذا الذي وقع أخيرًا على خلاف ما وقع أولًا؛ فإنّ الوحي في أوّل البعثة فتَر فترة، ثم كثُر. وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السّوَر الطوال إلا القليل. ثم بعد الهجرة، نزلت السّوَر الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولًا، للسبب المتقدِّم. وبهذا تَظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة، لتضمّنه: الإشارة إلى كيفية النزول.

حديث جندب: ((اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة…)).

قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جندبًا يقول: ((اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلمْ يَقُم ليلة أو ليلتيْن، فأتتْه امرأة فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد ترَكَك، فأنزل الله عز وجل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى})).

وسفيان في هذا الحديث هو: الثوري، ولا يقول: “يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك”، إلا إن يكون كافرًا؛ لأن الذي يَنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي لم يكن شيطانًا، وإنما كان ملَكًا كريمًا، وكان يَعرف ذلك المسلمون؛ ولهذا قالوا: إنّ الذي قال ذلك هي: “أمّ جَميل” امرأة أبي لهب التي نزل فيها وحي في قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب}. ولكن جاءت رواية: ((يا محمد! ما أرى صاحبَك إلا قد ترَكَك)). وقالوا: إنّ الذي قال ذلك هو: خديجة رضي الله عنها وهذا محتمَل؛ لأنها قالت: “صاحبَك”، وتقصد جبريل.

باب: نزل القرآن بلسان قريش والعرب قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا}، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين}:

قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، وأخبرني أنس بن مالك، قال: فأمر عثمان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوها في المَصاحف، وقال لهم: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش؛ فإنّ القرآن أُنزل بلسانهم”، ففعلوا.

قوله: “أن ينسخوها في المصاحف”، الضمير في “ينسخوها” للسّوَر أو للآيات، أو الصُّحف التي أحضِرَت من بيت حفصة رضي الله عنها.

وفي رواية من روايات البخاري: “أن ينسخوا ما في المصاحف”، أي: ينقلوا الذي فيها إلى مصاحف أخرى؛ والأوّل هو المعتمد؛ لأنه كان في صحف لا مصاحف.

سيأتي مزيد من التفصيل بعد قليل لحديث أنس بن مالك -إن شاء الله تعالى- قريبًا.

حديث: صفوان بن يعلى:

وفي حديث آخَر في هذا الباب، قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا عطاء، قال البخاري وقال مسدّد: حدثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، أنّ يعلى كان يقول: “ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي!”. ((فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظلّ عليه، ومعه الناس من أصحابه؛ إذ جاءه رجل متضمِّخ بطِيب، فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجُل أحرم في جُبّة بعدما تضمّخ بطيب؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعةً، فجاءه الوحي. فأشار عمر إلى يعلى -أي: تعالَ- فجاء يعلى، فأدخل رأسه، فإذا هو صلى الله عليه وسلم محمرّ الوجه، يغطّ كذلك ساعة. ثم سُرّي عنه فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا؟ فالتُمس الرجل فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أمّا الطيب الذي بِك فاغسلْه ثلاث مرات. وأمّا الجبة فانزعْها. ثم اصنع في عُمرتك كما تصنع في حجِّك)).

قوله: “وقال مسدد: حدثنا يحيى”، يحيى هو: ابن سعيد، كما جاء في بعض الروايات. وهو: القطّان. قال ابن حجر: “وهذا الحديث وقَع لنا موصولًا في رواية مسدّد، من رواية معاذ بن المثنّى، كما بيّنته في (تغليق التعليق).

وقوله: “كان يقول: “ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم”؛ هذا صورته مرسَل؛ لأن صفوان بن يعلى ما حضَر القصة. وقد أورده البخاري في “كتاب العمرة” مِن “كتاب الحج” بالإسناد الآخَر الذي ابتدأ به الحديث، عن أبي نعيم، عن همام، فقال: عن صفوان بن يعلى، عن أبيه؛ فوضّح أنه ساقه هنا على لفظ رواية ابن جُريج. وقد أخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، بنحو اللفظ الذي ساقه المصنِّف.

والحديث يدلّ على: هيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يَنزل عليه الوحي، وما يُلاقيه من شدّة صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!