Top
Image Alt

باب: كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث زيد والبراء, وباب: أنزل القرآن على سبعة أحرف

  /  باب: كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث زيد والبراء, وباب: أنزل القرآن على سبعة أحرف

باب: كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث زيد والبراء, وباب: أنزل القرآن على سبعة أحرف

حديث زيد، وحديث البراء في نزول قوله: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ}:

قال البخاري في باب: كاتب النبي صلى الله عليه وسلم:

حدثنا يحيى بن بُكير، قال: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، أنّ ابن السبّاق، قال: إنّ زيد بن ثابت، قال: “أرسَل إليّ أبو بكر رضي الله عنه قال: “إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتّبعِ القرآن!”، فتتبّعت حتى وجدت آخر سورة “التوبة”، آيتيْن مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدْها مع أحَد غيره: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ }. إلى آخره.

وحديث زيد بن ثابت هذا هو مختصر من الحديث الذي تعرّضنا له، وغرضه منه هنا: قول أبي بكر لزيد: “إنك كنت تكتب الوحي”.

حديث آخر:

قال البخاري في الباب نفسه: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: ((لما نزلَت: لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ادْعُ لي زيدًا، ولْيَجِئْ باللّوْح والدّواة والكتِف، أو الكتف والدّواة، ثم قال: اكتُبْ: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ}، وخَلْف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمّ مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله! فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: “لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ”)).

تقدّمَت في سورة “النساء” هذه الرواية أو هذا الحديث -كما ذكر ابن حجر- ووقع هنا: “فنزلت مكانها: “لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ”، هكذا وقع بتأخير لفظ: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ}، والذي في التلاوة {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} قبل {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ}، أي: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}.

والمراد هنا: استواء هذا وذاك في أصل الثواب، لا في المضاعَفة؛ لأن المضاعفة تتعلّق بفعل الجهاد، ويحتمل أن يتعلّق بالجهاد سائر الأعمال الصالحة.

2. باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف:

حديث ابن عباس: ((أقرأني جبريل…)):

قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال حدثني عبيد الله بن عبد الله، أنّ ابن عباس رضي الله عنهما حدّثه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأَني جبريل على حَرْف، فراجعْتُه؛ فلَمْ أزل أستزيدُه ويزيدُني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)).

قول البخاري: “باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف”، أي: على سبعة أوْجه يجوز أن يُقْرأ بكلِّ وجْه منها. وليس المراد: أنّ كلّ كلمة ولا جملة منه تُقرأ على سبعة أحرف؛ بل المراد: أنّ غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة: إلى سبعة. فإن قيل: فإنّا نجِد بعض الكلمات يُقرأ على أكثر من سبعة أوْجه؟ فالجواب: أنّ غالب ذلك إمّا لا تثبت الزيادة، وإمّا أن يكون من قَبيل الاختلاف في كيفيّة الأداء، كما في المدِّ والإمالة ونحوهما…

وقيل: ليس المراد بالسّبعة حقيقة العدد، بل المراد: التسهيل والتيسير. ولفظ: “السّبعة” يطلَق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق “السّبعين” في العشرات، و”السبعمائة” في المئين، ولا يراد العدد المعيّن؛ وإلى هذا جنَح عياض ومَن تبِعه.

وذَكر القرطبي عن ابن حبان: أنه بلغ الاختلاف في معنى “الأحرف السبعة” إلى “35” قولًا، ولم يذكر القرطبيّ منها سوى خمسة. وقال المنذري: أكثرها غير مختار.

وقوله: “سعيد بن عُفَيْر” -بالمهملة والفاء، مصغّر- وهو: سعيد بن كثير بن عُفير، يُنسب إلى جدّه. وهو مِن حفاظ المصريِّين وثقاتهم.

حديث عمر بن الخطاب: ((إنّ هذا القرآن أُنزِل على سبْعة أحرف…)).

قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير: أنّ المِسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ حدثاه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة “الفرقان” في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعتُ لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدْتُ أساوره في الصلاة. فتصبّرت حتى سلّم. فلبّبته بردائه فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت! فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة “الفرقان”، على حروف لم تقرِئْنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرسِلْهُ! اقرأ يا هشام!))، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذلك أنزلَتْ. إِنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسّر منه)).

“عبد الرحمن بن عبدٍ”، هو بالتنوين غير مضاف لشيء. “القاريّ” بتشديد الياء التحتانية، نِسبة إلى القارّة، بطن من خزيمة بن مدركة. و”القارّة”: لقَب.

قال: “فكدت أساوره”، أي: آخذ برأسه، ثم قال: “فتصبّرت”، وفي رواية: “ثم أمهلْتُه حتى انصرف”، أي: من الصلاة، لقوله في هذه الرواية التي معنا: “حتى سلّم”، قال: “فلبَبْته بردائه”، أي: جمعت عليه ثيابه عند لُبّته، لئلَّا ينفلت مني. وكان عمر شديدًا في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك على اجتهاد منه، لِظَنِّه أنّ هشامًا خالف الصّواب؛ ولهذا لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال له: ((أرسِلْه!)).

وقوله: “كذبتَ!”، فيه إطلاق ذلك على غلبة الظن، أو المراد بقوله: “كذبْت!” أي: أخطأت؛ لأن أهل الحجاز يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، قال: “فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها”؛ هذا قاله عمر استدلالًا على ما ذهب إليه من تخْطئة هشام، وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قَدمه في الإسلام وسابِقتِه، بخلاف هشام، فإنّه كان قريبَ العهد بالإسلام؛ فخشِي عمر مِن ذلك أن لا يكون أتقَن القراءة، بخلاف نفسه، فإنه كان قد أتقن ما سمِع.

وكان سبب اختلاف قراءتهما: أنّ عمر حفِظ هذه السورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قديمًا، ثم لم يَسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهَده. ولأنّ هشامًا من مُسلمة الفتح، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه على ما نزل أخيرًا؛ فنشأ اختلافهما من ذلك. ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه: لم يكن سمع حديث: ((أُنزل القرآنُ على سبعة أحرف)).

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ هذا القرآن أُنزِل على سبعة أحرف))، هذا أورده النبي صلى الله عليه وسلم تطمينًا لعمر، لئلَّا ينكر تصويب الشيئيْن المختلفَين.

وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قرأ رجل فغير عليه عمر. ((فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال: بلى، قال: فوقع في صدر عمر شيء عرَفه النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، قال: فضرب في صدره وقال: أبعِدْ شيطانًا، قالها ثلاثًا، ثم قال: يا عمر! القرآن كلّه صواب، ما لم تجعل رحمة عذابًا، أو عذابًا رحمة)).

ومن طريق ابن عمر: “سمع عمر رجلًا يقرأ”، فذكر نحوه، ولم يَذكر “فوقع في صدر عمر”، لكن قال في آخِره: ((أُنزِل القرآن على سبعة أحرف، كلُّها كافٍ شافٍ)). ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام؛ منها: لأبيّ بن كعب مع ابن مسعود.

قال: ((فاقرءوا ما تيسّر منه))، أي: من المنزّل.

وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ. وهذا يقوِّي قول من قال: المراد بالأحرف: تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك، فقد اختلفت قراءتهما؛ نبّه على ذلك ابن عبد البَر، ونَقل عن أكثر أهل العلم أنّ هذا هو المراد بالأحرف السّبْعة.

وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنّ المراد: اختلاف اللّغات؛ وهو اختيار ابن عطية. وتُعُقِّب بأنّ: لغات العرب أكثر من سبعة. وأُجيب: بأنّ المراد: أفصحها، فعن ابن عباس، قال: “نزل القرآن على سبع لغات، منها بلغة هوازن”.

فعلى هذا، فتكون اللغات السَّبْع في بطون قريش؛ وبذلك جزم أبو علي الأهوازي. وقال أبو عبيد: ليس المراد أنّ كلّ كلمة تُقرأ على سبْع لغات؛ بل اللّغات السّبْع مفرّقة فيه، فبعضه بلُغة قريش، وبعضه بلُغة هذيل، وبعضه بلُغة هوازن، وبعضه بلُغة اليمن، وغيرهم، قال: وبعض اللغات أسعَد بها من بعض وأكثر نصيبًا.

ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولًا بلسان قريش ومَن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب. ولم يُكلّف أحدٌ منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى، للمشقّة، ولِما كان فيهم من الحميّة، ولطلب تسهيل فهْم المراد؛ كلّ ذلك مع اتّفاق المعنى. وعلى هذا يُتَنَزَّل اختلافهم في القراءة، وتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلًّا منهم.

قال ابن حجر: وتتمة ذلك: أن يقال: إنّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهّي، أي: إنّ كلّ أحدٍ يغيّر الكلمة بمرادفها في لغته؛ بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم. ويشير إلى ذلك قول كلٍّ من عمر وهشام في حديث الباب: ((أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم)).

إذًا، القراءات مرتبطة بالسّماع، وهذه نقطة مهمّة، نبّه إليها ابن حجر.

قال ابن حجر: لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة: أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له، ومِن ثَمّ أنكر عمر على ابن مسعود قراءته: “عتّى حين”، أو “عتى عين”، أي: {حَتَّى حِين}. وكتب إليه: “إنّ القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقْرِئِ الناس بلغة قريش، ولا تُقرئْهم بلغة هذيل”، وكان ذلك قبل أن يَجمع عثمان الناس على قراءة واحدة.

قال ابن عبد البر، بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يُحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أنّ الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز، قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجُه أنزلت، جاز الاختيار فيما أُنزِل.

قال أبو شامة: ويُحتمل أن يكون مراد عمر ثم عثمان بقولهما “نزل بلسان قريش”: أنّ ذلك كان أوّل نزوله، ثم إنّ الله تعالى سهّله على الناس، فيجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم، على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب، لكونه بلسان عربيّ مبين. فأمّا من أراد قراءته من غير العرب، فالاختيار له: أن يقرأه بلسان قريش؛ لأنه الأوْلى؛ وعلى هذا يُحمل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود؛ لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربيّ مستوية في التعبير؛ فإذًا، لا بدّ من واحدة، فلْتكن بلغة النبي صلى الله عليه وسلم. وأمّا العربي المجبول على لغته، فلو كُلِّف قراءته بلغة قريش لعَسر عليه التّحوّل، مع إباحة الله له أن يقرأه بلُغته. ويشير إلى هذا: قوله في حديث أبيّ: ((هوّن على أمّتي))، وقوله: ((إنّ أمّتي لا تطيق ذلك)).

وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء العلماء: أنّ معنى قوله: ((أُنزل القرآن على سبْعة أحرف)) أي: أنزل موسّعًا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوْجُه، أي: يقرأ بأيّ حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أُنزل على هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته؛ إذ لو أخذوا بأن يقرءوه على حرف واحد لشقّ عليهم.

قال ابن قتيبة في أول (تفسير المشكِل) له: كان من تيسير الله: أن أمر نبيّه أن يقرأ كلُّ قوم بلغتهم؛ فالهذلي يقرأ “عتى حين”، يريد {حَتَّى حِين}، والأسدي يقرأ “تِعلمون” بكسر أوّله، والتميمي يهمِز، والقرشي لا يهمز. ولو أراد كلّ فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانُه طفلًا وناشئًا وكهلًا، لشّق عليه غايةَ المشقّة، فيسّر عليهم ذلك بمنِّه سبحانه وتعالى. ولو كان المراد أنّ كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجُه، لقال مثلًا: “أنزل سبعة أحرف”، وإنما المراد: أن يأتي في الكلمة وجْه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر، إلى سبعة.

وقال ابن عبد البر: أنكر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف: اللّغات، لِما تقدّم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة. قالوا: إنما المعنى: سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بالألفاظ المختلفة، نحو: “أقبِل” و”تعالَ” و”هلُمّ”، ثم ساق الأحاديث الدالة على ذلك.

قال ابن حجر: ويُمكن الجمع بين القوليْن بأن يكون المراد بالأحرف: تغاير الألفاظ، مع اتّفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات.

error: النص محمي !!