Top
Image Alt

باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه

  /  باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه

باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه

. باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن عبد الله بن بحينة قال: ((احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِمٌ بِلِحَى جملٍ من طريقِ مكةَ في وسطِ رأسِهِ)) حديث متفق عليه.

الثاني: وعن ابن عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم: احتجم وهو محرمٌ)) متفق عليه. وللبخاري: ((احتجم في رأسه وهو محرمٌ من وجع كان به بماء يقال له: لحى الجمل)).

الثالث: عن عبد الله بن حنين: “أن ابن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما اختلفا بالأبواء؛ فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم؟ قال: ((فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه الماء:

 اصبب؛ فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، فقال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل))” رواه الجماعة إلَّا الترمذي.

ثانيًا: ترجمة مختصرة لابن عباس رضي الله عنهما:

هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت السيدة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهم.

ولد رضي الله عنه بالشِّعْبِ أثناء حصار ومقاطعة كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين وغيرهم من بني هاشم، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاثِ سنوات، ولمَّا ولد حَنَّكَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له -ومعنى حنَّكَه: أنه أطعمه صلى الله عليه وسلم تمرةً مضغَهَا بفمِهِ الشريف، ثم وضعها في فم ابن عباس- فقال صلى الله عليه وسلم في دعائه له: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، وألهمه رشده))، واستجاب الله تعالى دعوة نبيه فيه، فكان معروفًا بغزارة العلم والفقه حتى قصده المسلمون من كل مكان، وشُدَّتْ إليه الرحال من أجل الفتوى والرواية، وظل يُفْتِي الناس بعد عبد الله مسعود رضي الله عنه قرابة خمس وثلاثين سنة.

قال عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلمَ من ابن عباس بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، ولا أفقه منه ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية والشعر والحساب والفرائض، وكان يجلس يومًا للفقه، ويومًا للتأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا للشعر، ويومًا لأيام العرب، وما رأيت قط عالمًا جلس إليه إلَّا خَضَعَ لَهُ، ولا سائلًا سأله إلا وَجَدَ عنده علمه، لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ”ترجمان القرآن”، وقال الناس في تفسيره: “لو سمعه أهل الروم والديلم لأسلموا”. وسُئِلَ يومًا: بم نِلْتَ العلمَ يا ابن عباس؟ فقال: “بلسانٍ سئولٍ وقلبٍ عقولٍ”.

روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن عمر، وعن أُبَيِّ بن كعب، وذكر معمر: أن علمه من هؤلاء الثلاثة. وروى أيضًا عن معاذ بن جبل وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهم جميعًا- وروى عنه عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسهل بن حنيف، ومولاه عكرمة.

بلغت أحاديثه التي رواها ألفًا وستمائة وستون حديثًا، ذكر النسائي: أن أصح الأسانيد إليه في الحديث ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وأضعفها ما يرويه محمد بن مروان السُّدِّي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح، وهذه تسمى سلسلة الكذب.

كان ابن عمر يقول: “ابن عباس أعلم أمة محمد بما أُنْزِلَ على محمد صلى الله عليه وسلم” ولما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة رضي الله عنه: “مات اليوم حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا”. وكان سيدنا عمر يدعوه ويقرِّبُهُ ويقول: “إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يومًا فمسح رأسك، وتفل في فمك، وقال: ((اللهم فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل))”.

وشهد ابن عباس رضي الله عنه حنينًا والطائف وفتح مكة وحجة الوداع، وشهد فتح إفريقيا مع ابن أبي السرح، وشهد الجمل وصفين مع علي، وقد جَعَله علي نائبه على البصرة، وفي أخريات أيامه أصيب في بصره، كما أصيب بذلك من قبله أبوه وجده رضي الله عنه توفي بالطائف في سنة 68هـ.

ثالثًا: شرح الأحاديث:

الحديث الأول: يبين حكم الحجامة للمحرم، وأن ذلك جائز، وأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، فما دام فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو جائز ومشروع للمحرم، و((احتجم بلحى جمل)) أي: في مكان يقال له: لحى جمل. وهذا الحديث متفق عليه، يعني: أخرجه البخاري ومسلم.

وبينت الرواية الثانية: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما احتجم من وجعٍ كَانَ بِهِ)) فسبب احتجامه: أنه كان به وجع؛ فالحجامة هنا وإن كانت جائزة في كلِّ وقتٍ إلَّا أَنَّهَا للمحرم عندما يشتد به الوجع، فتكون للضرورة.

أما الرواية الثالثة: فبينت أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء -أي: في مكان يقال له: الأبواء- في حكم غَسْلِ المحرم لرأسه، فقال ابن عباس: “يغسل المحرمُ رأسه”، وقال المسور: “لا يغسل رأسه” حضر هذه الواقعة عبد الله بن حنين، فأرسله ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري يسأله عن حكم المحرم لغسل رأسه، يقول عبد الله بن حنين: فذهبت إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين -يعني: في مكان- ويستر نفسه بثوب، فسلمت عليه، وقلت له: إن ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم؟ ((فأخرج رأسه وطأطأه وأمر إنسانًا أن يصب عليه الماء، فغسل رأسه، وحرَّكَ رأسه بيديه -يعني: حرك شعره- وأقبل بيديه وأدبر في رأسه، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل)) فدل ذلك على أن للمحرم أن يغسل رأسه وأن يحرك شعره بيديه، وأن يكون حريصًا ألا يسقط منه الشعر، هذا الحديث رواه الإمام الترمذي.

شرح الحديث كما جاء في (نيل الأوطار) للشوكاني:

قوله: ((وهو محرم)) زاد في رواية للبخاري بعد قوله: ((محرم)) لفظ ((صائم)) إذًا يجوز للمحرم أن يصوم، يعني في رواية البخاري: ((وهو محرم صائم))، قوله: ((بِلِحَى جمل)) أو ((بِلَحْيِ جملٍ)) -بفتح اللام، وحُكِيَ كسرها، وسكون المهملة وفتح الجيم والميم- هو موضع بطريق مكة كما وقع مبينًا في الرواية الثانية. وذكر البكري في معجمه: أنه الموضع الذي يقال له: بئرُ جمل، يعني موضع به ماء. وقال غيره: هو عقبة الجُحْفَة على سبعة أميال من السُّقْيَا، ووهم من ظن أن المراد به لحى الجمل الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجامة.

وجزم الحازمي وغيره: بأن ذلك كان في حجة الوداع. رواية الحازمي: بينت أن الحجامة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في حجة الوداع، والذي قال: إن المراد بلحى الجمل هو العظم -يعني: فك الجمل- استخدمه في الحجامة هذا رأي باطل وخاطئ؛ فالمراد بلحى الجمل أو لَحْيِ الجمل هو مكان في الطريق.

قوله: “في وسط” بفتح المهملة وهي السين، أي: متوسط وسط الرأس، وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأسِ الرأسِ، قال النووي: إذا أراد المحرمُ الحجامةَ لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام، وإن لم تتضمن قطع الشعر جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وهذا هو الأحوط، إذا كانت لغير حاجة يبتعد عنها المحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم -كما بينت الرواية الثانية- من وجع كان به؛ أي: كان مضطرًا إلى ذلك.

وعن الحسن: فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرًا؛ فإن كان لضرورةٍ جازَ قطع الشعر وتجب الفدية، وخصَّ أهلُ الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداودي: إذا أمكن مَسْكُ المحاجب بغير حلقٍ لم يجزِ الحلق، واسْتُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الفَصْدِ، وهو إخراج الدم ومصه من الجبين، وربط الجرح، والدمل، وقطع العرق، وقلع الضرس… وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نُهِيَ المحرمُ عنه من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فديةَ عليه في شيء من ذلك إلاَّ إذا قُطِعَ الشعر فعليه الفدية.

قوله: “بالأبواء” أي: وهما نازلان بها، وفي رواية بـ”العَرْج” بفتح أوله وإسكان ثانيه، وهي قرية جامعة قريبة من الأبواء، والعرج والأبواء قريتان قريبتان من بعضهما.

وقوله: “بين القرنين” أي: قرني البئر، فكان أبو أيوب الأنصاري واقف بين قرني البئر، يوضع فيهما الدلو والحبل الذي يخرج بالدلو من الماء، فكان واقفًا بين القرنين يغتسل.

قوله: “أرسلني إليك ابن عباس…” إلى آخره. قال ابن عبد البر: الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص من النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن ابن أيوب أو عن غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب: “يسألك كيف كان يغسل رأسه؟” ولم يقل: هل كان يغسل رأسه أو لا على حسب ما وقع فيه اختلاف المسور، وابن عباس.

قوله: ((فطأطأه)) أي: أزاله عن رأسه. وفي رواية للبخاري: ((جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه)) قوله: ((لإنسان))، قال الحافظ: لم أقف على اسمه.

قوله: فقال: ((هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل)) زاد في رواية للبخاري: “فرجعت إليهما -يعني: عبد الله بن حنين رجع إلى ابن عباس وإلى المسور- فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا” أي: لا أجادلك. هنا شهد المسور لعلم ابن عباس، واعترف بفضله وفقهه، والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم، وتغطية الرأس باليد.

قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك، يعني: يغتسل لغير ضرورة. وروى مالك في (الموطأ) عن نافع: “أن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من الاحتلام”، وروي عن مالك: “أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء”، وللحديث فوائد كثيرة غير ما ذكرنا، والله أعلم.

2. ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنِكِحُ، ولا يخطب)) رواه الجماعة إلا البخاري، وليس للترمذي فيه: ((ولا يخطب)).

الثاني: وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنه سُئِلَ عن امرأة أراد أن يتزوجها رجلٌ وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحج، فقال: لا تتزوجها وأنت محرم؛ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه)) رواه أحمد.

الثالث: وعن أبي غطفان عن أبيه عن عمر رضي الله عنه: “أنه فرق بينهما” رواه مالك في (الموطأ) والدارقطني في سننه.

الرابع: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم)) رواه الجماعة، وللبخاري: ((تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بِسَرَف)).

الخامس: عن يزيد بن الأصم عن ميمونة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالًا، وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف، فدفنَّاها في الظُّلَّةِ التي بنى بها فيها))، رواه أحمد والترمذي ورواه مسلم وابن ماجه ولفظهما: ((تزوجها وهو حلال)) قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عباس. وأبو داود ولفظه قالت: ((تزوجني ونحن حلالًا بسرف)).

السادس: وعن أبي رافع: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينهما)) رواه أحمد والترمذي، ورواية صاحب القصة والسفير فيها أولى؛ لأنه أخبر وأعرف بها، وروى أبو داود أن سعيد بن المسيب قال: وَهِمَ ابن عباس في قوله: “تزوج ميمونة وهو محرم”.

ثانيًا: ترجمة مختصرة لابن عمر رضي الله عنهما:

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، أسلم صغيرًا، وهاجر مع أبيه جهرًا وهو في العاشرة من عمره، وهو يلي أبا هريرة في كثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد العبادلة الأربعة المشهود لهم بالعلم والفقه والفتيا والحديث، وهم الذين يجمعهم هذا البيت:

أبناء عباس وعمر ثم عمرو

*ثم الزبير هُمُ العبادلةُ الغُرَر

ولقد ولد ابن عمر بعد البعثة النبوية بقليل، واستصغر في أحد، وشهد بعدها الغزوات، وحضر القادسية واليرموك، وفتح إفريقية، ومصر وفارس، وقَدِمَ البصرة والمدائن، كان الزهري لا يعدل برأيه أحدًا، وكان مالك والزهري يقولان: إن ابن عمر لا يخفى عليه شيء من أمرِ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وقد روى عن أبي بكر الصديق وأبيه عمر الفاروق وعثمان ذي النورين، والسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وشقيقته السيدة حفصة بنت عمر، وروى عن عبد الله بن مسعود أيضًا، وروى عنه كثيرون منهم: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن شهاب، والزهري، وابن سيرين، ونافع مولاه، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة… وغيرهم.

روى من الأحاديث عددًا كثيرًا بلغ (2630) حديثًا، وأصحُّ الأسانيد عنه ما يُعْرَفُ بالسلسلة الذهبية، وهي: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهي السلسلة التي تُعَدُّ الأولى عند البخاري، وأضعف الأسانيد عنه، محمد بن عبد الله بن القاسم عن أبيه عن جده عنه.

أما عبادته رضي الله عنه: فكان من العباد الصُّوَام القوام؛ بسبب رؤيا رآها فقصها على أخته السيدة حفصة رضي الله عنها فروتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم الليل)) فما كان ينام بعدها من الليل إلا قليلًا. وكان أشدَّ الناس تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: “كلنا بَدَّلَ وغَيَّرَ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابن عمر” وتوفي رضي الله عنه في عام 73هـ.

ثالثًا: شرح الأحاديث:

الإمام الأمير الصنعاني شرح حديث عثمان بن عفان: ((لا يَنْكِح المحرم ولَا يُنْكِحُ ولا يخطب)) شرحًا طيبًا، وشرحه أيضًا الإمام الشوكاني شرحًا طيبًا، وسأبدأ بما ذكره الإمام الصنعاني في كتابه (سبل السلام) وما سطره وكتبه حول هذا الحديث.

يقول الأمير الصنعاني: ((لا يَنْكِح)) بفتح حرف المضارعة، أي: لا ينكح هو لنفسه ((المحرم))، ((ولَا يُنْكِحُ)) بضم حرف المضارعة؛ أي: لا يعقد نكاحًا لغيره، ولا يخطب لنفسه ولا لغيره.

الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة كذلك، والقول: بأنه صلى الله عليه وسلم تزوجَ ميمونةَ بنت الحارث وهو محرم لرواية ابن عباس لذلك مردود؛ لأن روايةَ أبي رافع: “أنه تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو حلال” أرجح؛ لأنه كان السفير بينهما، أي: بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة، ولأنها رواية أكثر الصحابة.

قال القاضي عياض: لم يروِ أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، حتى قال سعيد بن المسيب: ذَهَلَ ابن عباس. وفي رواية: وَهِمَ ابن عباس. وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما حَلَّ ذكره البخاري.

ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم -يعني: أن يَنكح أو يُنكح أو يَخطب- إلا أنه قيل: إن النهي في الخطبة للتنزيه، وإنه إجماع؛ فإن صح الإجماع فذاك، ولا أظن صحته، وإلا فالظاهر هو التحريم، ثم رأيت بعد هذا نقلًا عن ابن عَقِيل الحنبلي: أنها تحرم الخطبة أيضًا.

قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصل، وموجب النهي التحريم، وليس هنا ما يعارض ذلك من أثر أو نظر، والله أعلم.

يقول الشوكاني: حديث ابن عمر في إسناده أيوب بن عتبة، وهو ضعيف وقد وُثِّقَ، وحديث أبي رافع قال الترمذي: حديث حسن، ولا نعلم أحد أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة، قال: وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار: “أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال” رواه مالك مرسلًا. يعني: من غير ذكر الصحابي. وقول سعيد بن المسيب: أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده رجل مجهولٌ.

قوله: ((لا يَنكح المحرم ولا يُنْكِح)) الأول -بفتح الياء وكسر الكاف- أي: لا يتزوج لنفسه، والثاني -بضم الياء وكسر الكاف- أي: لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الإحرام. قال العسكري: ومن فتح الكاف من الثاني فقد صَحَّفَ، يعني: تصحيف.

قوله: ((ولا يخطب المرأة)) وهو طلب زواجها. وقيل: لا يكون خطيبًا في النكاح بين يدي العقد، والظاهر الأول.

قوله: ((تزوج ميمونة وهو محرم)) أجيب على هذا بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة، ولم يرْوِهِ كذلك إلا ابن عباس كما قال عياض، ولكنه متعقب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه كما صرح بذلك في (الفتح).

وأجيب ثانيًا: بأنه تزوجها في أرض الحرم وهو حلال؛ فأطلق ابن عباس على من في الحرم أنه محرم، وهو بعيد.

وأجيب ثالثًا: بالمعارضة برواية ميمونة نفسها، وهي صاحبة القصة، وكذلك برواية أبي رافع وهو السفير، وهما أخبر بذلك، يعني صاحبة القصة هي التي تُصَدَّقُ فيما تقول، والذي كان سفيرًا بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يصدق، وهذا السفير أعلن “أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال” ولم يكن محرمًا؛ فترجح روايته كما قال المصنف وغيره، لكنه يعارض هذا المرجح أن ابن عباس روايته مثبتة، وهي أولى من النافية، يعني: الرواية التي تثبت أمر تقدم على الرواية التي فيها نفي. ويجاب: بأن رواية ميمونة وأبي رافع أيضًا مثبتة لوقوع عقد النكاح، والنبي صلى الله عليه وسلم حلال، أي: لم يدخل في الإحرام بعد.

وأجيب رابعًا: بأن غاية حديث ابن عباس في قوله: ((تزوجها وهو محرم)) أنها حكاية فعل، وهي لا تعارض صريح القول، أعني: النهيَ عن أن يَنكح أو يُنكح المحرم، ولكن هذا إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن هنا على فرض أن رواية ابن عباس أرجح لرواية غيره، وذلك بأن يُجْعَل فعله صلى الله عليه وسلم مخصصًا له من عموم ذلك القول -كما تقرر في الأصول: “إذا فُرِضَ تأخرُ الفعل عن القول فإن فرض تقدمه ففيه الخلاف المشهور في الأصول في جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص المتقدم كما هو المذهب الحق” أو جعل العام المتأخر ناسخًا كما ذهب إليه البعض؛ إذا تُقَرِّرَ هذا فالحق: أنه يحرم أن يتزوج المحرم أو يزوج غيره، كما ذهب إليه الجمهور.

وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوزُ له أن يشتريَ الجاريةَ للوطء، وتُعُقِّبَ ذلك: بأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، وظاهر النهي: عدم الفرقِ بين من يزوج غيره بالولاية الخاصة أو العامة كالسلطان والقاضي. وقال بعض الشافعية، والإمام يحيى: إنه يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة، وهو تخصيص لعموم النص بلا مخصص.

قوله: ((بِسَرِف)) -بفتح المهملة وهي السين، وكسر الراء- هو موضع معروف. وقوله: ((في الظُّلة)) بضم الظاء وتشديد اللام: كل ما أُظِلَّ من الشمس. قوله: ((التي بنى بها فيها)) أي: التي زُفَّتْ إليه فيها. قوله: “وهِمَ ابن عباس” هذا هو أحد الأجوبة التي أجاب بها الجمهور عن حديث ابن عباس.

وعن عمر وعلي وأبي هريرة: “أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؛ فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما –يعني: يستمران في الحج- ثم عليهما حجٌّ قابلٌ والهدي” يعني: لا بد من الإتيان بحجةٍ مكان هذه الحجة؛ مع أنهم أتموها، وعليهما الهدي. قال عليٌّ: “فإذا أهلَّا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما”. حتى لا يقعا فيما وقعا فيه في العام السابق.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: “أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بِمِنى قبل أن يطوف طواف الإفاضة؛ فأمره أن ينحر بَدَنَةً، يعني لا بد أن يقدم هديًا”، والجميع لمالك في (الموطأ)، يعني: الروايتين في (موطأ) الإمام مالك.

يقول الإمام الشوكاني: أثر عمر وعلي وأبي هريرة في (الموطأ) كما قال المصنف. ولكنه ذكره بلاغًا عنهم، وأسنده البيهقي من حديث عطاء، وعن عمر وفيه إرسال، ورواه سعيد بن منصور، عن مجاهد عن عمر، وهو منقطع، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عنه، وعن علي وهو منقطع أيضًا بين الحَكَمِ وبينهم. وأثر ابن عباس رواه البيهقي من طريق أبي بشر عن رجلٍ من بني عبد الدار عنه، وفيه: أن أبا بشر قال: “لقيت سعيد بن جبير فذكرت ذلك له فقال: هكذا كان ابن عباس يقول”.

وفي الباب عن ابن عمر عند أحمد: “أنه سُئِلَ عن رجل وامرأة حَاجَّيْنِ وقع عليها قبل الإفاضة؛ فقال: ليحُجَّا قابلًا” يعني: في العام المقبل يأتيان بحجة، وعن ابن عمرو بن العاص عند الدارقطني والحاكم والبيهقي نحو قول ابن عمر، وقد روي نحو هذه الآثار مرفوعًا عند أبي داود في (المراسيل) من طريق يزيد بن نعيم: أن رجلًا من قبيلة جذام جامع امرأته وهما محرمان؛ فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((اقضيا نسككما -يعني: استمرا في النسك- واهديا هديًا))، قال الحافظ: رجاله ثقات مع إرساله، ورواه ابن وهب في موطئه من طريق سعيد بن المسيب مرسلًا، وأثر علي المذكور في الباب في التفرق أخرج نحوه البيهقي عن ابن عباس موقوفًا، وروى ابن وهب في موطئه عن سعيد بن المسيب مرفوعًا مرسلًا نحوه، وفيه ابن لهيعة، وهو عند أبي داود في (المراسيل) بسند معضل.

قوله: ((حتى يقضيا حجهما)) استدل به من قال: إنه يجب المضي في فاسد الحج وهم الأكثر. وقال داود: لا يجب كالصلاة. قوله: “ثم عليهما حج قابل” استدل به من قال: “إنه يجب قضاء الحج الذي فسد وهم الجمهور. قوله: “والهدي” تمسك به من قال: إن كفارة الوطء شاة؛ لأنها أقل ما يصدق عليه الهدي. وهو مرويٌّ عن أبي حنيفة والناصر، ويدل على ما قالاه قوله صلى الله عليه وسلم: ((واهديا هديًا)) كما في (مرسل أبي داود) المذكور، وذهب الجمهور إلى أنها تجب بدنة على الزوج، وبدنة على الزوجة، يعني: ناقة، وتجب بدنة الزوجة على الزوج إذا كانت مكرهة لا مطاوعة له، وإن طاوعته فتلزمها البدنة.

وقال أبو حنيفة ومحمد: على الزوج مطلقًا، أي: على الزوج ما يجب عليه، وما يجب على زوجته، وقال الشافعي في أحد قوليه: عليهما هديٌ واحد لظاهر الخبر والأثر، وقال الإمام يحيى: بدنة المرأة عليها إذ لم يفصل الدليل.

قوله: ((تفرقا حتى يقضيا حجهما)) فيه دليل على مشروعية التفرق بينهم، وقد حكي ذلك في (البحر) عن علي وابن عباس وعثمان والعترة وأكثر الفقهاء، واختلفوا هل هو اجب أم لا؟ فذهب أهل العترة وعطاء ومالك والشافعي في أحد قوليه إلى الوجوب، وذهب الإمام يحيى والشافعي في أحد قوليه إلى الندب، وقال أبو حنيفة: فمن لم يقبل المرسل، ولا رأى حجية أقوال الصحابة فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري، والله أعلم.

error: النص محمي !!