Top
Image Alt

باب: مَن أحق بكفالة الطفل

  /  باب: مَن أحق بكفالة الطفل

باب: مَن أحق بكفالة الطفل

لقد اهتمَّ الشارع بالأطفال والأبناء اهتمامًا فائقًا، ونجد الشَّرع قد خصَّص مسائل عديدة للأبناء، ومن بين هذه المسائل مسألة مَنْ أحقُّ بكفالة الطفل، وبخاصّة إذا افترق الزوجان، فاتفق الأئمة أنّ الأم أحق بكفالة طفلها، وفي هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم، هذا الحديث أخرجه البيهقي والحاكم وصحّحه، وهو حديث أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حِوَاء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال صلى الله عليه  وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي)). وفي لفظ أبي داود أنّ المرأة قالت: ((وأنّ أباه طلقني، وزعم أنه ينتزعه مني)).

هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وكذلك أخرجه البيهقي والحاكم وصححه كما قلناه وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله  عنهما، أن هذه المرأة أتت إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقالت: ((يا رسول الله، إن ابني هذا كانت بطني له وعاء)) وعاء بكسر الواو، وهو الظرف، وقرأ السبعة {قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ} [يوسف: 76]. أما قولها: ((وحجري له حواء)) الحواء بكسر الحاء والمد: اسم لكل شيء يحوي غيره، أي: يجمعه.

أمّا قولها: ((وثديي له سقاء)) السقاء بكسر السين: أي يسقى منه اللبن. والحديث دليل على أنّ الأم أحق بكفالة ولدها إذا أراد الأب انتزاعه منها، ونجد المرأة في هذا الحديث ذكرت صفات اختُصّت بها، هذه الصفات تقتضي استحقاقها وأولويتها بكفالة ولدها، وهذا هو مراد الأم حين ذكرت لرسول اللهصلى الله عليه  وسلم هذه الأوصاف، تريد أن تقول أنها أحق به؛ لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب، وقد أقرّها النبي صلى الله عليه  وسلم على ذلك، وحكم لها، والحكم الذي دلّ عليه هذا الحديث أنّ الأم أحق بكفالة ولدها.

هذا الحكم الذي دلّ عليه الحديث لا خلاف فيه، وقد قضى به أبو بكر – رضي الله  عنه، ثم عمر رضي الله  عنه، وقال عبد الله بن عباس رضي الله  عنهما: “ريحها وفراشها وحرّها خير له منك، حتى يشبّ ويختار لنفسه” يريد أنّ الابن أو الطفل الصغير يحتاج إلى أمه في بداية أمره، ثم هو بعد ذلك إذا شبّ وميّز يُخيّر، وهذا ما سيأتي الحديث عنه بعد ذلك.

فالحديث يدلّ على أنّ المرأة أحقّ بكفالة الولد من الأب، لكن الرسول صلى الله عليه  وسلم ذكر قيدًا، هذا القيد قوله صلى الله عليه  وسلم: ((ما لم تنكحي)) ففيه دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك بالنكاح؛ لتقييده صلى الله عليه  وسلم للأحقية بقوله: ((ما لم تنكحي)) وهو أمر مجمع عليه، فإن حصل منها النكاح -أي: إذا تزوجت المرأة- سقط حقها في ذلك.

فقد دلّ الحديث على أنّ الأم إذا نكحت -أي: تزوجت- سقط حقها من الحضانة، وإليه ذهب الجماهير من العلماء، فقد قال ابن المنذر: “أجمع على هذا كل مَن أَحْفَظ عنه من أهل العلم”، وذهب الحسن وابن حزم إلى عدم سقوط الحضانة والكفالة بالنكاح، واستدلا بأنّ أنس بن مالك رضي الله  عنه كان عند والدته وهي مزوّجة، أي: بعد أن تزوجت، فكان أنس عند والدته بعد زواجها، وكذا أمّ سلمة، تزوجت بالنبي صلى الله عليه  وسلم وبقي ولدها في كفالتها، وكذا ابنة حمزة، قضى بها النبي صلى الله عليه  وسلم لخالتها وهي مزوّجة، وسيأتي الحديث عن ذلك في مكانه.

قال ابن حزم: “وحديث ابن عمرو المذكور فيه مقال، فإنه صحيفة –يريد ؛ لأنّه قد قيل: إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة، وأُجِيبَ عنه بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة وعملوا به؛ كأمثال البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق وأمثالهم، فلا يُلتفت إلى القدح فيه، وأمّا ما احتُجَّ به فإنه لا يتم دليلًا إلا مع طلب من تنقل إليه الحضانة ومنازعته، وأما مع عدم طلبه فلا نزاع في أن للأم المزوجة أن تقوم بولدها، ولم يُذكر في القصص المذكورة أنه حصل نزاع في ذلك، فلا دليل فيما ذكره على ما ادّعاه.

وعن أبي هريرة رضي الله  عنه ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عِنَبة، فجاء زوجها، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: يا غلام، هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيّهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به)) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والأربعة، وصححه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله  عنه .

 عنبة بكسر العين: واحدة حبات العنب، والحديث دليل على أن الصبي بعد استغنائه بنفسه يُخيَّر بين الأم والأب، واختلف العلماء في ذلك؛ فذهب جماعة قليلة إلى أنّه يُخيّر الصبي عملًا بهذا الحديث، وهو قول إسحاق، وحَدُّ التخيير من السبع سنين. بينما ذهب الأحناف إلى عدم التخيير، وقالوا: إنّ الأم هي أولى بولدها، إلى أن يستغني بنفسه، فإذا استغنى بنفسه فالأب أولى بالذَّكَر، والأمّ أولى بالأنثى، وقد وافقهم الإمام مالك إلى عدم التخيير، لكنه قال: إنّ الأم أحقّ بالولد ذكرًا كان أو أنثى حتى يبلغ.

والمسألة فيها تفصيل، وقد استدلّ من نفى التخيير بعموم حديث ((أنت أحقّ به ما لم تنكحي)) قالوا: ولو كان الاختيار إلى الصغير ما كانت أحقّ به، وأجيب بأنّه إن كان عامًّا في الأزمنة أو مطلقًا فيها، فحديث التخيير يُخصّصه أو يقيده، وهذا جَمْعٌ بين الدليلين، فإن لم يختر الصبي أحد أبويه فقيل: يكون للأم بلا قرعة؛ لأن الحضانة حقٌّ لها، وإنما يُنقل عنها باختياره، فإذا لم يخيّر بقي على الأصل، وقيل: وهو الأقوى دليلًا: إنه يُقرع بينهما؛ إذ قد جاء في القرعة حديث أبي هريرة بلفظ: ((فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: استهما، فقال الرجل: من يحول بيني وبين ولدي، فقال صلى الله عليه  وسلم: اختر أيّهما شئت، فاختار أمه، فذهبت به)) أخرجه البيهقي.

وظاهره تقديم القرعة على الاختيار، لكن قُدِّم الاختيار عليها لعمل الخلفاء الراشدين به، إلّا أنه قال في الهدي النبوي: إن التخيير والقرعة لا يكونان إلّا إذا حصلت به مصلحة الولد، فلو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدِّمت عليه، ولا التفات إلى قرعة، ولا اختيارِ الصبي في هذه الحالة، فإنّ الصبي ضعيف القول، يُؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا التفات إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له، ولا تحتمل الشريعة غير هذا.

والنبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)) والله تعالى يقول: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

فإذا كانت الأمّ تقوم على رعاية ولدها؛ تعلّمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يُمَكِّنه من ذلك، فإنها أحقّ به، ولا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس.

وعن رافع بن سنان رضي الله  عنه “أنه أسلم، وأبتْ امرأته أن تُسلم، فأقعد النبي صلى الله عليه  وسلم الأم ناحيةً والأبَ ناحية، وأقعد الصبيَّ بينهما، فمال إلى أمه، فقال: اللهم اهده، فمال إلى أبيه فأخذه” هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصحّحه، إلا أنه قال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال، وذلك لأنه من رواية عبد الحميد بن جعفر بن رافع، وقد ضعفه الثوري ويحيى بن معين.

والحديث ليس فيه تخيير الصبي، والظاهر أنه لم يبلغ سن التخيير كما تقدّم في مسألة التخيير، فإنّ النبي صلى الله عليه  وسلم أقعده بينهما ودعا أن يهديه الله، فاختار أباه لأجل الدعوة النبوية، فليس هذا الحديث من أدلة التخيير، فقد قلنا سابقًا أن الأم أحق بكفالة ولدها من الأب، ولكن هذا الحديث يفرض سؤالًا، وهو: هل الأم يثبت لها هذا الحق وإن كانت كافرة، وإن كان الولد مسلمًا، وفي الحديث دليل على ثبوت حق الحضانة للأم الكافرة، وإن كان الولد مسلمًا؛ إذ لو لم يكن لها حق لم يقعده النبي صلى الله عليه  وسلم بينهما.

وإلى هذا ذهب أهل الرأي والثوري، لكن الجمهور من العلماء ذهبوا إلى أنه لا حق لها مع كفرها، قالوا: لأنّ الكافل أو الحاضن يكون حريصًا على تربية الطفل على دينه؛ ولأن الله تعالى قطع الموالاة بين الكافرين والمسلمين، وجعل المؤمنين بعضهم أولى ببعض، فقال تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا}  [النساء: 141] ولا شك أن الحضانة ولاية لا بد فيها من مراعاة مصلحة المولّى عليه كما عَرَفْتَ قريبًا.

 وهذا الحديث لا ينتهض لكي يكون دليلًا، ففيه عبد الحميد بن جعفر بن رافع، وقد سبق أن ذكرنا أقوال العلماء فيه، وأنه ضعيف، وعلى فرض القول بصحة هذا الحديث، فهو منسوخ بالآيات القرآنية هذه، كما أنه كيف تثبت الكفالة والحضانة للأم الكافرة مثلًا، وقد اشترط الجمهور من العلماء عدالة الحاضنة، فلا بد أن تكون الحاضنة معروفة بعدالتها، وأنه لا حق للفاسقة فيها، وإن كان شرطًا في غاية من البعد، ولو كان شرطًا في الحاضنة لضاع أطفال العالم.

ومعلوم أنه لم يزل منذ بعث رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى أن تقوم الساعة أطفال الفُسَّاق بينهم، يربونهم، لا يتعرض لهم أحد من أهل الدنيا مع أنهم الأكثرون، كما أنه لا يُعلم أنه انتُزِع طفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقه، فهذا الشرط باطل لعدم العامل به، هذا ما ذهب إليه الصنعاني في كتاب (سبل السلام) .

قال: “نعم يُشترط كون الحاضن عاقلًا بالغًا، فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل؛ إذ هؤلاء يحتاجون لمن يحضنهم ويكفيهم”.

أمّا اشتراط حرية الحاضن فقالت به الهادوية وأصحاب الأئمة الثلاثة، وقالوا: لأن المملوك لا ولاية له على نفسه، فلا يتولى غيره، والحضانة ولاية، وقال مالك في حرّ له ولد من أمته قال: “إن الأمة أحق به ما لم تُبع فتنتقل، فيكون الأب أحق به”.

وعن البراء بن عازب رضي الله  عنه ((أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال علي: أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وقال جعفر: بنت عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه  وسلم لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم)) حديث متفق عليه، ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث علي وفيه ((والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة)).

وهذا الحديث يبين لنا أنّ الخالة لها حقٌّ في الحضانة، فابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال علي: أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وقال جعفر: بنت عمي، فحمزة هو حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فيعتبر حمزة عمه، فقال علي أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي، ويقصد بقوله: وخالتها تحتي، الخالة المذكورة هي أسماء بنت عميس.

أمّا قول زيد: ((هي ابنة أخي)) وإنما سمى حمزة أخاه، مع العلم بأنّ زيدًا ليس أخًا في النسب لحمزة، وإنما قال: ابنة أخي، يقصد أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم آخى بينه وبينه.

أمّا قول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((الخالة بمنزلة الأم)) هذا الحديث فيه دليل على أن الخالة في الحضانة بمنزلة الأم، وقد ثبت بالإجماع أن الأم أقدَم الحواضن، فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها من أمهات الأم، وأقدم من الأب والعمات. وقد وردت رواية في القصة أنه صلى الله عليه  وسلم قضى بها لجعفر، فاسْتَشْكَل القضاءُ بها لجعفر، فإنه ليس محرمًا، وهو وعلي رضي الله  عنهما سواء في القرابة لها، وجوابه أنّه صلى الله عليه  وسلم قضى بها لزوجة جعفر وهي خالتها، فإنها كانت تحت جعفر، لكن لمّا كان المنازع جعفرًا، وقال في محل الخصومة: بنت عمي وخالتها تحتي، أي: زوجتي، قضى بها لجعفر لمّا كان هو المطالب ظاهرًا.

وقال صلى الله عليه  وسلم: ((الخالة بمنزلة الأم)) إبانة بأنّ القضاء للخالة، فمعنى قوله: ((قضى بها لجعفر)) أي: قضى بها لزوجة جعفر، وإنما أوقع القضاء عليه؛ لأنه هو المطالِب بذلك، فلا إشكال في هذا، إلّا أنه استشكل ثانيًا بأنّ الخالة مزوجة، ولا حقّ لها في الحضانة كما تقدّم سابقًا، في أنّ الأم المزوجة ليست أحق بالحضانة؛ للحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((أنت أحق به ما لم تنكحي)).

والجواب عنه: أنّ الحق في المزوجة للزوج، وإنما تسقط حضانتها لأنها تشتغل بالقيام بحقه وخدمته، فإذا رضي الزوج بأنها تحضن مَن لها حقٌّ في حضانته، وأحب بقاء الطفل في حجره، لم يسقط حق المرأة من الحضانة، وهذه القصة دليل على هذا الحكم، وهذا مذهب الحسن والإمام يحيى وابن حزم وابن جرير؛ ولأن النكاح للمرأة يُسقط حضانة الأم وحدها؛ حيث كان المنازع لها الأب، وأن غيرها -كالخالة مثلًا هنا في هذا الحديث- فلا يسقط حقها من الحضانة بالتزويج، أو الأم والمنازع لها غير الأب، بمعنى: أنّ الأم وإن تزوجت، ونازعها في هذا الحق غير الأب، لا يسقط حق الأم في الحضانة، ويؤيده ما عرِف من أن المرأة المطلقة يشتدّ بغضها للزوج المطلّق، ومن يتعلق به فقد يبلغ بها الشأن إلى إهمال ولدها منه؛ قصدًا لإغاظته، وتبالغ في التحبب عند الزوج الثاني بتوفير حقه، وبهذا يجتمع شمل الأحاديث.

والقول بأنه صلى الله عليه  وسلم قضى بها لجعفر، وأنه دالّ على أن للعصبة حقًّا في الحضانة بعيد؛ لأنه وعليّا رضي الله  عنهما سواء في ذلك؛ لأن قوله صلى الله عليه  وسلم: ((الخالة أم)) صريح أن ذلك علة القضاء، ومعناه أن الأم لا تُنازَع في حضانة ولدها، فلا حق لغيرها.

error: النص محمي !!