Top
Image Alt

باب وجوب تبيين العيب، باب أن الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب

  /  باب وجوب تبيين العيب، باب أن الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب

باب وجوب تبيين العيب، باب أن الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب

. وجوب تبيين العيب:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يحلُّ لمسلمٍ باع من أخيه بيعًا وفيه عيبٌ إلا بيَّنَهُ لَه)) رواه ابن ماجه.

الثاني: وعن وائلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلُّ لأحدٍ أن يبيع شيئًا إلا بَيَّنَ ما فيه، ولا يَحِلُّ لأحدٍ يعلم ذلك إلا بَيَّنَهُ)) رواه أحمد.

الثالث: وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه؛ فإذا هو مبلولٌ؛ فقال: مَن غشنا فليس مِنَّا)) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، أي: رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه.

الرابع: وعن العدَّاء بن خالد بن هودة رضي الله عنه قال: ((كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد بن هودة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبدًا أو أمَةً لا داء، ولا غائلة، ولا خُبنةَ، بيع المسلمِ المسلم))، انظر إلى حرص الإسلام على أموال الناس؛ فهو يدعو في البيع والشراء أن يُبَيِّنَ البائعُ العيبَ الذي يكون في سلعته، وللمشتري الخيار أن يشتري وهو يعلم أن به عيبًا أو لا يشتري، ولا يحل لمسلم أن يكتم عيبًا في سلعته عن أخيه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَرَّ يومًا برجل يضع أمامه طعامًا يضع الجيد في أعلى، والرديء أسفل، ويغطيه بالجيد، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه ثم أدخلها فيه فوجد الطعام مبلولًا؛ فقال: يا هذا ألا كان هذا في أعلى الصبرة؟! من غشنا فليس منا)) وفي رواية: ((ليس منا من غشَّ)).

ثانيًا: الشرح:

هذا الحديث الذي مَرَّ فيه صلى الله عليه وسلم على صبرة من طعام أبدأ به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حذَّرَ من ذلك الفعل تحذيرًا شديدًا، وقال: ((مَن غشنا فليس منا)) وفي رواية: ((مَن غش فليس مني)) هذا الحديث يقول فيه الإمام الصنعاني: الصُّبْرَةُ -بضم الصاد المهملة، وسكون الموحدة، أي: الباء- هي الكومة المجموعة من الطعام.

قال النووي في أصول (صحيح مسلم): ((ليس مني)) بياء المتكلم، وفي الروايات التي رواها الإمام الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار): ((مَن غشَّنَا فليس منا)) أي: ليس من جماعة المسلمين، ورواية (صحيح مسلم): ((ليسَ مِنِّي)) بياء المتكلم، أي: لا ينتسب إلي ولا إلى شرعي، وهو صحيحٌ، ومعناه: ليس ممن اهتدى بهدي، واقتدى بعملي وعلمي، وحُسن طريقتي.

قال سفيان بن عيينة: يُكْرَهُ تفسير مثل هذا، ونقول: نمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في التحذير وللخوف من غش الناس.

ما قاله الإمام الشوكاني حول هذه الأحاديث التي حذَّرت من عدم بيان العيب للمشتري:

حديث عقبة أخرجه ابن ماجه، وأخرجه أيضًا الإمام أحمد والدارقطني والحاكم، والطبراني من حديث أبي شمَّاسة عنه -أي: عن عقبة بن عامر- ومداره على يحيى بن أيوب، وتابعه ابن لهيعة قال في (الفتح): وإسناده حسنٌ، وحديث وائلة أخرجه أيضًا ابن ماجه والحاكم في (المستدرك) وفي إسناده أحمد أبو جعفر الرازي، وأبو سِبَاع، والأول مختلفٌ فيه، أي: أبو جعفر الرازي، والثاني قيل: إنه مجهولٌ.

وحديث أبي هريرة -الذي هو حديث الصُّبْرة- أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي، وأخرجه أيضًا الإمام الحاكم، وفيه قصةُ وَادِعِي، أن مسلمًا لم يخرجها فلم يصب، وقد أخرج نحوه أحمد والدارمي من حديث ابن عمر، وابن ماجه من حديث أبي الحمراء الطبراني، وابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود، وأحمد من حديث أبي بردة بن نِيَار، والحاكم من حديث عمير بن سعيد عن عمِّهِ.

وحديث العدَّاء أخرجه أيضًا النسائي، وابن الجارود، وعلَّقَهُ البخاري، أي: رواه تعليقًا.

قوله: ((لا يحلُّ لمسلمٍ)) الذي جاء في رواية عقبة بن عامر، وهي: ((لا يحلُّ لمسلمٍ باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه له)) وكذلك قوله: ((لا يحلُّ لأحدٍ)) في الرواية الثانية عن وائلة فيهما دليلٌ على تحريم كتم العيب، ووجوب تبيينه للمشتري، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فليس منَّا)) لفظ مسلم: ((فليس مِنِّيِ)) قال النووي: كذا في الأصول، ومعناه -كما ذكرته سابقًا- من (سبل السلام): ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي.

كما يقول الرجل لولده إذا لم يرضَ فعله: لست مني، وهكذا في نظائره مثل قوله: ((مَن حمل علينا السلاح فليسَ مِنَّا)).

وكان سفيان بن عيينة -رحمه الله- يكره تفسير مثل هذا، ويقول: “بئس مِثْلَ القول، بل يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر”. انتهى. وهو يدل على تحريم الغش وهو مُجْمَعٌ على ذلك.

قوله: “العداء” أي: راوي هذا الحديث العَدَّاء بن خالد بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة أيضًا، وآخره همزة بوزن الفَعَّال، وهوذة هو ابن ربيعة بن عمرو بن عامر أبو صعصعة، والعدَّاء صحابيٌّ قليلُ الحديث -يعني: روايته في الحديث قليلة- أسلم بعد حنين.

النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يبيع كان ينادي: ((لَا دَاءَ ولَا غَائِلَةَ ولَا خُبْنَةَ، بَيْعُ المسلمِ المُسْلِمَ)) أي: إذا باع المسلم لأخيه المسلم أن يعلن: أن السلعة لا داء فيها، ولا خبنة -يعني: ليس فيها خيانة- ولا غائلة ولا غش، فقوله: ((لا داء)) قال المطْرِزِيُّ: المراد به الباطل سواء ظهر منه شيءٌ أم لا، كوجع الكبد والسعال.

وقال ابن المنير: ((لا داء))، أي: يكتمه البائع، ليس في السلعة داء أكتمه، وإلا فلو كان بالعبد داء وبَيَّنَهُ البائع كان من بيع المسلم للمسلم، ومحصله: أنه لم يُرِدْ بقوله: ((لا داء)) نفي الداء مطلقًا بل نفي داء مخصوص، وهو ما لم يطَّلع عليه.

قوله: ((ولا غائلة)) هي المراد بها الإباق، يعني: ليس بعبد آبق، وقال ابن بطال: وهو من قولهم: اغتالني فلان إذا احْتَالَ بحيلةٍ سلب بها مالي.

قوله: ((ولا خِبْنَةَ)) بكسر المعجمة وبضمها، يجوز “خِبنة” و”خُبنة”، قيل: المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق. وقال صاحب (العين): هي الدنية. وقيل: المراد الحرام، كما عبّر عن الحلال بالطيب، وقيل: الداء ما كان في الخَلق -بفتح الخاء- والخِبْنة ما كان في الخُلق -بضمها- والغائلة: سكوت البائعِ عن بيانِ ما يعلم من مكروهٍ في المبيع، قال ذلك ابن العربي -رحمه الله تعالى.

2. الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب:

أولًا: الحديث: عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى إن الخراج بالضمان)) رواه الخمسة، وفي رواية: ((أن رجلًا ابتاع غلامًا فاستغله ثم وجد به عيبًا فرده بالعيب؛ فقال البائع: ذلة عبدي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الغلة بالضمان)) رواه أحمد، وأبو داود وابن ماجه وفيه: حجة لمن يرى تلف العبد المشترى قبل القبض من ضمان المشتري.

ثانيًا: معنى الحديث:

أن الإنسان عندما يشتري شيئًا مُنْتِجًا فينتج عنده شيئًا، ثم تظهر عيوبٌ في الشيء المشترى للذي اشترى أن يرد ذلك الشيء المبيع، وليس للبائع أن يطالب بإنتاج السلعة التي باعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وضح الأمر، وقال: ((الخراج بالضمان)) يعني: الغلة التي اكتسبها، والإنتاج الذي أنتجه ذلك الشيء المُباع في سبيل أنه لو هلك لما رده لصاحبه، فالخراج بالضمان أو الغلة بالضمان.

ثالثًا: ما جاء حول هذا الحديث:

من ناحية التخريج لهذا الحديث: أخرجه الشافعي، وأبو داود الطيالسي، وصححه الترمذي، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وابن القطان، ومن جملة من صححه أيضًا ابن خزيمة، كما حكي ذلك عنه في (بلوغ المرام) ، وحكي عنه في (التلخيص) أنه قال: لا يصح، وضعفه البخاري، ولهذا الحديث في (سنن أبي داود) ثلاث طرق، اثنتان رجالهما رجال الصحيح، والثالثة قال أبو داود: إسنادها ليس بذاك، ولعل سبب ذلك أن فيه مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي، وقد وثَّقَهُ يحيى بن معين، وتابعه عمر بن علي المقدمي، وهو متفقٌ على الاحتجاج به.

 هؤلاء الذين ذكرتهم الآن زيادة على ما ورد أنه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه -رحم الله الجميع.

رابعًا: معاني الكلمات:

قوله: ((الخراج بالضمان)) أو ((إن الخراج بالضمان)) بالتوكيد بـ”إن”، الخراج: هو الدخل والمنفعة، أي: يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع، يعني: الغلة والإنتاج الذي ينتج من الشيء المباع بضمانِ الأصلِ الذي عليه، أي: بسببه، فالباء للسببية بالضمان، أي: بسبب الضمان؛ فإذا اشترى الرجل أرضًا فاستغَلَّهَا أو دابةً فركبها، أو عبدًا فاستخدمه، ثم وجد به عيبًا قديمًا فله الردُّ، ويستحق الغلةَ في مقابلةِ الضمان للمبيع الذي كان عليه أو الذي كان عنده.

وظاهر الحديث: عدم الفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية، وإلى ذلك ذهب الشافعي، وفصَّلَ مالك فقال: يستحق المشتري الصوف والشعر دون الولد، وفرَّقَ أهل الرأي والهادوية بين الفوائد الفرعية والأصلية، فقالوا: يستحق المشتري الفرعية كالكراء دون الأصلية كالولد والثمر، وهذا الخلاف إنما هو مع انفصالِ الفوائدِ عن المبيع.

وأما إذا كانت متصلةً وقت الرد وَجَبَ ردها بالإجماع، قيل: إن هذا الحكم مختصٌّ بمن له مِلْكٌ في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور، وقالت الحنفية: إن الغاصب كالمشتري قياسًا، ولا يخفى ما في هذا القياس؛ لأن المِلْكَ فارقٌ يمنع الإلحاق، والأولى أن يقال: إن الغاصبَ داخلٌ تحت عموم اللفظ، ولا عبرةَ بخصوص السبب كما تقرر في الأصول.

قوله: ((فاستغله)) بالغين المعجمة، وتشديد اللام، أي: أخذ غلته، أي: أخذ إنتاجه, وما حدث من منفعة بعدما اشتراه من البائع.

error: النص محمي !!