Top
Image Alt

باب وجوب ستر العورة، وحكم الفخذ، وباب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها

  /  باب وجوب ستر العورة، وحكم الفخذ، وباب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها

باب وجوب ستر العورة، وحكم الفخذ، وباب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها

أبواب: سَتر العورة:

أ. باب: وجوب ستْرها:

حديث بَهْز بن حَكِيم عن أبيه عن جدّه: ((قلت: يا رسول الله…)):

فعن بهز بن حَكيم عن أبيه عن جدّه قال: ((قلت: يا رسول الله، عوْراتنا ما نأتي منها وما نذَر؟ قال: احفظْ عورتَك إلّا من زوجتك أو ما ملكتْ يمينُك. قُلْت: فإذا كان القوم بعْضُهم في بعض؟ قال: إنِ اسْتطعتَ ألّا يَراها أحد فلا يرَينّها. قلت: فإذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُسْتحْيَا منه)). رواه الخمسة، إلّا النّسائي.

وحسّنه الترمذي، وصحّحه الحاكم، وأخرجه ابن أبي شيبة قال: حدّثنا يزيد بن هارون حدّثنا بهز بن حكيم, عن أبيه عن جدّه بدون قوله: ((فإذا كان القوم)) يعني: بدون قوله: ((فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن اسْتطعت ألّا يراها أحدٌ فلا يَرَينّها))، إلى قوله: ((قلت: فإن كان أحدُنا…)) -يعني: ((فإن كان أحدنا خاليًا)) إلى آخِر الحديث.

وزاد بعد قوله: ((فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أن يُسْتحْيا منه))، زاد لفظ: ((مِن النّاس)). يعني: ((أحقّ أنْ يُستحيا منه مِن النّاس)).‌

وقد عُرف من السياق: أنّه وارد في كشْف العورة -أي: هذا الحديث- بخِلاف ما قال أبو عبد الله البونيّ: إنّ المراد بقوله: ((أحقّ أنْ يُستحيا منه)) أي: فلا يُعصَى.

ومفهوم قوله: ((إلّا مِن زوجتك أو ما مَلَكت يمينُك)) يدلّ على أنّه يجوز لهما النّظر إلى ذلك. وقياسه: أن يجوز له أيضًا النّظر إلى ذلك منهما.

ويدلّ أيضًا على أنّه لا يجوز النّظر لغير مَنِ اسْتثنَى, وهو: ((زوجتكَ أو ما ملكَتْ يمينُك)).

ومِن هذا الذي لا يجوز: نَظَر الرّجل إلى عوْرة الرّجل، ونَظر المرأة إلى عوْرة المرأة.

وكَما دلّ مفهوم الاستثناء على ذلك، فقد دلّ عليه مَنْطوق قوله: ((فإذا كان القوم بعضهم في بعض)). أي: رجالًا مع رجال أو نساءً مع نساء.

ويدلّ على أنّ التّعري في الخَلاء غير جائزٍ مُطلقًا في قوله: ((فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُسْتَحيا منه)). أي: لم يسْتثْنِ أنْ يكون خاليًا.

قال: ((فإذا كان أحُدنا خاليًا؟ قال: فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُستحْيا منه)) أي: لا تكْشِف عوْرتك أيضًا وأنت خالٍ.

وممّا يدلّ على عَدَم الجواز مطْلقًا: حديث ابن عمر عند الترمذي, بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إيّاكم والتّعرِّي! فإنّ مَعَكم مَن لا يُفارقكم إلّا عند الغائط, وحين يُفْضي الرّجل إلى أهله؛ فاسْتحْيوهم وأكْرِموهم)).

فمعنى ذلك: أنّ مع المِرْء في حالة الغُسل من لا يُفارِقه، ولم يسْتثْن ذلك؛ بل حذّر من هذا فقال: ((إيّاكم والتّعري!)).

ويدلّ على ما أشعر به الحديث مفهومًا ومنطوقًا من عَدَم جواز نَظَر الرّجل إلى عوْرة الرّجل، والمرأة إلى عوْرة المرأة: حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم, وأبي داود والترمذي بلفظ: ((لا ينْظُر الرّجل إلى عوْرة الرّجل! ولا المرأة إلى عورة المرأة! ولا يُفْضي الرّجل إلى الرّجل في الثّوب الواحد! ولا تُفْضي المرأة إلى المرأة في الثّوب الواحد!)).‌

والحديث يدلّ على وجوب ستر العورة, كما ذَكَر المصنِّف في التّرجمة فقال: “باب: وجوب سترها”.

ب. باب: مَن لم يَرَ الفخِذَ مِن العوْرة:

حديث عائشة في كشْف رسول الله صلى الله عليه  وسلم فخِذَه:

عن عائشة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان جالسًا، كاشفًا عن فخِذِه، فاستأذن أبو بكر، فأذِن له وهو على حاله. ثمّ استأذن عُمر، فأذِن له وهو على حاله. ثمّ استأذن عثمان، فأرْخَى عليه ثِيابه. فلمّا قاموا، قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك, فلمّا استأذن عثمان أرْخَيْت عليك ثيابك! فقال: يا عائشة ألاَ أسْتحْيي مِن رَجُلٍ، واللهِ إنّ الملائكة لَتَستحْيي منه!)). رواه أحمد.

الحديث استَدلّ به مَن قال: إنّ الفخذ ليست بعورة, سواء أكان ذلك حديث عائشة أمْ حديث حفصة، ومَن قالوا بذلك بيّنه الإمام الشوكاني قبل ذلك.

فعن أحمد ومالك في رواية: أنّ العورة: القُبُل والدّبر فقط؛ وبه قال أهل الظّاهر، وابن جرير. قال الحافظ في ثُبوت ذلك عن ابن جرير نَظر، فقد ذَكر المسألة في (تهذيبه), وردّ على مَن زَعَم أنّ الفَخِذ ليست بعورة.

واحتجّوا بهذا الحديث الذي معَنا، الذي فيه: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان كاشفًا فخِذَه, ودَخل أبو بكر وعمر ولم يسْترْهما. قال الشوكاني في شرْح حديثٍ قبل هذا عن علي رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم : ((لا تُبْرِز فخذك، ولا تنْظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّت)).

قال الشوكاني: والحقّ: أنّ الفخذ من العورة، وحديث عليٍّ هذا، وإن كان غير مُنْتهضٍ على الاستقلال, ففي الباب من الأحاديث ما يصْلحُ للاحْتِجاج به على المطلوب.

جـ. باب: أنّ المرأة الحرّة كلّها عورة، إلّا وجهها وكفّيْها:

عن عائشة: أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا يَقْبَل الله صَلاة حائضٍ إلّا بِخِمار)). رواه الخمسة إلّا النّسائي.

‌وقوله: ((لا يَقبل الله صلاة حائضٍ إلّا بخِمار)): قد تقدّم الكلام على لَفْظ “القَبُول”, وأنّه قد يُطْلَق على: الصحّة، وقد يُطْلق على: القَبول، بمعنى: الإثابة.

فقد يكون العَمَل صحيحًا، ولكنّ صاحبه قد لا يثاب عليه لأمرٍ خارجٍ عن هذا العمل، والمراد هنا القبول بمعنى: الصِّحّة.

والحائض”: مَن بلَغَت سِنّ المَحيض، لا مَن هي مُلابِسَة للْحيْض؛ فإنّها مَمْنُوعة من الصّلاة، وهو مُبَيَّن في رواية ابن خزيمة في (صحيحه) بلفظ: ((لا يقبل الله صَلاة امرأة قد حاضت إلّا بِخِمار)).

وقوله: ((إلّا بِخِمار)) -هو بِكسْر الخاء: ما يُغَطّى به رأس المرأة، قال صاحب (المُحْكم): “الخِمار”: النّصيف، وجَمْعه: أخْمِرَة وخُمُر.‌

والحديث استُدِلّ به على: وجوب سَتْر المرأة لِرَأْسِها حال الصّلاة. واسْتَدلّ به مَن سَوّى بين الحُرّة والأَمَة في العَوْرة؛ لِعُموم ذِكْر الحائض, ولم يفرِّق بين الحرّة والأمَة, وهو: قَوْل أهل الظّاهر.

وفرّقت العِتْرة والشّافعي, وأبو حنيفة والجمهور, بين عَوْرة الحُرّة والأَمَة، فَجَعلوا عَوْرة الأَمَة ما بين السُّرّة والرّكبة كالرّجل.

والحجّة لهم ما رواه أبو داود, والدارقطني, وغيرهما، مِن حديث عمْرو بن شُعيْب عن أبيه, عن جدِّه في حديث: ((إذا زوّج أحَدُكم خادمَه عبْدَه أو أجيره, فلا ينظُر إلى ما دُون السّرّة وفَوْق الرّكبة)). والمراد هذا بالنّسبة إلى أمَته. المراد بالخادم هنا: الأمَة.

وقد اختُلف في مقدار عورة الحُرّة:

فقيل: جميع بدنِها ما عدا الوجه والكفّين. وإلى ذلك ذهب: الهادي، والقاسم في أحد قوليْه، والشافعيّ في أحد أقواله، وأبو حنيفة في إحدى الروايتيْن عنه، ومالك.

وقيل: والقدميْنِ وموضعَ الخلخال؛ وإلى ذلك ذهب: القاسم في قول، وأبو حنيفة في رواية عنه، والثوري، وأبو العباس. يعني: ما عدا الوجه والكفّين والقدميْن.

وقيل: بل جميعها إلّا الوجه، ولم يستثنِ حتّى الكفّيْن. وإليه ذهب: أحمد بن حنبل، وداود.

وقيل: جميعها بدون استثناء. وإليه ذهب: بعض أصحاب الشافعي، وروي عن أحمد.

وسبب اختلاف هذه الأقوال: ما وقعَ من المفسِّرين من الاختلاف في تفسير قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31].‌  

وقد استدِلّ بهذا الحديث على: أنّ ستْر العورة شرطٌ في صحّة الصلاة؛ لأنّ قوله صلى الله عليه  وسلم ((لا يَقبَل الله صلاةَ حائضٍ إلّا بخمار)) صالحٌ للاستدلال به على الشرطيّة، يعني: أنّ ستْر العورة شرطٌ في صحّة الصّلاة.

error: النص محمي !!