Top
Image Alt

باب وجوب قراءة (الفاتحة)، وباب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه

  /  باب وجوب قراءة (الفاتحة)، وباب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه

باب وجوب قراءة (الفاتحة)، وباب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه

أ. باب: وجوب قراءة “الفاتحة”:

حديث عبادة بن الصّامت:

عن عُبادة بن الصّامت: أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا صلاة لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). رواه الجماعة، يعني: أصحاب الكتب الستة، والإمام أحمد.

وفي لفظٍ: ((لا تُجزئ صلاةٌ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). رواه الدارقطني، وقال: “إسناده صحيح”.

وزاد فيه مسلم وأبو داود وابن حبّان لفظ: ((فصاعِدًا))، يعني: لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا.

لكن قال ابن حبّان: تفرّد بها مَعمْر عن الزهري، وأعلّها البخاري في جُزء: القراءة خَلْف الإمام، ورواية الدارقطني التي هي: ((لا تُجزئ صلاة لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) صحّحها ابن القطان في كتابه “الوهم والإيهام”.

‌وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي، وعن أبي قتادة عند أبي داود والنسائي، وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه, وعن أبي سعيدٍ عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، وعن أبي الدرداء عند النسائي وابن ماجه، وعن أبي سعيدٍ عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، وعن أبي الدرداء عند النسائي وابن ماجه، وعن جابر عند ابن ماجه، وعن علي عند البيهقي، وعن عائشة وأبي هريرة، وسيأتيان -إن شاء الله- تعالى، وعن عبادة؛ وسيأتي في الباب الذي بعد هذا.‌

والحديث يدلّ على تَعيِين “فاتحة الكتاب” في الصلاة، وأنّه لا يُجزئ غيرها، وخاصة لفظ الإجزاء عند الدارقطني بإسنادٍ صحِيح: ((لا تُجزئ صلاة)). وإلى ذلك ذَهَب: مالك، والشافعي، وجمهور العلماء من الصحابة والتّابعين فمَن بعْدَهم.

وقد استُدلّ بهذا الحديث على وجوب قراءة “الفاتحة” في كلِّ ركعة بناءً على أنّ الركعة تسمَّى صلاة، من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء مجازًا.

قال الشوكاني: وفي هذا الاستدلال نَظَر، لأنّ قراءتها في ركعة واحدة تقتضي حُصول مسمّى القراءة في تلك الصلاة، والأصل عدم وُجوب الزيادة على المرّة الواحدة. وإطلاق اسم الكل على البعض مَجاز لا يُصار إليه إلا لموجِب، فليس في الحديث إلا أنّ الواجب في الصلاة التي هي اسم لجميع الركعات: قراءة “الفاتحة” مرّة واحدة. فإن دلّ دليل خارجيٌّ على وجوبها في كلِّ ركعةٍ، وَجَب المصيرُ إليه.

 ب. باب: ما جاءَ في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمعَ إمامه:

حديث أبي هريرة:‌                         

عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((إنّما جُعِل الإمامُ لِيُؤتَمّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنْصِتوا)). رواه الخمسة إلّا التّرمذي. وقال مسلم هو: “صحيح”.

وقوله: ((إنّما جُعِل الإمام لِيُؤتمّ به)) معناه: أنّ الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه؛ فلا يجوز له المقارنة ولا المسابقة ولا المخالفة، إلّا ما دلّ الدّليل الشّرعيُّ عليه, كصلاة القائم خَلْف القاعدِ ونحوها، على اختلافٍ في هذه المسألة.

وقوله: ((فإذا كبّر فكبِّروا))، جَزَم ابن بطال وابن دقيق العيد بأنّ الفاء للتّعقِيب، ومقتضاه الأمر بأنّ أفعال المأموم تقع عَقِب فِعْل الإمام. فلو سَبَقه بتكبيرة الإحرام له، لم تَنْعقد صلاته.

وقوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)): احتجّ بذلك القائلون: أنّ المؤتمّ لا يقرأ خَلْف الإمام في الصلاة الجهرية، وهم: زيد بن علي، والهادي، والقاسم، وأحمد بن عيسى، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وإسحاق بن راهويه، وأحمد، ومالك، والحنفيَّة. لكنّ الحنفيَّة قالوا: “لا يقرأ خَلْف الإمام، لا في سرِّية ولا في جهرية”، واستَدلّوا على ذلك بحديث عبد الله بن شدّاد, أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((مَن كان له إمامٌ، فقراءة الإمام له قراءة)). واستدلّ القائلون: أنّ المؤتمّ لا يقرأ خَلْف الإمام في الجهرية فقط، في قوله عز وجل {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف:204]،

وذَهَب الشافعي وأصحابه إلى وجوب قراءة “الفاتحة” على المؤتمّ من غيرِ فرقٍ بين الجهرية والسِّرِّية، سواء سَمِع المؤتمّ قراءة الإمام أمْ لا. وإليه ذَهَب النّاصر من أهل البيت.

واستَدلّوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت الآتي, وهو: أنّ النّبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا يقرأنّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة، إلّا بأمِّ القرآن)). رواه الدارقطني وقال: “رجاله ثقات”، وسنقف عند هذا الحديث -إن شاء- الله تعالى.

وأجاب هؤلاء عن أدلّة أهل القول الأوّل الذين يقولون: لا يقرأ المأموم خلف إمامه -على تفصيلٍ عندهم- بأنّها عمومات، وحديث عبادةَ خاصّ، وبناء العام على الخاص واجبٌ كما تقرّر في الأصول.

وهذا لا مَحِيصَ عنه، ويؤيِّده الأحاديث المتقدِّمة القاضية بوجوب “فاتحة الكتابِ”, في كلِّ هذه العمومات التي اقترنت بما يجبُ تقديمه عليها. وقد أجاب المهدي في (البحر) عن حديث عُبادة بأنّه معارَضٌ بحديث: ((ما لي أُنازَع القرآن؟!))؛ وهي من معارَضة العامّ بالخاص، وهو لا يُعارضه.

أمّا على قول من قال من أهل الأصول: “إنّه يُبْنى العامّ على الخاص مطلقًا”، وهو الحقّ، فظاهر. وأمّا على قول من قال: “إنّ العامّ المتأخِّر عن الخاصّ ناسخٌ له، وإنّما يُخَصَّصُ المقارِن والمتأخِّر بمدّة لا تَسَع لِلْعَمَل”، فكذلك أيضًا، لأنّ عُبادةَ رَوَى العامَّ والخاصّ في حديثه الآتي؛ فهو من التّخصيص بالمقارِن، فلا تعارُض في المقام على جميع الأقوال.

ومن جملة ما استَدلّ به القائلون بوجوب السّكوت خلف الإمام في الجهرية: ما تقدّم من قول جابر: “مَن صلّى ركعةً لم يقرأ بأمّ القرآن، فلم يصلِّ، إلّا وراء الإمام”. فمعناه: فإنّ صلاته تصحُّ إذا كان وراء الإمام ولم يقرأ بأمّ القرآن، وهو مع كونه غير مرفوعٍ, مفهومٌ لا يعارِضُ بمثله منطوق حديث عبادة.

وقد اخْتَلفت الشافعية في قراءة “الفاتحة”، لأنّهم قالوا بوجوبها في كلِّ ركعة، وسواء كان منفردًا أو مأمومًا، اخْتَلفت الشافعية في قراءة “الفاتحة” هل تكون عند سَكَتات الإمام أو عند قراءته؟

وظاهر الأحاديث الآتية: أنّها تُقرأ عند قراءة الإمام.

جـ. باب: ما جاء في قراءة المأموم:

حديث أبي هريرة:

حديث أبي هريرة في هذا الباب: أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأَنْصتوا)). رواه الخمسة إلا الترمذي، وقال مسلم: هو صحيح.

والزيادة في قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، هذه الزيادة على الرغم من أنّ البعض قال: إنها ليست بمحفوظة، فهي صحيحة كما اتضح سابقًا، بأنّ مسلمًا -رحمه الله- صحّحها.‌

ثم تعرّضنا لشرح بعض مفردات هذا الحديث وبعض ألفاظه.

ومن جملة ما استدلّ به القائلون بوجوب السّكوت خلْف الإمام في الجهرية: ما تقدّم من قول جابر: “مَن صلّى ركعة لم يُقرأ فيها بأمّ القرآن، فلمْ يصلِّ، إلّا وراء الإمام”؛ فمفهوم هذا الحديث: أنّه إذا كان وراء الإمام فلم يقرأ بأم القرآن فصلاته صحيحة. ‌أمّا إذا كان إمامًا أو إذا كان مفردًا، فلم يقرأ بأمِّ القرآن، فإنّه لم يُصلِّ، ولم يعتدّ بتلك الركعة.

قال الشوكاني: هذا الحديث مع كونه غير مرفوع مفهوم، يعني: يُفهم منه: أنّه لا يقرأ المأموم. هذا المفهوم لا يعارِض بمثله منطوق حديثِ عبادة الذي قال فيه، والذي سبق: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، فهذا منطوق في أنّه لا بدّ للجميع أن يقرؤوا بأمّ القرآن في الصلاة.‌

وقد اختلفت الشافعية في قراءة “الفاتحة”، والشافعية يقولون بقراءة “الفاتحة” في القراءة في الصلاة. والشافعية يقولون بوجوب قراءة المأموم خلْف الإمام في الصلاة الجهرية والسرية.

اختلفوا في موضع قراءة “الفاتحة” خلْف الإمام، هل تكون عند سكتات الإمام؟ وقد سبق أنّ للإمام سكتتيْن، أو تكون عند قراءته؟

وظاهر الأحاديث الآتية: أنّها تُقرأ عند قراءة الإمام، فعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحْوَط، لأنّه يكون قد جمع بين الأمريْن، بين الإنصات للقراءة وبين قراءة “أم القرآن”، ولا يكون هناكَ تعارضٌ بينهما.

ففعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط، لأنّه يجوز عند أهل القول الأوّل -يعني: الذين يقولون: إنّها تقرأ مع قراءة الإمام. يقولون: إنّه يجوز أن يقرأها في السكتتيْن، أو عند سكتات الإمام.

فيجوز عند أهل القول الأوّل ذلك، فيكون فاعل ذلك -أي: قارئ “فاتحة الكتاب” عند سكتات الإمام- آخذًا بالإجماع، يعني: بإجماع الشافعية في أنّه تقرأ “فاتحة الكتاب”. ويحقق أيضًا الاستماع -كما قلنا. لقراءة القرآن، ولقراءة الإمام.

وأمّا اعتياد قراءتها حال قراءة الإمام لِلفاتحة فقط، أو حال قراءته للسورة فقط، فليس عليها دليل. يعني: هذا الاعتياد ليس عليه دليل، بل الكلّ جائز وسُنّة. نعم حال قراءة الإمام “الفاتحة” مناسبٌ لقراءة المأموم من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلِّها، لأنّه سيستعيذ في أوّل الصلاة، وهذا محلها الذي هو بعد التوجُّه، أو تكريرها عند إرادة قراءة “الفاتحة” إن فعلها في محلِّها أوّلًا.

يعني: إذا قرأ “الفاتحة” مع الإمام، أو حال قراءة الإمام، فإنّه لن يحتاج إلى أن يقرأ الاستعاذة مرّة أخرى بعد أن يقرأها في أوّل الصلاة، ولن يكون في حاجة إلى تأخيرها عن أوّل الصلاة وهو محلّها.

قلنا: إنّ الشافعية قد اختلفوا في موضع قراءة “الفاتحة” خلف الإمام، هل تكون عند سكتات الإمام أو عند قراءته؟ وظاهر الأحاديث: أنها تُقرأ عند قراءة الإمام، وفعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط. وفصّلنا القول في ذلك.

وقلنا: إنّه إذا قرأها مع قراءة الإمام للفاتحة؛ فإنه لن يحتاج إلى تكرار الاستعاذة، ولن يحتاج إلى تأخير الاستعاذة عن محلّها، وهو: أوّل الصلاة، وأيضًا سيكتفي بالتأمين مرة واحدة عند فراغه وفراغ الإمام من قراءة “الفاتحة” إن وقع الاتفاق في التمام بين تمام قراءة “الفاتحة” من الإمام ومن المأموم.

بخلاف من أخّر قراءة “الفاتحة” على حالِ قراءة الإمام للسُّورة، فإنّه سيؤمِّن مع الإمام، وسيؤمِّن عندما يقرأ “الفاتحة”.

هذا، وقد بالغ بعض الشافعية، فصرّح بأنّه إذا اتّفقت قراءة الإمام والمأموم في آية خاصّة من آي “الفاتحة” بطلت صلاته؛ روى ذلك صاحب (البيان) من الشافعيّة عن بعض أهل الوجوه منهم، وهو من الفساد بمكانٍ يغني عن ردِّه؛ هذا ما قاله الشوكاني تعقيبًا على هذا الرأي، ومراده: أنّ من تتّفق قراءة الإمام والمأموم في آية خاصة من آي “الفاتحة” معناه: أنّه يعتدّ بقراءة الإمام دون قراءة المأموم؛ فلا يكون قد قرأ “فاتحة الكتاب”، وهي فرض عليه -أي: المأموم- ولكنّ ذلك من الفساد بمكان، وقد قرأ الإمام وهذا هو الفرض منهما، ولا يضرّ اتفاق هذا مع ذاك.

د. باب: في البسملة هل هي من “الفاتحة” أم لا؟

حديث أبي هريرة:

هذا الحديث الذي فاتنا هو في باب: في البسملة, هل هي من “الفاتحة” وأوائل السّوَر أم لا؟ بما يترتب على ذلك من كونِ قراءتها من تمام “فاتحة الكتاب”, ولا تُجزئ القراءة إلّا بها على رأي من يعتبر أنّ “فاتحة الكتاب” شرطٌ في صحّة الصّلاة.

هذا الحديث، قال الإمام مجد الدّين ابن تيمية في هذا الباب: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((مَن صلّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج))، يقولها ثلاثًا. -أي: فهي خداج، فهي خداج, فهي خداج. فقيل: لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: “اقرأ بها في نفسك”, فإنّي سَمِعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: ((قال الله عز وجل : قسمتُ الصلاة بَيْني وبين عبدي نِصْفيْن، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي. فإذا قال: {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم}، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: {مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين}. قال: مجّدني عبدي. وقال مرّةً: فوّض إليّ عبدي. وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين}، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولِعَبْدي ما سأل. فإذا قال: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين} [الفاتحة: 6، 7]، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)). رواه الجماعة إلّا البخاري وابن ماجه.‌

وقوله: ((خِداج)) -بكسر الخاء المعجمة- قال الخليل والأصمعي, وأبو حاتم السّجسْتاني, والهروي وآخرون: “الخداج”: النقصان. يقال: “خَدَجت الناقة” إذا ألْقَت وَلَدها قبل أوان النِّتاج، وإن كان تامّ الخلْق، و”أخْدَجَت” إذا وَلدْته ناقصًا، وإنْ كان لِتَمام الولادة.

وقال جماعة من أهل اللّغة: “خَدَجت” و”أخْدَجت” إذا وَلدت لغير تمام”.

قالوا: فقوله في الحديث: ((خِداج)) أي: الصّلاة ذات خداج، أي: هي ناقصة.

وقول أبي هريرة رضي الله  عنه: ((اقرأْ بها في نفسك)). السّائل لأبي هريرة هو: أبو السائب -أي اقرأْها سِرًّا بحيث تُسمِع نفسك.

قول الله عز وجل في هذا الحديث القدسي: ((قَسَمْتُ الصلاة)): قال النّووي: قال العلماء: المراد بـ”الصّلاة”: “الفاتحة”، سُمِّيت بذلك لأنّها لا تصحُّ إلا بها. والمراد: قِسْمْتُها من جِهَة المعنى، لأنّ نصفها الأوّل تحميد الله وتمْجِيده وثناءٌ عليه وتفويضٌ إليه، والنّصف الثّاني سؤالٌ وطلبٌ وتضرّعٌ وافتقار.

على أنّه يُمكن القول أنّ المراد بالصّلاة جميعها، لأنّ الصّلاة في مجموعها إمّا هي ذِكرٌ لله عز وجل وتمجيدٌ وثناء وقراءة للقرآن، وإمّا طلبٌ ودعاء. فالأوّل لله عز وجل والثّاني للعبد يبتغي به الفضل من الله عز وجل . ويكون ذِكْر “فاتحة الكتاب” هُنا كمثالٍ وتوضيحٍ لهذه القسمة, التي هي بين الله عز وجل وبين العبد المصلّي.

وهذا يقتضي: أنّه ينبغي أن يكون المرء أو المسلمُ حاضرًا بقلْبه, وهو يقرأ لأنّه يخاطب الله عز وجل إمّا بالثّناء والتّمجيد والحمد، وإمّا بطلب عن طريق الدّعاء.

وقوله: ((حَمدني)) و((أثنَى عليّ)) و((مجّدني)): “الحمد”: الثّناء بجميع الفِعال. و”التّمجيد”: الثناء بصفات الجلال؛ ولذلك ناسبت أن تكون في قوله: {مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين}. والثّناء مُشتمِلٌ على الأمْريْن، وهذا يتلاءم مع قوله: {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم}.

قال الإمام الشّوكاني: ولهذا جاء جوابًا لـ{الرَّحْمـنِ الرَّحِيم}، لاشتمال اللّفظيْن على الصّفات الذّاتية والفعلية؛ حَكَى ذلك النّووي عن العلماء.

وقوله: ((فوّض إليّ عبدي)): وَجْه مطابقة هذا لقوله: {مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين} أنّ الله تعالى هو المنفرد بالمُلك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم.

و{الدِّين}: الحساب، وقيل: الجزاء، ولا دَعْوى لأحدٍ في ذلك اليوم حقيقة ولا مجازًا. وأمّا في الدّنيا، فلبعض العباد مُلك مجازي، ويدّعي بعضهم دَعْوى باطلة، وكلّ هذا ينقطع في ذلك اليوم.

وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين}، ويقول الله عز وجل : ((هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)). قال القرطبي: “إنّما قال الله تعالى هذا، لأنّ في ذلك تذلُّل العبد لله، وطلبه الاستعانة منه؛ وذلك يَتضمّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طَلَب منه”.

وقوله: ((فإذا قال: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم})), إلى آخِرِ السّورة، إنّما كان هذا للعبد لأنّه سُؤالٌ يعود نفْعه إلى العبد. وفيه دَليل على: أنّ {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم} وما بعدها إلى آخِر السّورة ثلاثُ آياتٍ لا آيتان. وفي المسألة خِلافٌ مَبْنيّ على أنّ البسملة من “الفاتحةِ” أو لا، وقد تقدّم الكلام فيه مفصّلًا.

والحديث يدلّ على أنّها ليست من “الفاتحة”, لأنّ “الفاتحة” سبع آياتٍ بالإجماع: فثلاث في أوّلها ثناء: أوّلها: {الْحَمْدُ للّهِ}، وثلاث دُعاء: أوّلها {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم}والرّابعة مُتوسِّطة: وهي: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين}، وهي التي قيل فيها: ((هذه بيني وبين عبدي)). ولم تُذكر البسملة في الحديث، ولو كانت منها لَذُكرت.

قال النّووي: “وهو من أوضح ما احتجُّوا به على أنّ البسملة ليست من “الفاتحة”.

والحديث أيضًا يدلُّ على وجوب قراءة “فاتحة الكتاب” في الصلاة؛ وإليه ذَهَب الجمهور. وسيأتي البحث عن ذلك في الباب الذي بعد هذا -إن شاء الله تعالى.

وأما الاستدلال بهذا الحديث على تَرْك الجهر في الصلاة بالبسملة, فليس بصحيح. قال اليعمري أبو الفتح: لأنّ جماعة ممّن يَرَى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنًا، بل هي من السُّنن عندهم كالتّعوذ والتّأمِين، وجماعة ممّن يَرَى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا؛ ولهذا قال النووي: “إنّ مسألة الجهر ليست مرتَّبة على إثبات مسألة البسملة، وكذلك احتجاج من احتجّ بأحاديث عَدَم قراءتها على أنّها ليست بآية لِما عَرفْت”.‌

هـ. باب: ما جاء في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمع إمامه:

1. حديث أبي هريرة:

وفي الباب نفسه عن أبي هريرة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة, فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجلٌ: نعم يا رسول الله. قال: فإنِّي أقول ما لي أُنازَع القرآن؟! قال: فانتهى النّاس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الصّلوات بالقراءة, حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه  وسلم)). رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: “حديث حسن”.

والحديث أيضًا أخرجه مالِكٌ في (الموطّأ)، والشّافعي، وأحمد, وابن ماجه، وابن حبّان.

وقوله: ((فانتهى النّاس عن القراءة)) مُدرجٌ في الخبر، أو هو زائدٌ من أحد الرّواة، كما بيَّنه الخطيب في كتابه الذي خصّصه لهذا، واتّفق عليه البخاري في (التّاريخ)، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذّهلي والخطّابي، وغيرهم…

قال النّووي: وهذا ممّا لا خلاف فيه بينهم، أنّ قوله: ((فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الصّلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه  وسلم)). كلُّ هذا مدرجٌ، ولا خلاف فيهِ على ما يقول النّووي.‌

وقوله صلى الله عليه  وسلم : ((مالي أُنازَع القرآن)): بضم الهمزة للمتكلِّم، وفتح الزّاي: مضارع، ومفعوله الأوّل مُضمرٌ فيه. و((القرآن)): مفعوله الثّاني. أي: أنّ هذا الفعل ينصِب مفعوليْن كـ”جعَل”، وغيرهما… قاله شارح (المصابيح). واقتصر عليه ابن رسلان في (شرح سنن أبي داود).

و”المنازعة”: المُجاذَبة، قال صاحب (النّهاية) -ابن الأثير: ((أُنازَعُ)) أي: أجاذَب، كأنّهم جَهَروا بالقراءة خَلْفه فشغلوه، فالتبست عليه القراءة. وأصْل “النّزع”: الجذْب، ومنه: نَزْع الميِّت بِرُوحه.‌

أمّا من حيث أحكام هذا الحديث: فقد استدلّ به القائلون بأنّه لا يقرأ المؤتمّ خَلْف الإمام في الجهرية.

قال الشّوكاني: وهو خارجٌ عن محلّ النّزاع، لأنّ الكلام في قراءة المؤتمّ خَلْف الإمام سرًّا، يعني: الخلاف إنّما هو في قراءة المؤتمّ خَلْف الإمام سرًّا، والمنازعة إنّما تكون مع جهر المؤتمّ، لا مع إسراره. كأنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال لهم: لا تجهروا بالقراءة مع قراءتي.

قال الشوكاني: وأيضًا لو سُلِّم دُخول ذلك في المنازعة، لكان هذا الاستفهام الذي للإنكارِ عامًّا لجميع القرآن أو مطلقًا في جميعه، وحديث عبادة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) حديث عبادة هذا خاصٌ ومقيَّد. وقد تقدَّم البحث عن ذلك، أي: يُحمل العامُّ على الخاص، أو المطلق على المقيّد. والله تعالى أعلم.‌

والحديث استدلّ به من قال بوجوب قراءة “الفاتحة” خَلْف الإمام، قال الإمام الشوكاني: وهو الحقّ. وقد تقدّم بيان ذلك.

وظاهر الحديث: الإذن بقراءة “الفاتحة” جهرًا, لأنّه استثني من النّهي عن الجهر خَلْفه؛ ولكن أخرج ابن حبّان من حديث أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((أتقرءون في صلاتكم خَلْف الإمام، والإمام يقرأ؟ فلا تفعلوا؛ وليقرأ أحدكم بـ”فاتحة الكتاب” في نفسه)). فهذا يدلّ على أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم أذِن بالقراءة خلف الإمام بـ”فاتحة الكتاب”، ولكن في نفس المأموم وليس جهرًا. وأخرجه أيضًا الطبراني في (الأوسط)، والبيهقي.

ويمكن أن يقال: وهو الذي تستريح إليه النفس: لا يتوجّه بشيء من التّوجّهات من صلّى خلف إمامٍ لا يتوجّه بعد التكبيرة، لأنّ عمومات القرآن والسّنة قد دلت على وجوب الإنصات والاستماع.

باب: ما جاء في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمع إمامه:

حديث عبد الله بن شداد:

قال الإمام مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: ورَوَى عبد الله بن شدّاد: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((من كان له إمامٌ، فقراءة الإمام له قراءة)). وقد رُوي مسندًا من طُرقٍ كلّها ضعاف. والصحيح أنه مرسَل.

هذا الحديث، قال الدارقطني: “لم يُسنِده عن موسى بن أبي عائشة, غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة؛ وهما ضعيفان”.

فهكذا قال عن أبي حنيفة -وسامحه الله في ذلك- فأبو حنيفة ليس ضعيفًا في الحديث، إنما هو إمامٌ في الحديث وفي الفقه.

قال الحافظ ابن حجر: “هو مشهور من حديث جابر, وله طُرقٌ عن جماعةٍ من الصحابة كلّها معلولة”. وقال في (الفتح): “إنّه ضعيف عند جميع الحفاظ”. وقد استوعب طُرقه وعِلَلَه الدارقطني.‌ وقد احتجّ به القائلون بأن الإمام يَتحمّل القراءة عن المؤتم في الجهرية: “الفاتحة” وغيرها.

والجواب عن ذلك: أنّه عامّ، لأنّ القراءة مصدرٌ مضاف، وهو من صِيَغ العموم، وحديث عبادة المتقدِّم خاصّ، الذي يُبيِّن أنّه تُقرأ “فاتحة الكتابِ” مع قراءة الإمام، فلا معارضة. وقد تقدّم الكلام على ذلك.‌

error: النص محمي !!