Top
Image Alt

باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

  /  باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

وذلك بالنظر إلى أقارب المرضِع؛ لأنهم أقارب الرضيع، وأمّا أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع، وقد ذكر العلماء المحرّمات من الرضاع، وبينوا أنهم سبع، وهم: الأم والأخت بنصّ القرآن الكريم، والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت؛ لأن هؤلاء الخمس يحرمن من النسب، وخلاصة ما تقدّم أنّ المرأة إذا أرضعت طفلًا حرمت عليه؛ لأنها صارت أمه، وبناتها لأنهن أخواته، سواء كانت الرضاعة معه أم قبله أم بعده، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهنّ بنات إخوته وأخواته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها صارت جدته، قال الحافظ ابن حجر: قال بعض العلماء: يستثنى من عموم قوله -أي: قول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) أربع نسوة، يحرمن في النسب مطلقًا، وفي الرضاع قد لا يحرمن:

الأولى: أم الأخ في النسب حرام؛ لأنها إمّا أم، وإما زوج أب، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الأخ، فلا تحرم على أخيه.

الثانية: أم الحفيد: حرام في النسب؛ لأنها إمّا بنت أو زوج ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الحفيد، فلا تحرُم على جده.

الثالثة: جدة الولد في النسب حرام؛ لأنها إمّا أم أو أم زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية أرضعت الولد، فيجوز لوالده أن يتزوجها.

الرابعة: أخت الولد حرام في النسب؛ لأنها بنت أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فتُرْضِع الولد فلا تحرُم على الوالد.

وهذه الصور الأربع قد اقتصر عليها جماعة، ولم يستثن الجمهور شيئًا من ذلك، وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنهن لم يَحْرُمْنَ من جهة النسب، وإنما حَرُمن من جهة المصاهرة، واستدرك بعض المتأخرين أمّ العم وأم العمة وأم الخال وأم الخالة، فإنهنّ يحرمن في النسب لا في الرضاع، وليس ذلك على عمومه. ذكر ذلك ابن حجر في كتابه (فتح الباري).

الحكمة من التحريم بالرضاعة:

قال الإمام القرطبي -رحمه الله: “وحكمة التحريم أنّ الشارع اعتبر في التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة، وهو اللبن، ويتصل بالمرضع فيتغذّى به، فتصير أجزاؤها أجزاءه، فينتشر التحريم بينهما”، وقال الشيخ سيد سابق -رحمه الله: “وأما حكمة التحريم بالرضاعة، فمن رحمة الله تعالى بنا أنْ وسّع لنا دائرة القرابة بإلحاق الرضاع بها، وأنّ بعض لبن الرضيع يتكوّن من لبن المرضع، وأنه بذلك يرث منها -يقصد: يرث منها- أيْ من طباعها ومن أخلاقها، كما يرث ولدها الذي ولدته”. هذا بالنسبة للمرضعة.

والسؤال: هل يدخل زوج المرضعة في التحريم؟ وهذا ما يسمّى بالمحرمات من جهة زوج المرضعة، نعم، يدخل زوج المرضعة في التحريم، ولنا في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم تثبت ذلك، فعن أمنا أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله  عنها أنها قالت: ((جاء عمي من الرضاعة فاستأذن عليّ، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه  وسلم، قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه  وسلم فسألته، فقال: إنه عمك فأْذني له، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: إنه عمك فليلج عليك، وذلك بعدما ضُرب الحجاب علينا)) .

وفي رواية أخرى عن السيدة عائشة أيضًا أنها قالت: ((استأذن علي أفلح بن قعيس، فأبيت أن آذن له، فأرسل إني عمك، أرضعتك امرأة أخي، فأبيت أن آذن له، فجاء رسول الله صلى الله عليه  وسلم فذُكِر ذلك له، فقال: ليدخل عليك، فإنه عمك)) وهذا حديث متفق عليه، أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله.

وفي رواية أخرى عنها أيضًا رضي الله  عنها أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال لها: ((فهلّا آذنت له، تربت يمينك أو يدك)) وهذه الرواية أخرجها الإمام مسلم -رحمه الله، وفي رواية أخرى عنها أيضًا رضي الله  عنها، أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال لها: ((لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)) وهذه الرواية أخرجها الشيخان، وقد سئل ابن عباس رضي الله  عنهما عن رجل تزوّج امرأتين، فأرضعت الواحدة جارية، وأرضعت الأخرى غلامًا، فسُئِل: هل يتزوج الغلام الجارية، فقال: لا، اللقاح واحد، لا تحل له”. والمراد بقوله: “اللقاح واحد” هو أنّ ماء الفحل -أي: الرجل الذي حملت منه المرأتان واحد- واللبن الذي أرضعت كل واحدة منه كان أصله ماء الفحل، وهو الزوج.

فهذا الحديث الذي تقدّم ذكره بهذه الروايات التي ذكرناها آنفًا، وهذا الأثر المرويّ عن عبد الله بن عباس، يدلّان على أن لبن الفحل -أي: الزوج- تثبت به الحرمة؛ لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فأصبح زوج المرضعة بمثابة الأب للطفل الرضيع، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- في كتاب (نيل الأوطار): “وحديث عائشة في دخول أفلح عليها، فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة، قال: وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، وسائر العلماء، وذهب بعض الصحابة منهم: عائشة وابن عمر وابن الزبير، وبعض التابعين منهم: سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وسالم مولى عبد الله بن عمر، وروي أيضًا هذا القول عن محمد بن سيرين، وغيرهم: أنّ لبن الفحل لا يثبت حرمة الرضاع للزوج، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام الشافعي -رحمه الله- بسنده، إلى زينب بنت أبي سلمة قالت: كان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط، أرى أنه أبي، وأن ولده إخوتي؛ لأن أسماء بنت أبي بكر زوجته أرضعتني، قال: وأرسل إليّ عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم، على أخيه حمزة بن الزبير، فقلت: وهل تحلّ له؟ فقال: إنه ليس لك بأخ، أمّا ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وأما ما كان من ولد الزبير من غير أسماء فما هم لك بإخوة، قالت: فأرسلت، فسألت -تقصد سألت العلماء- والصحابة متوافرون، وأمهات المؤمنين، فقالوا: إن الرضاع من قِبَل الرجل لا يحرّم شيئًا، فأنكحتها إيَّاه.

هذا الأثر أخرجه الإمام الشافعي في مسنده في كتاب النكاح، باب ما جاء في الرضاع، كما أخرجه أيضًا الدارقطني في الرضاع، وهذا الأثر حين ننظر في سنده، نجد أنّ فيه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال عنه ابن حجر: صدوق، كان يحدّث من كتب غيره فيخطئ، وقال أبو زرعة: سيّئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، كما أنّ فيه محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام، وقال ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه، وقال الجوزجاني: ليس بقوي في الحديث، كما أن فيه أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، قال عنه ابن حجر: مقبول، وقال أبو زرعة: لا أعرف أحدًا سماه، هذا الحديث من ناحية السند يدل على أنه ضعيف، وقد أجاب العلماء على هذا، بأنّ الاجتهاد من بعض الصحابة والتابعين لا يُعارض النصّ، ولا يصح دعوى الإجماع لسقوط الباقين؛ لأنّا نقول: نحن نمنع أولًا أنّ هذه الواقعة بلغت كل المجتهدين منهم. وثانيًا: أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلًا على الرضا، ذكر ذلك الشوكاني في (نيل الأوطار).

واحتجّ بعض المخالفين بأنّ اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ والجواب: أنه قياس في مقابلة النص، فلا يُلتفت إليه، وأيضًا، فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما؛ كالجد لمّا كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به؛ لِتَعَلُّقِه بولده، وإلى هذا أشار ابن عباس رضي الله  عنهما بقوله في هذه المسألة: “اللقاح واحد”، وأيضًا: “فإن الوطء يدرّ اللبن، فللفحل فيه نصيب”، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]؛ حيث إنه لم يذكر العمة ولا البنت، كما ذكرهما في النسب، وأجيب بأنّ الآية ليس فيها ما يُعارض الحديث، فإنّ ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة التي تثبت التحريم.

واستدلوا أيضًا بعمل السيدة عائشة رضي الله  عنها، فقد روى الإمام مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه أخبره، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه  وسلم كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها، وبنات أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء أخواتها، وأجيب بأنّ عمل السيدة عائشة بخلاف ما روت، فالحجة روايتها لا رأيها. وقد تقرّر في الأصول: أنّ مخالفة الصحابي لما رواه لا تقدح في الرواية، وقد صحّ عن علي رضي الله  عنه القول بثبوت حكم الرضاع للرجل، وثبت أيضًا عن ابن عباس، فليست الرواية قاصرة على السيدة عائشة رضي الله  عنها.

إذن نحن نتوصل إلى الرأي الراجح والصحيح في هذه المسألة فنقول: الصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنّ لبن الفحل تثبت به حرمة الرضاع؛ لأن زوج المرضعة هو السبب في اللبن؛ لأن الوطء يدر اللبن، فللرجل منه نصيب؛ لذلك قال ابن عباس: “اللقاح واحد”، وقال القرطبي: “واعتبر حق صاحب اللبن؛ لأن وجود اللبن بسبب مائه وغذائه”. قال: والحديث أثبت لأفلح عمومة عائشة، وإنما ارتضعت عائشة لبن امرأة أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس صار لها أبًا، فينتشر التحريم، وعلى هذا فلو تزوّجت المرأة أزواجًا وأصابوها، واللبن الأول باقٍ، انتشرت الحرمة بين الرُّضعاء وبين الأزواج؛ لأنهم أصحاب ذلك اللبن ما دام متصلًا، فإن انقطع اللبن فلكلِّ زوج حكم نفسه.

قلت: وثبوت التحريم بلبن الفحل -أي الزوج- هو الصواب؛ لأن السنة النبوية المطهرة نصَّت عليه في الصحيح، وسنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم أحق أن تُتَّبع، وبهذا أخذ جمهور العلماء، ونحن نرجح هذا الرأي في هذه المسألة.

error: النص محمي !!