Top
Image Alt

بحر الخفيف

  /  بحر الخفيف

بحر الخفيف

سبب تسميته:

سُمّي بهذا الاسم لخفته التي واتته من كثرة أسبابه الخفيفة، فهو أخفُّ السباعيات لتوالي ثلاث أسباب خفيفة؛ لأنّ أول وثاني المفروق فيه لفظ الخفيف عقب خفيفين، والأسباب -كما يقولون- أخف من الأوتاد، يأتي على: “فاعلاتن مستفعلن  فاعلاتن”. فعروضه آنئذٍ تكون تامة صحيحة، وضربها يكون معها تامًّا صحيحًا، أو تامًّا محذوفًا، فيأتي الضرب على: “فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن”، وآنئذٍ تكون العروض صحيحة والضرب كذلك يكون صحيحًا.

ويأتي الضرب محذوفًا مع العروض الصحيحة أيضًا “فاعلاتن مستفعلن فاعلن”، كما تأتي العروضة تامة محذوفة “فاعلاتن مستفعلن فاعلن”، “فاعلاتن مستفعلن فعلن”، تامة محذوفة أي: العروض، والضرب معها يكون تامًّا محذوفًا مثلها “فاعلاتن مستفعلن فاعلن”.

وقد يأتي الخفيف مجزوءًا فتأتي عروضه مجزوءة صحيحة “فاعلاتن مستفعلن”، ويأتي الضرب معها مجزوءًا صحيحًا فاعلاتن مستفعلن، أو مجزوءًا مقصورًا مخبونًا فاعلاتن فعلن.

أريد أن أنوِّه بأن العروضيين يجعلون “مستفعلن” في بحر الخفيف مركبة من سبب خفيف “مس”، ووتد مفروق، “تف عِ”، وسبب خفيف آخر هو “لُن”، ويكتبونها هكذا “مس تف ع لن” أي: المفروقة، ويرتِّبون على هذا أنه إذا حُذف الساكن في السبب الخفيف وسكن ما قبله فذلك قصر لا قطع؛ لأن القطع في الوتد المجموع والقصر في السبب الخفيف.

والذي دعاهم إلى هذا الاعتبار ونحاهم عن الاعتبار المتبادر، وهو أن “مستفعلن” مُرَكّب من سببين خفيفين فوتد مجموع هو حكم الدائرة، والدوائر ليست إلا أمورًا فرضية حدسية لا تُبنى عليها حقائق علمية، وأيضًا فنحن لا يمكن أن نقرر أن هناك وحدة صوتية تُسمى وتدًا مفروقًا؛ لأنّ الوحدة الصوتية لا بد أن تنتهي بساكن، والوتد المفروق زعموا أنه لا ينتهي بساكن، ومع هذا فلا بد لنا ونحن في المرحلة البدائية من دراسة علم العروض، من متابعتهم، ولا بد لنا من أن ندع النقد لمجاله من المرحلة الخاصة، وإن كان لا بد لنا كذلك من مثل هذا التنويه.

أبنية الخفيف وأجزاؤه:

تُبنى أبيات هذا البحر على تفعيلتين: “فاعلاتن مستفع لن”، ويجيء الشطر على وزن “فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن”، ولا يجوز فيه إذن طي “مستفع لن” ذات الوتد المفروق “تفع”، والخفيف إذن من الأبحر الممتزجة ثلاثية التفاعيل، حيث تمتزج فيه “فاعلاتن ومستفعلن فاعلاتن”، فإذا تكرر هذا الشطر مرتين حصلت من ذلك على بيت من الخفيف التام، وإذا نقصت من كل شطر التفعيلة الأخيرة حصلت على بيت من الخفيف المجزوء، فبحر الخفيف إذن يُستعمل تامًّا على ست تفعيلات، ويستعمل مجزوءًا على أربع تفعيلات.

أولًا: الخفيفُ التّام:

تدور عروضه بين الصحة والحذف:

النوع الأول: يأتي الضرب مع العروض الصحيحة صحيحًا مثلها أو محذوفًا، ويأتي الضرب مع العروض المحذوفة محذوفًا مثلها، وإليك شواهد النوع الأول أي: الصحيح العروض والضرب.

قال عمر بن أبي ربيعة:

قال لي صاحبي ليعلم ما بي

*أتحب القتول أخت الرباب

قلت وجدي بها كوجدك بالعذ

*ب إذا ما منعت طعم الشراب

“قال لي صا”/ فاعلاتن، “حبي ليع”/ متفعلن، “لم ما بي”/ فاعلاتن، وهي العروض أصابها الخبن بحذف الثاني الساكن، ولكنه غير لازم، ولذا تُسَمّى صحيحة. “أتحب ال”/ فعلاتن، “قتول أخ”/ متفع لن، “ت ررباب”/ فاعلاتن، فالضرب صحيح كما ترى، والخبن جائز حسن فيه، وهو يُعدُّ ظاهرة شائعة في تفعيلات بحر الخفيف، ومن تامّ الخفيف الصحيح العروض والضرب قول شوقي:

يا ابنة اليم ما أبوك بخيل

*ما له مولعًا بمنع وحبس

أحرام على بلابله الدوح

*حلال للطير من كل جنس

وعلى هذا الأصل جاء قول إيليا أبي ماضي:

أنا إن أغمض الحمام جفوني

*ودوى صوت مصرعي في المدينة

وتمشى في الأرض دارًا فدارا

*فسمعت ذويه ورنينه

لا تصيحي وا حسرتاه

*لئلا يدرك السامعون ما تضمرينه

غالبي اليأس واجلسي عند نعشي

*بسكون إني أحب السكينة

إن للصوت في المآتم معنى

*تتعزى به النفوس الحزينة

ولقول العذال عنك بخيل

*هو خير من قولهم مسكينه

ومنه قول الشيباني:

يا هلالًا يُدعى أبوه هلالًا

*جل باريك في الورى وتعالى

أنت بدر حسنًا وشمس علوًّا

*وحسام عزمًا وبحر نوالا

النوع الثاني: هو الصحيح العروض المحذوف الضرب، ومنه ما ينسب لجميل بثينة:

قد أصون الحديث دون خليل

*لا أخاف الأذاة من قبله

وخليل صانعت مرتقبًا

*وخليل فارقت من ملله

“قد أصون ال”/ فاعلاتن، “حديث دو”/ متفعلن، “نَ خليلن”/ فعلاتن، وهي العروض مخبونة، ولكن خبنها غير لازم؛ فهي إذن صحيحة.

“لا أخاف ال”/ فاعلاتتن، “أذاة من”/ متفعلن، “قبله”/ فعلا، وتحول إلى فعلن، وهو الضرب حُذف منه السبب الخفيف فهو محذوف، وغالبًا ما ترد تفعيلة الضرب هنا محذوفة مخبونة، ومنه:

إن أمت ميتة المحبين وجدًا

*وفؤادي من الهوى حرق

فالمنايا من بين سارٍ وغاد

*كل حي برهنها علق

وهذا النوع من الأوزان لم يعرف له الباحثون إلا بيتًا واحدًا ذكره العروضيون معزوًّا إلى الكميت هو:

ليت شعري هل ثم هل آتيًا هم

*أم يحولن من دون ذاك الردى

“ليت شعري”/ فاعلاتن، “هل ثم هل”/ مستفعلن، “آتين هم”/ فاعلاتن، “أم يحولن”/ فاعلاتن، “من دون ذا”/ مستفعلن، “ك رردى”/ فاعلا، وتحول إلى فاعلن، وهذا البيت غير مذكور في هاشميات الكميت، على أن العروضيون أنفسهم يروون البيت رواية أخرى:

ليت شعري هل ثم هل آتيًا هم

*أم يحولن من دون ذاك الحمام

وهذه الصورة نادرة.

النوع الثالث: المحذوف العروض والضرب، بيد أن الغالب في استعمال صورته لدى المحدثين خبن العروض والضرب كقول ابن عبد ربه:

يا غليلًا كالنار في كبدي

*واغتراب الفؤاد عن جسدي

ليت من شفني هواه رأى

*زفرات الهوى على كبد

وتعالوا نقطع البيت: “يا غليلن”/ فاعلاتن، “كالننار في”/ مستفع لن، “كبدي”/ فعلا، وتحول إلى فعلن، وهي العروض محذوفة أيضًا.

“واغتراب ال”/ فاعلاتن، “فؤاد عن”/ متفع لن، “جسدي”/ فعلا، وهو الضرب محذوف أيضًا على أن الخبن غزا تفعيلتي العروض والضرب المحذوفتين، وصورة هذا النوع صورة نادرة في الخفيف في استعمال الأقدمين، وقد ذكر العروضيون له شاهدًا مسلوخًا يتيمًا هو قولهم:

إن قدرنا يومًا على عامر

*ننتصف منه أو ندعه لكم

“إن قدرنا”/ فاعلاتن، “يومن على”/ مستفع لن، “عامرن”/ فاعلًا، “ننتصف من”/ فاعلاتن، “هأو ندع”/ مستفع لن، “هُلكم”/ فاعلا، وتحول إلى فاعلن، وهو بيت مختل المعنى، وليس في دواوين القدماء ومجموعات شعرهم شيء منه كما يقول الباحثون؛ بيد أن للأستاذ العقاد أبياتًا عشرة يمكن أن تنسب إلى هذا الوزن، وإن كان كل شطر منها بوزن فعلن، أي: أنه التزم الخبن في العروض والضرب، ومنها:

وردتي فيم أنت ضاحكة

*يلمح البشر منك من لمحا

فيم هذا الجمال يحزنني

*رونق فيه كان لي فرحا

الذبول الذبول أرفق بي

*من رواء يزيدني طرحا

ترى هل عمد العقاد إلى النظم على هذا الوزن عمدًا مجاراة لأهل العروض؟ أو تأسيًا بقطعة قديمة ظفر بها، أم أنه ساقته إليه الشعرية لما فيه من الحزن المناسب لموضوعه، وذلك هو ما نرجحه.

وآية ذلك أنك تجد في الملاح التائه ديوان قطعة بعنوان الشتاء عدتها سبعة عشر بيتًا، أولها الملاح التائه لعلي محمود طه:

ذكريني فقد نسيت ويا

*رب ذكرى تعيد لي طربي

وارفعي وجهك الجميل أرى

*كيف هذا الحياء لم يذب

والنتيجة:

  1. الخفيفَ التام، تكون عروضه صحيحة ويكون ضربها صحيحًا، وهو الأعم الأشيع أو محذوفًا، وهو من الندرة بمكان، وتكون عروضه محذوفة، وضربها محذوفًا لا غير، وهذا الوزن قليل جدًّا.
  2. الخفيف المجزوء وله عروض واحدة صحيحة، وضربان صحيح ومخبون مقصور، قال البهاء زهير:
إنّ شَكى القلب هجركم

*مهد الحب عذركم

شرفوني بزورة

*شرف الله قدركم

“إن شكى القل”/ فاعلاتن، “بـهجركم”/ متفعلن، وهي لعروض لحقها الخبن، وهو غير لازم فهي صحيحة.

“مههد لح”، فاعلاتن، “بُ عذركم”، متفعلن، وهو الضرب لحقه الخبن، وهو كذلك غير لازم فهو صحيح، ومنه:

نام صحبي ولم أنم

*من خيال بنا ألم

وقد جاء على هذا الوزن قول شوقي على لسان كليوباترا بعد انتحار مارك أنطونيو:

نام مارك ولم أنم

*وتفردت بالألم

إلى آخر ما جاء، والملاحظ أن الخبن دخل مستفعلن،  في العروض والضرب، وأن هذه الصورة المخبونة هي الأشيع استعمالًا، وأن الباحث لا يكاد يلمح ظلًّا لمجزوء الخفيف الصحيح العروض والضرب، إلا فيما تناقله العروضيون من قول القائل:

ليت شعري ماذا ترى

*أم عمرو في أمرنا

وربما عثرت بالخفيف المجزوء في صورة “فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن مستفعل”، أي: أن عروضه صحيحة، وضربه محذوفًا ساكن السبب، وقد سُكن ما قبله، وهذا هو المسمى قصرًا، وقد مثل له العروضيون بالبيت:

كل شيء إن لم

*تكونوا غضبتم يسير

وتقطيعه: “كل شيئن”/ فاعلاتن، “إن لم تكو”/ مستفع لن، وهي العروض صحيحة، “نو غضبتم”/ فاعلاتن، “يسير”/ متفعل، وهو الضرب دخله القصر الذي عرفت آنفًا، ومن الندرة بمكان أن نجد شاعرًا صار في هذا الضرب الموحش.

إذن الخفيف المجزوء عروضه صحيحة وضربه صحيح غالبًا ومقصور نادرًا.

شيوع هذا البحر واستخدامه:

هو أخف البحور على الطبع، وأطلاها على السمع وهو يصلح لموضوعات الجد، ولموضوعات الرقة واللين والوجدانيات، وهو إن لم يكن كالطويل في الفخامة والوقار، ولا كالمنسرح في اللين والتكسر فإنه آخذ منهما بنصيب، وقد أكثر الشعراء من النظم عليه.

error: النص محمي !!