Top
Image Alt

بداية العصر الحديث للنقد الأدبي ومراحل تطوره

  /  بداية العصر الحديث للنقد الأدبي ومراحل تطوره

بداية العصر الحديث للنقد الأدبي ومراحل تطوره

الحملة الفرنسية:

المؤرخون يجعلون العصر الحديث يبدأ بمجيء الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر سنة 1798 من الميلاد، جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر ومصر خاضعة للحكم العثماني، وقاوم المصريون هذا الغزو الفرنسي، وقاوم معهم الحاميةُ العثمانية التي كانت موجودة في مصر، وكان في هذه الحامية ضابط ألباني اسمه محمد علي.

بعد جلاء الفرنسيين عن مصر وفَشَل حَمْلَتِهم طلب علماء الأزهر الذين كانوا يقودون المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين من الباب العالي -أو الخليفة العثماني- أن يولي هذا الضابط الألباني محمد علي واليًا على مصر، ومن هُنا بدأت مصر تدخلُ مرحلة جديدة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والأدبية.

إذا كان الاستبداد السياسي والجهل والفقر والعزلة عن العالم هي العوامل التي أدت إلى تخلف الأدب والنقد تخلفًا شديدًا أثناء الحكم العثماني، فإن هذه العوامل بدأت تتغير بعد الحملة الفرنسية، وبعد أن تنبه المصريون إلى حقهم في الحياة، ونما عندهم إحساسهم بأنفسهم، وأنهم يستطيعون أن يكون لهم رأي فيمن يحكمهم، فطلبوا من الخليفة العثماني أن يولي عليهم محمد علي حاكمًا.

وبدأ محمد علي يضع أسس الدولة الحديث؛ لأنه كان يطمح في أن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية، يجعلها خاصة به وبأبنائه من بعده، كان الرجل طامحًا، وكان صاحب همة، وأخذ يضع اللبنات الأولى التي يمكن أن تحقق له حلمه وطموحه.

إذن؛ تغيرت عوامل التخلف السياسي والثقافي والأدبي، وبدأت مصر تدخل عصرًا جديدًا، هو ما يُسمى بالعصر الحديث وهذه بدايته؛ لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر بمثابة الحدث الكبير، الذي هز مصر هزًّا عنيفًا؛ فتحَرّك الساكِنُ وتَنَبّه الغَافِلُ، ووجد المصريون أنفسهم في حالة من التأخر والجمود؛ فتَحرّكوا ليغيروا هذه الحالة، وبدءوا يستفيدون من طموح محمد علي، ورغبته في تكوين جيش قوي، وإرساء دعائم لنهضة اقتصادية وثقافية وعلمية.

من هنا بدأت عوامل النهضة الأدبية الحديثة تأخذ في التحرك والتطور والتعدد؛ لتثمر في نهاية الأمر النهضة الأدبية الفتية، التي نمت وتشعبت وأنتجت عددًا كبيرًا من الأدباء والشعراء والنقاد، وأسفرت عن اتجاهات متعددة، ومدارس متنوعة في الأدب والنقد، ومِن هذه النهضة التي بدأت في مصر أفاد الأدب والنقد في بقية الأقطار العربية.

مراحل تطور النقد الأدبي في العصر الحديث:

ولقد مَرّ النقد الأدبي في العصر الحديث بعدة مراحل تتساوق وتتناسب مع تطور الحياة الأدبية والثقافية:

المرحلة الأولى: تُسمى مرحلة البعث والإحياء؛ لأن الأدباء والنقاد الذين أتاحت لهم العوامل الجديدة أن يضعوا أقدامهم على طريق النهضة، لم يكن لهم بُدّ من أن يولوا وجوههم نحو التراث القديم؛ ليحيوه ويبعثوه ويبنوا عليه، فالمَرحلة الأولى من مراحل النهضة الأدبية والنقدية تسمى مرحلة البعث والإحياء.

وبعد أن أُعيد للمواهب الأدبية شيء من الحياة عن طريق تمثل النماذج القديمة التي توارثها العرب عن العصور الزاهية والزاهرة للأدب والنقد، بدأت مرحلة التجديد في الأدب والنقد كذلك، وكان للأدباء والنقاد والمثقفين الذين حصلوا على قدر من الثقافة الأوربية، كان لهم دور الريادة في هذا الاتجاه التجديدي، فقد جمع هؤلاء بين النظرية العربية في الأدب ونقده والنظرية الغربية، وحاول كثير منهم المزج بين النظريتين والطريقتين، فكان من ثمرة ذلك أن دخلت أفكار جديدة، ونظريات جديدة ومذاهب جديدة، ورؤى وأفكار، أضيفت إلى الأفكار التراثية العربية التي أحياها الجيل الأول، جيل مدرسة الإحياء والبعث.

وتفرع المُجددون وتشعبت مسالكهم؛ ليظهر في الساحة الأدبية أكثر من اتجاه تجديدي، فعندنا مثلًا: “مدرسة الجيل الجديد” في مصر والتي يمثلها العقاد، وشكري، والمازني، وكان الثلاثة شعراء أدباء نقادًا.

وعندنا “مدرسة المهجر” التي يمثلها شعراء المهجر وأدباؤه ونقاده، من أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي وغيرهم.

وعندنا شعراء ونقاد “مدرسة أبوللو” التي يمثلها أحمد زكي أبو شادي، ومن نقاد هذه المدرسة سيد قطب، والسحرتي، وغيرهما.

وعندنا بعد ذلك ما بعد أبوللو من النقاد والشعراء والأدباء، إلى أن نجد تأثرًا كبيرًا في الحياة الأدبية والنقدية بمذاهب غربية، نُقلت أفكارها إلى البيئة العربية كالمذهب الرمزي، والمذهب الواقعي، والمذهب السريالي، وهكذا وجدنا الحياة الأدبية والنقدية تنمو نموًّا مطردًا مع زيادة العوامل التي أدت إلى هذه النهضة في جوانبها المختلفة.

وإذا كان هذا التجديد وتنوعاته واختلافاته شيئًا عظيمًا ومفيدًا؛ فإن هذا لا يُقَلّل أبدًا من دور الإحياء والبعث؛ لأن ما قام به أدباء البعث والإحياء ونقاد البعث والإحياء، يمثل الأرض التي بنى عليها المجددون، ويمثل الانطلاقة التي بدأت منها النهضة الأدبية الحديثة، ولا يُمكن لدارس الأدب والنقد أن يغفل الدور العظيم والمهم الذي قام به أدباء البعث والإحياء، ونقاد هذه الفترة من مثل الشيخ حسين المرصفي، والشيخ محمد عبده، ومحمود سامي البارودي.

ومن قبل هؤلاء ومعهم علي مبارك، ورفاعة الطهطاوي، وأديب إسحاق، وأحمد فارس الشدياق. كلهم كان صاحب دور في فتر البعث والإحياء، وتلمس الطريق للقيام بالنهضة الأدبية الحديث.

وأهم ملمح يميز النقد الأدبي في بداية النهضة هو رجوع النقاد الذين ظهروا في هذه الفترة إلى منابع النقد القديم وإلى طرائقه؛ إذ أخذوا يقدمون نماذج من هذا النقد، ويشرحونها ويفسرونها، ويبنون عليها، ويوجهون على هديها.

وخير من يمثل نقاد هذه الفترة، وهذا المنهج الشيخ “حسين المرصفي”، هذا الشيخ الذي كان له أثر كبير في توجيه رائد النهضة الشعرية الحديثة “محمود سامي البارودي”؛ لأنّ الشيخ المرصفي كان أستاذًا للبارودي، يدرس له علوم اللغة العربية، واكتشف موهبة البارودي الشعرية؛ فشجعه ووجهه، وكان “المرصفي” يُدَرّس في الأزهر، ودرس في مدرسة دار العلوم، وترك لنا كتابًا في النقد يمثل هذه المرحلة وطريقتها، هو كتاب (الوسيلة الأدبية)، وعلى هذا الكتاب تتلمذ عددٌ كبير من رواد النهضة الشعرية الحديثة، هؤلاء الرواد الذين قام مذهبهم على محاكاة الأدب العربي القديم.

وقد ضمن المرصفي كتابه هذا فصولًا كاملة من كتب النقد الأدبي القديم، ورجع في حديثه عن الأدب والإبداع إلى ما كتبه النقاد القدامى، كابن الأثير في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر)، كما رجع المرصفي إلى القاضي أبي بكر الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن)، ورجع أيضًا إلى ابن خلدون في ما كتبه عن صناعة الشعر ووجه تعلمه، وهذا بالضبط هو صميم ما يُسمى بالإحياء؛ فالمرصفي يحيي نظريات النقد القديم وطرائقه في هذا الكتاب (الوسيلة الأدبية).

وقد أراد المرصفي بهذا الكتاب -كما يظهر من عنوانه- أن يدل شداة الأدب على الوسيلة التي تثقل مواهبهم، وتنمي ثقافتهم، وتضع أقدامهم على الطريق الصحيح للإبداع، وكان هذا الطريق في تصوره هو طريق القدماء.

ومن نماذج ما ورد في كتاب (الوسيلة الأدبية) دالًّا على طريقة المرصفي ما نقله عن ابن الأثير في قوله: “إن هناك طريقتين في كيفية تعلم صناعة الإنشاء؛ إحداهما: أن يحفظ القرآن ويفهم معناه، وجملة من الأحاديث والآثار والأشعار، مع تحصيل ما يلزم تحصيله من الفنون السابقة، التي أشار إليها، مثل: النحو، والصرف، وعلوم البلاغة، ثم يجتهد في الإنشاء على نحو أساليب الكلام الذي حفظه؛ فتارة يصيب وتارة يخطئ، حتى يُحكم لنفسه طريقة”.

ويذكر الطريقة الثانية وهي: أن يزيد على ما تقدم الاطلاع على منشئات من تقدمه، وحِفظ الكثير منها، أي: النصوص الأدبية القديمة السابقة، واستعمال الفكر في انتقاد تراثها، واختيار ما اختير في ابتداءاتها وانتهاءاتها، ثم يأتي بما قدر عليه من اتباع أو اختراع.

إذًا المنهج الذي يسير عليه المرصفي هو منهج الاتباع، وهو المنهج الذي يرسمه أيضًا للأدباء الناشئين هو منهج الاتباع، ومحاكاة النماذج القديمة، ولذلك من الوصايا التي يرى المرصفي أنّ طالب صناعة الإنشاء -وطالب صناعة الإنشاء هنا المراد به الأديب- الذي يرد أن يكون شاعرًا أو كاتبًا يوصيه فيقول: “لا بد أن يحفظ كثيرًا من الأمثال العربية، وغيرها من الأقوال الصادرة عن الحكماء؛ فإنها خزائن الحكم، ومستودعات المعاني، ومنها يعرف حسن الإيجاز، وبراعة العبارات”.

ويُقَدّم المرصفي زادًا وفيرًا من الثقافة الأدبية اللازمة للمبدع؛ فيذكر فيما يقرب من تسعين صفحة أمثالًا، ويَشرحها ويذكر مضاربها، ثم ينتقل إلى (ديوان الحماسة) موصيًا من يُريد تعلم صناعة الإنشاء أنْ يحفظ أشعاره التي اختارها المرصفي من أبواب الحماسة، ويطلب من المتأدب -الذي يريد أن يكون أديبًا- بعد أن يحفظ هذه الأشعار أن يشرحها نثرًا؛ لكي يدرب نفسه على ممارسة الكتابة، ولكي تنطبع في ذهنه صورة هذه الأساليب ومعاني هذا الشعر.

وحينما يتحدث عن نقد الشعر، يلجأ إلى كتاب (الصناعتين) لأبي هلال العسكري، ويلخص أبواب هذا الكتاب، ويدعو الأدباء والشعراء والنقاد إلى أن يتعلموا مما ورد فيه؛ لأن هذا الكتاب -في رأيه- يدل على جيد الشعر ورديئه، ويَدُلّ على المقاييس التي تساعد على تمييز الجيد والرديء من الشعر، وهي بالتأكيد عملية النقد.

وقد شهدت هذه الفترة فترة بداية النهضة الأدبية والنقدية، تعريفًا للشعر وتعريفًا للنثر؛ وآراء في ما يجب على الأدباء أن يأخذوا أنفسهم به، وتتضمن ذلك أخذًا من القدماء وردًّا عليهم أحيانًا؛ فالمرصفي مثلًا لا يقبلُ تعريف القدماء للشعر؛ بأنه الكلام الموزون المقفى، ويَرى أنّ هذا التعريف غير وافٍ.

ويقول: لا بد من تعريف يعطينا حقيقته -حقيقة الشعر- ويذهب إلى أن الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به. وهذا تعريف يتجاوز الشكل الخارجي للشعر المعتبر في الوزن والقافية، ويتعمق في فهم حقيقة الشعر من جهة بنائه على الاستعارة والأوصاف، وكونه يجري على أساليب مخصوصة، وطرائق معينة، هذه الأساليب هي التي صار عليها الشعراء العرب في عصور الازدهار.

والدارسون لتراث المرصفي والمصادر التي أخذ منها يردون هذا التعريف إلى ابن خلدون؛ ويبدو أن المرصفي نقل تعريف ابن خلدون للشعر، فتعريف ابن خلدون للشعر هو ما قاله المرصفي. وهذا يدل على أن المرصفي لم يكن يرضى بكل ما قيل في التراث القديم، وإنما كان يفضل ويختار، وهذا يدل على أن الرجل كان له ذوقًا عاليًا وبصرًا ثاقبًا، ومن هنا كان المرصفي وكتابه (الوسيلة الأدبية) معلمًا مهمًّا جدًّا في بدايات نهضة النقد الأدبي في العصر الحديث.

وكما أراد المرصفي تعريف الشعر وبيان الرأي في قضاياه، تعرض أديب إسحاق للنثر ونظر فيما كان يجري عليه أسلوب النثر من التزام السجع، وتكلف البديع، وذهب إلى تعريف النثر بأنه: الكلام المطلق المرسل عفو القريحة، بلا كلفة ولا صنعة، إلا ما يكون من وضع الكلام في مواضعه؛ وإيثار ما يألفه السمع والطبع.

ويتحدث أديب إسحاق عن السجع فيصفه بأنه كلام مقفى على حد الأرجوزة من الشعر، إلا أنه غير موزون، وهو -أي: السجع- وإن حَسُن في بعض الأماكن؛ كصدور الخُطب، ومقاطع الكلام، بما فيه تناسب الألفاظ وتماثل الفواصل التي يحسن وقعها في الأسماع؛ إلا أنه في الجملة دون المرسل البليغ بهجة وصفاء، وموافقة لمقتضى الحال، لقيد الكاتب فيه بلفظ لا بد منه أو من أخيه؛ فلا ينبغي استعماله في بيان الحقائق العلمية، ولا في إيضاح الأصول الأدبية، ولا في غير ذلك من مواضع النقد والسرد، إلا إذا جاء عفوًا غير مقصود بالذات.

فأديب إسحاق الذي توفي عام 1885 يرى أنّ تَكلف السجع والبديع شيء لا ينبغي في النثر.

وكان أديب إسحاق في هذا المذهب متأثرًا بابن خلدون الذي كان يرى أن الترسل هو إطلاقُ الكلام، وإرساله من غير تسجيع إلا في النادر، وحيث ترسله الملكة إرسالًا من غير تكلف له، ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال؛ فإنّ المقامات مختلفة، ولكل مقام أسلوب يخصه من إطناب أو إيجاز، أو حذف أو إثبات، أو تصريح أو إشارة، أو كناية أو استعارة.

ويرى ابن خلدون أنّ الدافع الذي جعل الأدباء يكثرون من السجع هو: استيلاء العجمة على ألسنتهم، وقصورهم عن إعطاء الكلام حقه من مطابقته لمقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل، وأولعوا بهذا السجع؛ يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود، ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع.

وإذا لاحظنا أن أديب إسحاق والمرصفي كانا متعاصرين، وأنهما رجعا إلى ابن خلدون وغير ابن خلدون من مصادر النقد القديم؛ عرفنا أنّ الإحياء والبعث في حقيقته كانا محاولة لإرشاد الأدباء في بداية النهضة إلى أن ينسجوا على منوال الأدب العربي القديم.

error: النص محمي !!