Top
Image Alt

بديع الزمان الهمذاني

  /  بديع الزمان الهمذاني

بديع الزمان الهمذاني

من الكتاب الكبار الذين ظهروا في العصر العباسي: بديع الزمان الهمذاني:

وقد ترجم له صاحب (يتيمة الدهر) الثعالبي، فقال:

هو أحمد بن الحسين بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وفرد الدهر، وغرة العصر، ومن لم يُلق نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ومن لم يُدرك قرينه في ظرف النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يروَ أن أحدًا بلغ مبلغه من لُبّ الأدب وسِره، وجاء بمثل إعجازه وسحره، فإنه كان صاحبَ عجائب وبدائع وغرائب.

ويذكرون أن الرجل كان شديدَ الحفظ قوي الذكاء، لدرجة أنه كان إذا سمع القصيدة الطويلة مرةً واحدة حفِظها من أولها إلى آخرها، ولم ينسَ منها حرفًا ولا لفظة. ويذكرون أنه كان يكتب الرسالة من إنشائه فيزينها بقصيدة من شعره، وكان ذا قدرة عجيبةٍ على الشعر وعلى النثر معًا. وهو رائد فنّ المقامات؛ ذلك الفن الذي ظهر على يده.

من مقامات بديع الزمان التي تدلك على تمكّن هذا الرجل من اللغة والبيان:

“حدّث عيسى بن هشام، قال: لما قفلتُ من الحج فيمن قفل، ونزلت حلوان مع من نزل، قلت لغلامي: أجد شعري طويلًا، وقد اتسخ بدني قليلًا، فاختر لنا حمامًا ندخله، وحجّامًا نستعمله، وليكن الحمام واسعَ الرقعة، نظيف البقعة، طيب الهواء، معتدلَ الماء، وليكن الحجام خفيفَ اليد، حديد الموسي، نظيف الثياب، قليل الفضول، فخرج مليًّا، وعاد بطيًّا، وقال: قد اخترته كما رسمتَ، فأخذنا إلى الحمام السمت، وأتيناه، فلم نرَ قوامه، لكني دخلته ودخل على إثري رجل، وعمد إلى قطعة طين، فلطخ بها جبيني ووضعها على رأسي، ثم خرج ودخل آخر، فجعل يدلكني دَلْكًا يكد العظام، ويغمزني غَمْزًا يهدّ الأوصال، ويصفر صفيرًا يرش البُزاق، ثم عمد إلى رأسي يغسله وإلى الماء يرسله، وما لبث أن دخل الأول فحيا أخدع الثاني بمضمومة قعقعت أنيابه -أي: ضربه- وقال: يا لكع، ما لك ولهذا الرأس وهو لي؟ ثم عطف الثاني على الأول بمجموعة هتكت حجابه، وقال: بل هذا الرأس حقي وملكي، وفي يدي.

ثم تلاكمَا حتى عييَا وتحاكمَا لما لقيا، فأتيا صاحبَ الحمام، فقال الأول: أنا صاحب هذا؛ لأني لطخت جبينه، ووضعت عليه طينَه، وقال الثاني: بل أنا مالكه؛ لأني دلكت حامله، وغمزت مفاصله، فقال الحمامي: ائتوني بصاحب الرأس أسأله: ألك هذا الرأس أم له، فأتياني وقالَا: لنا عندك شهادة، فتجشم فقمتُ وأتيت شئت أم أبيت، فقال الحمامي: يا رجل، لا تقل غيرَ الصدق، ولا تشهد بغير الحق، وقُلْ لي: هذا الرأسُ لأيهما؟ فقلت: يا عافاك الله، هذا رأسي قد صحبني في الطريق، وطاف معي بالبيت العتيق”.

وتمضي المقامة على هذا النسق الفَكِه، وهذا التعبير البياني الرائع في هذا النسق المسمى بـ”فن المقامة”، الذي كان هذا الكاتب الهمذاني رائدَه.

error: النص محمي !!