Top
Image Alt

بعد منهج الفلاسفة عن توحيد الرسل

  /  بعد منهج الفلاسفة عن توحيد الرسل

بعد منهج الفلاسفة عن توحيد الرسل

إن الموضوع الذي تعالجه الفلسفة قد يكون هو الموضوع ذاته في كثير من الجوانب الذي يعالجه الدين، وقد ضربت مثالًا على ذلك بمسائل الإلهيات، والفلاسفة يزعمون أن مباحثهم تهدف إلى معرفة أصل الوجود، وغايته، ومعرفة السبيل الذي يحقق السعادة الإنسانية عاجلًا أو آجلًا، وهذان هما موضوع علم الفلسفة بقسميها العلمي والعملي، وهما كذلك موضوع علم الدين.

أقول: على الرغم من ذلك، فإن الاختلاف بين الدين والفلسفة اختلاف كبير، فهما يختلفان في المصادر والمنابع، وفي المنهج والسبيل، وفي قوة التأثير والسيطرة، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال، وفي آثار كل منهما.

وسأحاول -إن شاء تبارك وتعالى- أن أبيِّن ذلك كله حتى يزول الخلط بين الدين وبين الفلسفة.

الأمر الأول الذي أبيِّن به بُعد منهج الفلاسفة عن توحيد المرسلين هو: “المصادر والمنابع” أعني بذلك ما هو مصدر الفلسفة، وما هو مصدر الدين؟

الفلسفة في كل صورها عمل إنساني، يتحكم فيه كل ما في طبيعة الإنسان من قيود وحدود، وتدرج بطيء في الوصول إلى المجهول، وقابليةٍ للتغير والتحول، وتقلُّبٍ بين الهدى والضلال، واقتراب أو ابتعاد عن درجة الكمال؛ ولذا فإن الفلسفة لم يستطيعوا أن يتخلصوا من التأثر بالبيئة، فكانت تصوراتهم ومعتقداتهم فيها صدًى كبير لما يحيط بهم.

ولنأخذ على ذلك مثلًا “أفلاطون” فإننا إذا درسنا نتاجه رأيناه يردد الأساطير التي سادت في عصره، بل إنه ينشأ الأسطورة، ويضمّنها أفكاره ومعتقداته، بل إن كثيرًا من معتقداته وآرائه هي أساطير في ذاتها، اسمع ما يقوله العقاد في أفلاطون، يقول العقاد: “غلبت البيئة الوثنية أفلاطون على تفكيره بحكم العادة وتواتُر المحسوسات، فأدخل في عقيدته أربابًا، وأنصافَ أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد”.

ثم يعرض العقاد نظرية أفلاطون في الوجود تدليلًا على ما يقول فيقول: “فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من المادة الأولية، وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من المادة الأولية، وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب وبعضها أنصاف أربابٍ، وبعضها نفوس بشرية”.

والسبب الذي من أجله ارتضى أفلاطون وجودَ تلك الأرباب المتوسطة -كما يقول العقاد-: أنه أراد أن يعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم؛ فإن العقل المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولت الخلق لتوسطها بين الإله القادر، والمادة الأولية العاجزة، فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين.

ومن المعروف أيضًا، أن أفلاطون يؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح، هذه هي الفلسفة في مصادرها، أما العقيدة الإسلامية، فهي وحي من الله، له كل ما للإلهيات من ثبات الحق الذي لا تبديل لكلماته، وصرامة الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ثم هي فوق ذلك منحة كريمة تصل إلى حامليها وسفرائها عفوًا بلا كدح ولا نصب، وتغمرهم بنورها في فترات خاطفة كلمح البصر أو هو أقرب.

الأمر الثاني الذي أبيِّن به بُعد منهج الفلاسفة عن توحيد المرسلين هو: “الاختلاف في المنهج والسبيل” يختلف المنهج الفلسفي عن المنهج الإسلامي في خط سير كل منهما بدايةً ونهايةً؛ فالفلاسفة كثير منهم يبدءون بدراسة النفس الإنسانية، ويجعلونها الأصل الذي يبنون عليه ويفرِّعون عنه، فتكلموا في إدراكهم للعلم، وأنه تارة يكون بالحس، وتارة بالعقل وتارة بهما، وجعلوا العلوم الحسية والبدهية، ونحوها هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها، ثم زعموا أنهم إنما يدركون ذلك بالأمور القريبة منهم، وجعلوا -لا شك- كثيرًا من هذه الأمور الحسية أصولًا يبنون عليها سائر العلوم، وكثير من هؤلاء لا يجعلون الأخلاق كالعدل، والعفة من الأصول، بل من الفروع التي تفتقر إلى الدين.

وكثير من المصنفين في الفلسفة يبتدئ بالمنطق، ثم الطبيعي والرياضي، ثم ينتقل إلى العلم الإلهي، وتجد المصنفين في الكلام يبدءون بمقدماته في الكلام في النظر والعلم والدليل، وهو من جنس المنطق، ثم ينتقلون إلى حدوث العالم، وإثبات مُحدِثه، ومنهم من ينتقل من تقسيم المعلومات إلى الموجود، والمعدوم وأقسامه، كما يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهي، وغالبية الفلاسفة يتوسعون في الأمور الطبَعِيَّة، ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها، ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب الوجود، وإلى العقول والنفوس، ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداءً من جهة أن الوجود لا بد فيه من واجد، وأما الغاية التي يرمي إليها المتكلمون الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام، والنظر هي إثبات وحدانية الخالق، وأنه لا شريك له، ويظنون أن هذا هو المراد بـ”لا إله إلا الله”.

أود هنا أن أشير إلى أن هذا هو المنهج الفلسفي الكلامي، وهذا هو المبدأ والمنهج، والسبيل الذي سلكه الفلاسفة، أما المنهج القرآني، فإنه يجعل فاتحة دعوته، ودعوة الرسل جميعًا هي الدعوة إلى عبادة الله وحده؛ اقتفاءً واقتداءً بقول الحق -تبارك وتعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 25].

وأصل العلم في المنهج القرآني، هو العلم بالله -تبارك وتعالى، لا بالحس ولا بالبدهيات، كما يذهب إلى ذلك الفلاسفة، ومن تبعهم من علماء الكلام؛ فالله سبحانه وتعالى هو الأول الذي خلق الكائنات، وهو الآخر الذي تصير إليه الحادثات، وهو الأصل الجامع، والعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكرُه أصل كل ذكر وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه، ومن العلم بالله تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك به سبحانه قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان الوثيق، فالعلم بالله -تبارك وتعالى- أعظم سبيل لمعرفة الله ومعرفة الحياة والأشياء ومعرفة النفس الإنسانية.

يقول ابن أبي حاتم -رحمه الله-: “عرفنا كل شيء بالله”. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: بمَ عرفت ربك؟ قال: “مَن طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، ظاعنًا في الاعوجاج زائغًا –يعني باعدًا في الاعوجاج- عن الحق مائلًا عن المنهاج.

ومن هنا، ابتدأ الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه (الصحيح) بأصل العلم والإيمان عندما قال: باب بدء نزول الوحي، فأخبرَ عن صفة نزول العلم، والإيمان على الرسول صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة الله -تبارك وتعالى- على ما جاء به، فرتَّبه الترتيب الحقيقي الذي يدل على علمه وحكمته رحمه الله -تبارك وتعالى.

وهذا كلام صحيح سليم يتفق مع المنهج القرآني، ومع ما جاء وبُعث به النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، والله -تبارك وتعالى- عندما يبعث الناس لن يسألهم عن العلوم الحسية والبدهية، أو عن المنطق أو الطبيعة، بل سيسألهم سبحانه وتعالى عن مدى استجابتهم للرسل أو عدمها، قال الله عز وجل في كتابه: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِير * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير}[ [الملك: 8- 11]. والحجة لا تقوم على الناس إلا ببعثة الأنبياء والمرسلين، قال رب العالمين: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15].

وكما أن الدعوة إلى عبادة الله هي نقطة البداية في المنهاج القرآني، وأن معرفة الله هي الأصل الذي تتفرع منه العلوم؛ فإن نقطة النهاية أيضًا هي عبادة الله -تبارك وتعالى- المتضمنة لمعرفته وتوحيده، أما مجرد الإقرار بوحدانية الخالق وإفراد الصانع التي هي نهاية مطلوب علماء الكلام، وبعض الفلاسفة فإنها جزئية في المنهج القرآني، لا يكفي مجرد الإقرار بها؛ ولذا لم تنفع المشركين الذين حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم.

والفلاسفة الذين بحثوا في العقول والنفوس تخبطوا كثيرًا في هذا المجال، وحسبنا دليل على ذلك أن التقدم العلمي الهائل في هذا العصر لم يكشف لنا حقيقة النفس الإنسانية، ولقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا؛ لكي يَعرف نفسه، ولكنه على الرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء، والفلاسفة والشعراء، وكبار الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكوَّن من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة، ونحن لا نعرف شيئًا عن الروح التي فينا، فكيف نشتغل بالبحث فيما وراء ذلك من العقول والنفوس!!! ومسائل أخرى بحثها الفلاسفة.

الأمر الثالث الذي يبيِّن بُعد منهج الفلاسفة عن الدين هو: “الاختلاف في قوة التأثير” العقيدة تمتاز بسلطان قوي قاهر على نفوس معتنقيها، وليس للفلسفة أن تطمح في نيل هذه الميزة، وإلا لجاوزت قدرها وتناقضت في نفسها، والسبب في ذلك أن الفلسفة تبحث عن المعرفة والحقيقة بقدر الطاقة، ثم تعرض ما تظفر به في جوانب من تلك الحقيقة، والفيلسوف هو أول من يعرف قصور العقل البشري، وقصور كل ما هو إنساني عن درجة الكمال.

أما صاحب العقيدة فإنه يرى أن عقيدته التي يحملها مستمدة من العالم بسر الوجود الذي أحاط بكل شيء علمًا، فهي تمثل الحقيقة بلا غَبَش، فهي بطبيعتها ملزمة تتقاضى صاحبها الخضوع والتسليم، ولا تقبل منه في حكمها جدالًا ولا مناقضة، بل لا تبيح له في نفسها بحثًا ولا ترديدًا، فإن فعل ذلك في مسألة ما كان في هذه المسألة بعينها متفلسفًا غير متدين؛ حتى يستقر فيها على رأي معين، ويدين ربه سبحانه وتعالى به، وهناك لا يُقبل مساومة، ولا يستطيع للإنسان أن يدخل شيئًا على الدين لم يأتِ به النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

إن الفلسفة في الحقيقة لا تؤثر في نفس الإنسان كما يؤثر الدين؛ لأن الفلسفة هي صناعة بشرية، أما الدين فهو من عند رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، غاية الفلسفة المعرفة، أما غاية الدين فهو الإيمان، مطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسم في صورة جامدة لا يمكن أن يكون لها أدنى تأثير، أما مطلب الدين، فهو روح وثّابة وقوة محرِّكة.

ولذلك لاحظ الدكتور محمد عبد الله دراز -رحمه الله تبارك وتعالى- أن الفلسفة تعمل في جانب واحد فقط من جوانب النفس، بينما الدين يستحوذ على النفس بجملتها، وأن الفلسفة ملاحظة وتحليل وتركيب، فهي صناعة تَقطَع أوصال الحقيقة وتزهق روحها، ثم تؤلف بينها لتعرضها من جديد في نسق صناعي على مرآة الفطنة، فتنطبع على سطح النفس قشرة يابسة.

أما الدين فهو روح، يحمل الحقيقة جملة، فيعبُر بها القشرة السطحية؛ لينفذ منها إلى أعماق القلوب وأغوارها، فيصلحها ويسعدها، والعقيدة الدينية أو الدين الإسلامي يتدفق في الميدان الاجتماعي، ويهز صاحبه لتحقيق أهداف يسعى إليها الإسلام من الخير، والتكافل الاجتماعي وغير ذلك، أما الفلسفة فلا يعنيها شيء من ذلك بحال من الأحوال.

الأمر الرابع الذي أبين به بُعد منهج الفلاسفة عن توحيد المرسلين هو: “الاختلاف في طريقة الاستدلال” وهذه مسألة مهمة جدًّا، القرآن الكريم في استدلالاته يتميز بالوضوح والسهولة واليسر؛ لأنه جاء من عند الله -تبارك وتعالى، والله عز وجل يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر} [القمر: 17] أما الفلسفة فلا تعرف شيئًا من ذلك.

وأود هنا أن أبيِّن فروقًا جوهرية في طريقة الاستدلال بين الفلسفة وبين الدين، وذلك في النقاط التالية:

أ. استدل القرآن الكريم بالآيات الكونية على وحدانية الخالق: وكذلك استدل الفلاسفة والمتكلمون، ولكن طريقة القرآن هنا مخالفة للطريقة الفلسفية الكلامية؛ فالقرآن يستدل بنفس الآيات التي يستلزم العلم بها العلم بصانعها، كاستلزام العلم بشعاع الشمس، العلم بالشمس من غير احتياج إلى إقامة الأقيسة التي أقامها المتكلمون للاستدلال على حدوث العالم، فالعلم بكون هذه العوامل مخلوقة مربوبة أمر فطري، لا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان، فالإنسان يعلم بفطرته أن هذا الكون الذي يراه فقيرًا إلى الخالق مقهورًا مربوبًا، وهذا لا يحتاج إلى الأقيسة التي أقامها الفلاسفة كي نعلم بها حدوث العالم، هذا فرق جوهري في جانب الاستدلال بالآيات المشهودة.

ب. في طريقة الاستدلال بالأدلة العقلية: الأدلة العقلية التي جاء القرآن الكريم بها تليق بجلال الله وكماله، فلم يستعمل القرآن الكريم فيها قياس الشمول أو قياس التمثيل، التي تستوي أفراده في حق الله تعالى؛ لأنه يلزم منهما –أعني: من قياس الشمول وقياس التمثيل- تسوية الخالق بالمخلوق، وإنما القرآن الكريم استعمل في حق الله -تبارك وتعالى- قياس الأولى الذي مضمونه أن كل كمال وجودي غير مستلزم للعدم ولا للنقص بوجه من الوجوه، اتصف به المخلوق، فالخالق أولى أن يتصف به؛ لأنه هو الذي وهب المخلوق ذلك الكمال، ولأنه لو لم يتصف بذلك الكمال مع إمكان أن يتصف به لكان في الممكنات من هو أكمل منه، وهذا محال، قال رب العالمين سبحانه: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] وكل نقص ينزَّه عنه المخلوق فالخالق -تبارك وتعالى- أولى بالتنزه عنه.

ج. ونلاحظ أيضًا أن الأدلة العقلية القرآنية تدل على الحق بأبلغ عبارة وأوجزها، أما الأدلة العقلية الكلامية والفلسفية، فكثير منها لا ينهض للاستدلال به، وضَعْف الدليل الذي يستدل به على الحق يؤدي إلى كثرة الشك والاضطراب والحيرة، بل قد يؤدي إلى ردِّ الحق؛ إذ يسهل على الخصم بيان عوار الدليل، فإذا رده ردَّ الحقَ مع أن الحق قوي في ذاته، والضعف إنما هو في الدليل الموصِّل إليه؛ لأجل ذلك نجد أن أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وبنقيضه في موضع آخر.

ونلاحظ أيضًا أن بعض أدلة المتكلمين يلزم منها لوازم باطلة؛ إذ يلزم من بعضها رد الحق الثابت في الكتاب والسنة، إذًا طريقة الاستدلال مختلفة بين الفلاسفة، وبين أهل الدين الحق.

الأمر الخامس والأخير الذي يبيِّن بُعد منهج الفلاسفة عن التوحيد: هو في “الجني والعطاء” القرآن الكريم في الحقيقة عندما يحدثنا يعطينا إيمانًا مُفصلًا، كما قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه: “تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا”.

فالقرآن الكريم يصف الله تبارك وتعالى، ويبين أن له وجهًا ويدًا، وسمعًا وبصرًا، أما طريقة المتكلمين، فإن غاية ما عندهم إيمان مجمل لا يعطي علمًا وافيًا ولا تصورًا واضحًا.

ولذلك أقول: لا لقاء بين الدين والفلسفة؛ فهما منهجان مختلفان في البداية والنهاية، والطريقة والأسلوب، وفي التأثير والعطاء، وقبل ذلك كله في المنابع والمصادر.

error: النص محمي !!