Top
Image Alt

بعض أحكام السلم، وأثره في المعاملات المعاصرة

  /  بعض أحكام السلم، وأثره في المعاملات المعاصرة

بعض أحكام السلم، وأثره في المعاملات المعاصرة

من أحكام السلم:                           

أنه لا يصح عند جمهور الفقهاء بيع المسلم فيه لِمَن هو عليه أو غيره قبل قبضه، يعني: لا يجوز أن يبيع المسلم المسلم فيه لمن هو عليه أو غيره قبل أن يقبضه ويتسلمه؛ لأنه قد يكون فيه حق توفية في الطعام، كما هو الحال عند الإمام مالك؛ ولأن الإمامين أبا حنيفة والشافعي، لا يجيزان السلمَ في العقارات والأعيان، وهي التي يجوز التصرف فيها قبل قبضها.

ومن أحكام السلم أيضًا:

أنه لا تجوز الحوالة بدين السلم، يعني: لا يجوز للمسلم إليه أن يحيل على هذا الدين؛ لأن الحوالة لا تكون إلا على دين مستقر، ودين السلم قابل للفسخ؛ لأنه قد يعجز المسلم إليه عن التسليم في الوقت المناسب، فيُفسخ العقد، فالحوالة على هذا الدين لا تجوز.

ومن أحكام السلم أيضًا:

أنه لا يجوز أخذ بديل عن المسلم فيه، يعني: هو أسلم في قمح مصري، فلا يجوز أن يأخذ بدلًا منه قمحًا روسيًّا مثلًا، أو أسلم في قمح، لا يجوز أن يأخذ بدلًا منه أرزًا؛ لنهي النبي صلى الله عليه  وسلم عن ذلك، حيث قال: ((مَن أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره))، رواه أبو داود وغيره.

ولعل الحكمة في نهي النبي صلى الله عليه  وسلم عن ذلك، أنه يريد استقرارَ المعاملات، ولأنه قد ينشأ نزاع إذا أجزنا البدل، فقد يكون ثمن أحدهما مخالفًا لثمن الآخر، فيحدث الخلاف.

ومن أحكام السلم أيضًا:

أخذ الكفيل عن المسلم إليه، يعني: يطلب المسلم كفيلًا بالمال الذي سيدفعه للمسلم إليه، أجاز الجمهور هذا؛ لأن الكفيل من باب التوثيق، وكرهه الإمام أحمد.

ومن أحكام السلم أيضًا: 

جواز أخذ الرهن، أجازه الجمهور ورفضه الحنابلة، إجازةُ الجمهور له منطقية؛ لأنهم أجازوا الكفيل والكفالة والرهنَ، فما هما إلا من باب التوثيق، والحنابلة كانوا منطقيين أيضًا؛ لأنهم رفضوا الكفيل، فكان من المنطقي أن يرفضوا الرهن أيضًا.

ومن أحكام السلم أيضًا:

الإقالة في السلم، وذلك إذا قال المشتري للبائع: أقلني ننهي هذه المعاملة، وأنظرك في الثمن -أؤجل لك الثمن.

قال مالك: إن هذا غير جائز؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى دخول الربا والاحتيال عليه، وهذا من باب سد الذرائع.

وجمهور العلماء، من الحنفية والشافعية والحنابلة: أجازوا الإقالةَ في السلم، واعتبروا ذلك من باب الإحسان والمعروف؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم حَثَّ على قبول الإقالة واعتبرها كأنها إقالة من العثرة، والمسلم ينبغي أن يقيل آخاه من عثرته، فقد يعقد الإنسان عقدًا ثم يندم بعد ذلك عليه، فإذا أراد أن يتراجع فإنه من باب الإحسان والمعروف للطرف الآخر، أن يفسح له المجال لهذا التراجع.

ولأن الصحابة – رضوان الله عليهم- لم يكونوا يسألون أيضًا في الإقالة؛ لأنهم كانوا أصحابَ أخلاقٍ كريمةٍ، وتعلموا من النبي صلى الله عليه  وسلم أن إقالةَ الأخ المسلم، من باب المعروف.

ومن أحكام السلم أيضًا:

عدم اشتراط أن يكون المسلم فيه عند المسلم إليه؛ لأن الصحابة لم يكونوا يسألون المسلم إليهم، هل عندكم المسلم فيه أو لا؟ ففي حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أوفَى: ((أنهم أيام النبي صلى الله عليه  وسلم كانوا يتعاملون مع الأنباط، فيعطونهم مما يخرج لهم من مال -مال العطايا- ويسلفونهم في الزيت والسمن والبضائع المختلفة))، يعطون النبطيين. والأنباط: هم قوم مزارعون مثل الفلاحين والمزارعين، كانوا يأتون المدينة، فيعطيهم الصحابة المال من العطاء الذي يخرج لهم، ويشترون به بضائع من هؤلاء الأنباط، تسلم بعد ذلك؛ فهذا من باب السلم.

سئلوا: هل كنتم تعلمون أن عندهم هذه السلع؟ قال: “ما كنا نسأل”، يعني: يأتون بهذه السلع من عندهم أو يتسوقونها من السوق ولهم الحرية في هذا.

من أحكام السلم أيضًا:

ولقد أصبح له تأثير كبير جدًّا في المعاملات الحديثة، فالسَّلم -الآن- وسيلة عظيمة جدًّا للتمويل، كتمويل أصحاب الحرف، والصنائع، والمزارعين، كما أنه يعتبر بمثابة البديل الجيد عن المعاملات الربوية، مثلًا: إذا احتاج صاحب الأرض الزراعية إلى مبلغ من المال؛ لينفق على على زرعه، فبدلًا من أن يقترض من البنك بالربا، ويدفع فوائدَ كذا وكذا، فمن الممكن أن يدخل السلم، فيأخذ مبلغًا من المال هو ثمن قدر مِن هذا الزرع، يُسلَّم فيما بعد عندما يحصد الزرع، ويكون هذا من باب التيسير.

فالمنتج في الزراعة أو الصناعة إذا احتاج إلى المال للاستهلاك، ينفق على نفسه وعلى أولاده، أو للإنفاق على إنتاج السلعة، يمكنه أن يحصل على المال اللازم مقابل تقديمه قدرًا من السلعة المطلوبة بعد إنتاجها.

وهذا شيء طيب جدًّا، ويحقق ذلك رواجًا في الإنتاج؛ لأنه لم يدفع فوائد ولم شيئًا، فهذا يشجع على كثرة الإنتاج، وعلى رواجه.

وأيضًا يحارب الربا، ويحارب بالتالي التضخم، ويفتح أبوابًا للعمل، ويكون المنتج هو المسلم إليه، وتكون جهة التحويل أو التمويل هي المسلم، وتكون السلعة هي المسلم فيه، وكل اتفاق بين الطرفين هو الصيغة.

كما أن السلم في المعاملات المعاصرة، وسيلة من وسائل التمويل الهامة في المصارف الإسلامية، فالناس يحبون أن يضعوا أموالهم وودائعهم في المصارف الإسلامية، ومن الضروري في المصارف الإسلامية، أن يكون عندها أدوات للإنتاج، وإلا كسدت وعطلت المال، فعليها أن تبحث عن وسائلَ للتمويل، ومن أهم وسائل التمويل التي يمكن أن تستثمرها وأن تستغلها المصارفُ الإسلاميةُ، عقد السلم، وهو أداة جيدة من أدوات التمويل في المصارف الإسلامية، بجانب المشاركة، والمضاربة، والمرابحة للآمر بالشراء، ونحوها من أدوات التمويل.

وليس من اللازم إعطاء المصرف رأس المال نقدًا؛ بل يمكن فتح حساب لهذا المسلم إليه، ويمكن إعطاء المسلم إليه شيكًا يشتري به ما يريد، أو يمكن إعطاء خطاب اعتماد إلى جهة من الجهات، أو أية وسيلة دفع، تكون واجبةَ الدفع والنفاذ في الحال.  ويمكن أخذ الضمانات اللازمة، بل هذا مطلوب، كالرهن، والكفيل على المسلم إليه.

وقد رأينا أن جمهور الفقهاء، يجيزون الرهن، ويجيزون الكفالةَ، حتى لا تضيع أموال المودعين والمساهمين في المصارف الإسلامية، وكما أن السلم يساعد في الإنتاج؛ فإنه يساعد كذلك فى التوزيع، فقد ينتج المنتج سلعًا كثيرةً ومع ذلك يحار بعد إنتاجها، كيف يوزعها؟ فالممول سواء أكان البنك، أو المصرف الإسلامي، أو غيره سيقوم بالتوزيع، فالتوزيع مضمون قبل الإنتاج، وأيضًا هذا الذي يقوم بالتوزيع عنده خبرة في التخزين، فهو يخزن هذه السلع، ويبيعها بالطريقة المفيدة لكل الأطراف بما فيهم المنتج، وبما فيهم الممول، وبما فيهم المستهلك، وبما فيهم أفراد المجتمع ككل.

فمن الممكن جدًّا أن تدخل المصارف، وهي داخلة بالفعل، وبعض أو كثير من المصارف الإسلامية تقوم بهذا الدور النشط الهام.

وإذا نحن تأملنا السلم -أو السلف كما يسميه بعض الفقهاء- وجدنا أنه نوع من أنواع البيوع، ولكن يختلف عن البيع العادي، في أنه بيع شيء موصوف في الذمة، أي: في ذمة أحد أطراف التعاقد، وهو المسلم إليه.

والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، عندما أباحت هذه المعاملة أباحتها لأن الناس عرفوها بفِطرتهم، بدليل أن النبي صلى الله عليه  وسلم عندما هاجر من مكةَ إلى المدينة، وجد أهل المدينة يتعاملون بالسلم، لكن وجدهم يتعاملون بدون ضوابط وعند التسليم تحدث بينهم مخالفات، يقول -مثلًا- المسلم إليه: إن مرضًا من الأمراض قد أكل السلعة أو أتلفها، فيحدث بينهم نزاع أو خلاف، أو يقول: أنت اتفقت على كمية كذا والآخر يقول: لم أتفق، فالنبي صلى الله عليه  وسلم أقر المعاملة، ولكن بين لهم أن هذه المعاملة ينبغي أن تكون منضبطةً، منضبطة في الجنس، ومنضبطة في المقدار، ومنضبطة في الجودة والرداءة، ومنضبطة في العدد إذا كانت شيئًا معدودًا، ومنضبطة بالقياس إذا كانت شيئًا يقاس، والغرض من هذا كله تيسير المعاملة، ومنع النزاع والخلاف بين الأطراف.

والنبي صلى الله عليه  وسلم أوصاهم بالانضباط، فقال: ((مَن أسلف فليسلف في شيء معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم))، وبين لهم أنه من الانضباط أن لا يطلب أحدهم، أن يأخذ ما أسلم فيه من شيء معين محدد، يقول: هذه الشجرة، أو أريد قمحًا من هذا الحقل؛ لأنه لو اشترط هذا قد لا يُثمر هذا الحقل، أو قد لا تثمر هذه الشجرة، ونقع في الغرر، فمنعًا لهذا نفَى تحديد شيء معين، وأيضًا ليس من الضروري أن يكون المسلم فيه عند المسلم إليه، يعني: سواء كان في حقله أو حقل جاره أو يشتريه من أيّ مكان، المهم أنه بعد أخذ الثمن، استقر هذا الثمن في ذمته، واستقر الوعد بإعطاء المسلم إليه في الوقت المحدد، والمكان المحدد بالمواصفات المحددة.

ويُلاحَظ: أن الشريعة الإسلامية عندما أباحت هذه المعاملةَ، كانت تقصد رفع الحرج والتيسير على كل المتعاملين بها؛ لأن أطراف هذا التعاقد في أمس الحاجة إلى إباحة هذا اللون من المعاملة، فالمنتج أو الزارع أو المستثمر، يحتاجون إلى المال أثناء العمل، وقد لا يكون عندهم مال، وأيضًا الذي يعطي المال يستفيد بأنه يشتري الشيءَ رخيصًا، ومثاله: إردب القمح قد يكون عند زمن التسليم الذي يحتاج إليه المسلم، ألفي جنيه، وهو الآن يشتريه بألف جنيه، فيجوز هذا؛ لتحقق الإفادة لكل منهما.

ولاحظنا أيضًا: أن السلم كعقد من العقود له أطراف محددون، فالذي يدفع الثمن -أي: المشتري- نسميه مسلمًا؛ لأنه يسلم الثمن، والذي يأخذ الثمن ويعِدُ بتسليم السلعة نسميه المسلم إليه، يعني: المستسلف، والسلعة هي المسلم فيه، المسلم: هو الثمن نفسه؛ لأن المشتري قد أسلمه فهو مسلم.

ومن المهم أيضًا أن الشريعة الإسلامية عندما أباحت هذه المعاملة، اشترطت تسليم الثمن في مجلس العقد، وسيدخل هنا القبض الحقيقي، والقبض الحكمي، فليس من الضروري أن نسلمه النقود نقدًا، إذ يمكن أن نعطيه شيكًا، أو حوالةً على البنك، أو أيّ وسيلة أخرى تعتبر نقلًا للمال من ذمة المسلم إلى ذمة المسلم إليه.

والمسلم فيه أيضًا، له ضوابطه المحددة، فالأشياء التي لا يمكن ضبط أوصافها، فهذه لا يجوز السلم فيها؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى النزاع والخلاف، كالحيوانات، فلا يجوز عند الحنفية السلم فيها؛ لعدم انضباطها، لكن عند الجمهور يمكن ضبطها، وبالتالي يمكن السلم فيه.

وأيضًا المسلم فيه، من أهم أركان عقد السلم، والخلل فيه قد يؤدي إلى منازعات كثيرة؛ ولذلك حرَص الفقهاء على بيان كل أوصافه بحيث يجلَّى، ولا يكون هناك أدنى مثار للخلاف أو النزاع أو الشقاق في أيّ وصف يختلف به الثمن من سلعة إلى أخرى، أو من حالة إلى حالة، فلا بد من ذكره، ومثاله: إذا كان القطن المصري أغلى من القطن السوداني، يقول: أريد قطنًا مصريًّا، إذا كان القمح الأسترالي أغلى من القمح الروسي، أقول: قمح أسترالي، أريده جيدًا، أريده جديدًا، وهكذا.

ونلاحظ أن الجمهور، كان لهم مواقف طيبة بالنسبة لبعض أحكام السلم، الغرض منها التيسير والتوثيق؛ لأن عقد السلم نظرًا لأن فيه جانبًا يعتبر دَيْنًا، فلا بد أن يوثق؛ فلذلك أجازوا طلب الرهن، فيقدم المسلم إليه رهنًا، وأجازوا الكفيلَ، فمن الممكن أن يطلب المسلم، من المسلم إليه كفيلًا يضمن هذا المبلغ.

والغرض من ذلك هو حفظ أموال الناس.

لكن مثلًا نجد أنهم رفضوا الحوالةَ على دَيْن السلم، وحجتهم قوية في أن هذا الدين غير مستقر، والحوالة تكون على الدين المستقر؛ ولأن السلم معرّض للفسخ والإقالة، فالمسلم إليه قد لا يجد السلعةَ أو يجدها لكن بغير هذه المواصفات، فننتهي إلى الفسخ؛ ولذلك لا تجوز الحوالة على دين السلم.

السلم من المعاملات القديمة الجديدة، يعني: عَرَفها الناس قبل الإسلام وتعاملوا بها، وهي الآن يمكن أن يكون لها تأثيرها القوي إذَا أحسن استثمارها، وأحسنَ العملُ بها، فيمكن أن يقوم بذلك الأفراد.

والناس -الآن- لا يقوم الواحد منهم بإقراض أخيه، فلا داعي للقرض لا الربوي ولا غيره، إذا كان يصعب عليك ذلك، لكن من الممكن أن تمول عن طريق السلم، فيمكن أن تشتري كميةً من السلعة التي ينتجها طالب القرض.

ويمكن عن طريق السلم أيضًا، محاربة البطالة، فبدلًا من أن تشكوا بعض البلاد، من البطالة كمصر على سبيل المثال، فيمكن عن طريق السلم، تمويل بعض الحرفيين والمزارعين والصناع، بأموال أودعها الناس في المصرف عن طريق السلم، فينتج المنتج ويتفق معه الذي أعطاه المال وموَّله إياه على أنه يشتري منه ما ينتجه.

إذن فإن السلم يحارب البطالة، ويفتح أبوابًا للعمل وبيوتًا، ويشجع على الإنتاج، ويحاب الربا، ويحاب أيضًا التضخم، ويزيد هذا الإنتاج، ويجعل الناس متحابين متعاونين، لكن الوقوف عند الوسائل المعروفة -وهي القرض فقط- فيه خطورة كبيرة.

كما أن المنتج يستفيد، حيث إنه وجد طالبًا للسلعة قبل أن ينتجها، وموزعًا لها قبل أن تنتج، ومخزنًا جيدًا لها، فهذا كله يساعد على نمو المجتمع في ظل أحكام الشريعة الإسلامية، وصدَقَ الله العظيم، إذ يقول: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282].

فيا ليت المسلمين يعودون مرةً أخرى إلى هذه العقود، كعقد السلم، فيدرسونه، وليس معنى هذا أنهم يعطون الأموال بلا حسابٍ وبلا ضوابط، فالفقه الإسلامي يضع هذا الضوابطَ؛ حتى لا تضيع أموال المودعين أو الممولين، فأجاز التوثيق عن طريق الرهن، وأجاز التوثيق عن طريق الكفالة.

ومن الممكن تطوير الوسائل التي تعامل بها الفقهاء في القدامَى بدلًا من نقد رأس مال السلم، من الممكن فتح اعتماد أو فتح حساب في البنك أو إعطاء خطاب ضمان، أو ما إلى ذلك من ألوان المساعدة؛ حتى تؤتي هذه المعاملة ثمارها المرجوة إن شاء الله.

error: النص محمي !!