Top
Image Alt

بعض أحوال أهل الآخرة

  /  بعض أحوال أهل الآخرة

بعض أحوال أهل الآخرة

بعض أحوال أهل الآخرة:

الناس يحشرون حُفاة عُراه روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر الناس حفاة عراة غرلًا؟ قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض، قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، الشمس تدنو من رءوس الخلائق))، روى مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه)) أي: وسطه ((ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه)).

أيضًا تشهد الأرض على العبد ما عمله على ظهرها، روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4] قال: ((أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها)) أي: من خير وشر ((تقول عمل كذا وكذا )).

كذلك تشهد الجوارح على ما فعله العبد، روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: ((هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا ربي ألم تجرني من الظلم، يقول الله: بلى، فيقول العبد: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدًا إلا مني، فيقول الله له: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، والكرام الكاتبين شهودًا قال: فيختم على فيه ويقول: لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أناضل))، وهذا ما بينه الله سبحانه في سورة يس حين قال: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65].

ما جاء في ظلمة جهنم وسوادها: روى الترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة)).

ما جاء في أودية جهنم : روى ابن ماجة والترمذي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في جهنم لواديًا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم أربعمائة مرة، أعد للمرائين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم)).

كيف يستفيد الداعية من هذا المنهج، وما السبيل إلى التقوى؟ فحسبنا أن نذكر أهم السبل في إذكائها، وتنميتها، وترسيخها في قلب المؤمن ونفسيته، وتغلغلها في أعماق أحاسيسه ومشاعره، عسى أن ينهج الدعاة نهجها، ويأخذوا بأحسنها.

أولًا: المعاهدة: الأصل فيها قوله تعالى في سورة النحل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] وكيفية المعاهدة أن يخلو المؤمن بنفسه بينه وبين ربه ويقول لها: إنك يا نفسي أعطيتي العهد لله في الوقفات اليومية التي تقفين فيها بين يدي الله سبحانه، وتناجيه بلسان عربي مبين، {بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ}(1) {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ}(2) {الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ}(3) {مَـَلِكِ يَوْمِ الدّينِ}(4) {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5- 7].

أليس يا نفس في هذه المناجاة إقرار منك على ألا تعبدي إلا الله، وألا تستعيني إلا به، وعلى أن تلتزمي طريق الله المستقيم الذي لا يعتريه العوج، ولا الالتواء، ألا وهو طريق الإسلام، وعلى أن تحيدي عن طريق الذين ضلوا وغضب الله عليهم من أهل الملل الأخرى، فإذا كان الأمر كذلك، فحذاري يا نفس أن تخيسي بالعهد بعد أن جعلتي الله عليك رقيبًا، وحذاري أن تتنكبب عن الصراط الذي رسمه الإسلام بعد أن جعلت الله عليكي شهيدًا، وحذاري أن تتبعي سبيل أقوام ضلوا وأضلوا بعد أن جعلتي الله عليك كفيلًا، حذاري يا نفس من الكفر بعد الإيمان، وحذاري من الضلال بعد الهدى، وحذاري من الفسوق بعد الالتزام، {فَمَن نّكَثَ فَإِنّمَا يَنكُثُ عَلَىَ نَفْسِهِ}، {وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا}، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً}.

وبتقديري -أخي الداعية- أنك إذا شارطت نفسك كل يوم على أن تلتزم هذه المواثيق التي تعطيها كل يوم وليلة أكثر من سبع عشرة مرة، ثم تحملها حملًا على الوفاء والتنفيذ؛ فإنك -ولا شك- تتدرج نحو التقوى، وتسير في طريق الروحانية، وتصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار.

ثانيًا: المراقبة: الأصل فيها قوله -تبارك وتعالى- في سورة الشعراء: {الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}(218) {وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ} [الشعراء: 219].

وقوله -صلوات الله وسلامه عليه- لما سُئل عن الإحسان ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). والمراقبة معناها كما دلت عليها الآية والحديث: استحضار عظمة الله سبحانه في كل الأوقات والأحوال، ومراقبته جل جلاله في السر والعلن.

وكيفية المراقبة أن يراقب المؤمن نفسه قبل البدء بالعمل، وفي أثنائه، هل كان تحركه للعمل والطاعة من أجل حظوظ النفس، وابتغاء الثناء والذكر، أم كان المحرك لها هو مرضاة الله وابتغاء ثوابه.

فإن كان لله -جل جلاله- مشى فيها وأمضاها، وإن كان لهوى النفس أحجم عنها وتركها، وعقد النية، والعزم على أن يستأنف طاعته فيما بعد على أسمى ما يكون من التجرد والإخلاص، ورضوان الله سبحانه وتعالى.

ثالثًا: المحاسبة: والأصل فيها قوله سبحانه في سورة الحشر: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] والمحاسبة معناها كما دلت عليها الآية: أن يحاسب المؤمن نفسه بعد مُضي العمل، هل قصد في عمله وجه الله؟ هل داخله في طاعته شيء من الرياء ؟ هل اقترف إثمًا في سبحه في النهار؟ هل أدى حقوق الله وحقوق العباد؟

واعلم أخي الداعية أن المؤمن كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه ويعاهدها على إصلاح النية، والمضي في الطاعة، وتأدية الحقوق، والتحرر من الرياء، كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يخلو فيها إلى نفسه في آخر النهار، ويحاسبها على جميع ما كان منها، فإن رأى خيرًا حمد الله على ما سدد ووفق، وسأله التثبيت والمزيد، وإن رأى غير ذلك؛ تاب إلى الله وأناب وندم واستغفر، وعاهده على ألا يعود، وسأل مولاه الحفظ والرعاية وحسن الخاتمة، ورضي الله عن عمر الفاروق حين قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىَ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18].

وحقيقة المحاسبة أن ينظر المؤمن في رأس المال، وفي الربح، وفي الخسارة؛ ليتبين له الزيادة من النقصان على عادة التجار، وبتقديري -أخي الداعية- أنك إذا حاسبت نفسك على الصغيرة والكبيرة، وعقدت العزم على أن تكون لك ساعة آخر النهار تخلو فيها بينك وبين ربك، لتنظر ماذا تقدم ليوم الميعاد؛ فإنك -ولا شك- تتدرج نحو التقوى وتسير في طريق الروحانية، وتصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار.

error: النص محمي !!