Top
Image Alt

بعض الكتب التي ألفت في الصحابة خلال القرون الخمسة الأولى، وتفصيل لمنهج ابن حجر في الترجمة للرواة

  /  بعض الكتب التي ألفت في الصحابة خلال القرون الخمسة الأولى، وتفصيل لمنهج ابن حجر في الترجمة للرواة

بعض الكتب التي ألفت في الصحابة خلال القرون الخمسة الأولى، وتفصيل لمنهج ابن حجر في الترجمة للرواة

يقول ابن حجر -رحمه الله- في مقدمته لكتاب (الإصابة) مستعرضًا العلماء الذين سبقوه بالتأليف في الصحابة: “أما بعد، فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي، ومن أجَل معارفه تمييز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن خلف بعدهم، وقد جمع في ذلك جمعٌ من الحفاظ تصانيف، بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم، فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد الله البخاري، وأفرد في ذلك تصنيفًا، فنقل منه أبو القاسم البغوي وغيره، وجمع الصحابة مضمومة إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه، كخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد، ومن قرنائه -أقران البخاري- كيعقوب بن سفيان، وأبي بكر بن أبي خيثمة، وصنف في ذلك جمع بعدهم، كأبي القاسم البغوي، وأبي بكر بن أبي داود، وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كأبي علي بن السكن، وأبي حفص بن شاهين، وأبي منصور الباوردي، وأبي حاتم بن حبان، وكالطبراني ضمن (معجمه الكبير)، ثم كأبي عبد الله بن منده، وأبي نعيم، ثم كأبي عمر بن عبد البر، وسمى كتابه (الاستيعاب)”.

فتتبع- رحمه الله- المصنفين في الصحابة تاريخيًّا، وظن أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك فاته شيء كثير؛ فذيل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلًا حافلًا، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة، وذيل ابن منده ذيلًا كبيرًا، وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم، إلى أن كان في أوائل القرن السابع، فجمع عز الدين بن الأثير كتابًا حافلًا سماه (أُسْد الغابة) جمع فيه كثيرًا من التصانيف المتقدمة.

ومن خلال استعراض ابن حجر -رحمه الله- نجده يذكر أن أول من صنف في ذلك -أي: في الصحابة- هو أبو عبد الله البخاري صاحب (الصحيح) رحمه الله.

وقد يتعقبه البعض ويقول: إن ابن سعد الذي المتوفى سنة 230، وكذلك خليفة بن خياط المتوفى سنة 240 هجرية قد سبقا البخاري بالتصنيف في الصحابة، وهما من شيوخ البخاري، والبخاري روى لخليفة في كتابه.

وقد أجاب ابن حجر على ذلك فقال: “فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد الله البخاري، أفرد في ذلك تصنيفًا”، يقصد أن كتابه متمحض وخالص للصحابة، أما خليفة وابن سعد فهما قد ضما مع الصحابة جماعة من بعدهم مثل التابعين وأتباعهم ومن بعدهم؛ ولذلك يقول ابن حجر: وجمع أسماء الصحابة مضمومة إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه؛ كخليفة بن خياط ومحمد بن سعد، ومن قرنائه يعقوب بن سفيان، وأبي بكر بن أبي خيثمة”.

إذًا نستطيع أن نقول وفقًا لكلام ابن حجر: إن أول من صنف في الصحابة وأفرد لهم تصنيفًا خاصًّا بهم هو البخاري -رحمه الله- المتوفى سنة 256 هجرية.

وهناك أيضًا مصنفات أخرى، كمصنف أبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 208 هجرية.

 لكن لعل ابن حجر يقصد أن البخاري أول من أفرد تصنيفًا كبيرًا في ذلك، والذين جاءوا بعده إنما لم يفردوا الصحابة، وإنما ضموا إليهم غيرهم، وإن كنا نعدهم من مصادر الصحابة، كما ذكرنا قبل ذلك.

أيضًا الإمام علي بن المديني له كتاب (معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان) وهو كتاب يقع في خمسة أجزاء لطيفة، كما ذكر ذلك السخاوي -رحمه الله- نقلًا عن الخطيب البغدادي، وتبعه في ذلك أيضًا الكتاني في (الرسالة المستطرفة).

لكنه كتاب مختصر، ولعل علماءنا الكبار قد وقفوا عليه، أو ربما تابع بعضهم بعضًا في ذلك.

ويقول ابن حجر: وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضًا، ثم انتقل إلى أوائل القرن السابع إلى عز الدين بن الأثير.

فالمؤلفات في الصحابة كثيرة جدًّا، والترمذي أيضًا له كتاب (تسمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقد أشار فؤاد سزكين في (تاريخ التراث العربي) إلى أنه توجد منه بعض الأوراق المخطوطة، وكذلك (تسمية من نزل مصر من الصحابة) لمحمد بن ربيع الجيزي، و(تسمية من نزل حمص من الصحابة) لأبي القاسم عبد الصمد الحمصي، وأيضًا (الصحابة) للعقيلي، وقد أشار إليه فؤاد سزكين أيضًا، و(معجم الصحابة) لابن السكن، و(أسماء الصحابة) لابن عدي، و(أسماء الصحابة) لابن حبان، و(الاستيعاب) لابن عبد البر، و(معرفة الصحابة) لأبي نعيم الأصبهاني، و(الحلية) لأبي نعيم القسم الخاص بالصحابة، و(معرفة الصحابة) لابن منده، وأيضًا (الصحابة) لابن أبي داود المتوفى سنة 316، وابن منده 390، وأيضًا هناك كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد بن حنبل، وهو مطبوع في مجلدين ومحقق أيضًا، وهناك (فضائل الصحابة ومناقبهم) للدارقطني المتوفى سنة 285، أشار إليه كارل بروكلمان في كتابه (تاريخ الأدب العربي).

فالمصنفات في الصحابة كثيرة، وعجلة المطابع لا تتوقف بفضل الله عز وجل ولعل معرفة هذه الكتب يغرس في وجداننا وفي وجدان أبنائنا مدى اهتمام علماء الأمة بالصحابة؛ لأنهم الطبقة الأولى، ولأنهم خير أجيال الأمة، الذين مدحهم الله -تبارك وتعالى- في كتابه، وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نقلوا لنا الدين، نقلوا لنا القرآن، ونقلوا لنا السنة، فعلمهم أجل العلوم وأهمها؛ وهم الذين ساهموا في صنع الحوادث، وشاركوا فيها وجاهدوا وتحملوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عناء الدعوة.

ولعل أبناءنا تتحرك هممهم إلى البحث عن هذه الكتب في دوائر المخطوطات، والبحث الآن أصبح يسيرًا عن أجيالنا وعن الأجيال التي تسبقنا، وكل جيل يفتح الله فيه من المعارف ويهيئ فيه من الوسائل ما لم يتح للأجيال التي قبله، وكثير من الكتب تكلمت عن هذه المصنفات كما قلنا: مقدمة (الإصابة) ومقدمة (أسد الغابة)، والسخاوي في (الإعلام بالتوبيخ)، وفي (فتح المغيث)، وكتب المصطلح كلها تكلمت عن الصحابة، وأشارت إلى المؤلفات فيها؛ منهم من يبين أنه اطلع عليها، ومنهم من يبين أنه لم يطلع، فيستطيع الباحث أن يجمع من كل ذلك أهم الكتب التي تكلمت في الصحابة والمطبوع منها والمخطوط، والمخطوط أيضًا قد يكون موجودًا، فتتحرك الهمم للوقوف على هذه الكتب الثمينة التي نعتمد عليها في تراجم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحاول نشرها في الأمة.

error: النص محمي !!