Top
Image Alt

بعض المباحث المتعلقة بنزول القرآن

  /  بعض المباحث المتعلقة بنزول القرآن

بعض المباحث المتعلقة بنزول القرآن

سوف نتحدث عن ببعض المباحث المتعلّقة بنزول القرآن، وهي: ما تكرر نزوله وفوائده، وما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه، وما نزل مفرقًا، وما نزل مجمعًا.

أولا: ما تكرّر نزوله وفائدته:

صرّح جماعة من المتقدمين والمتأخرين، بأن من القرآن ما تكرر نزوله‏.

‏قال ابن الحصار‏:‏ قد يتكرر نزول الآية؛ تذكيرًا وموعظة، وذكر من ذلك خواتيم سورة النحل ‏.

يعني بذلك ما أخرجه البيهقي، والبزار، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، وقد مُثّلَ به، فقال: ((لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانك))، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف، بخواتيم سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، إلى آخر السورة، وهنّ ثلاث آيات.

وأخرج الترمذي، والحاكم، عن أبيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم: حمزة، فمثّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا، لنربينّ -أي: لنزيدنّ- عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآية.

فالرواية الأولى: تفيد أن الآية نزلت في غزوة أحد.

والرواية الثانية: تفيد أنها نزلت يوم فتح مكة، على حين أن بين غزوة أحد، وغزوة الفتح الأعظم بضع سنين؛ فبعُد أن يكون نزول الآية كان عقيبهما معًا، وإذًا لا مناص لنا من القول بتعدّد نزولها؛ مرة في أُحد، ومرة يوم الفتح.

وقد ذهب البعض إلى: أن سورة النحل كلها مكية، وعليه؛ فتكون خواتيمها المذكورة نزلت مرة بمكة، قبل هاتيْن المرتيْن اللّتيْن في المدينة، وتكون عدة مرات نزولها ثلاثًا.

قال ابن الحصار: ويجمع بأنها نزلت أولًا بمكة قبل الهجرة مع السورة؛ لأنها مكية، ثم ثانيًّا بأُحد، ثم ثالثًا يوم الفتح؛ تذكيرًا من الله لعباده.

وبعضهم يقول: إن سورة النحل مكية، ما عدا خواتيمها تلك، فإنها مدنية، وعليه؛ فعدة مرات نزولها اثنتان فقط.

قلت: لا يسلّم بما ذكر، فكل رواية مما سبق لا تخلو من مقال في إسنادها، والقول بأن الآيات الثلاث مكية لا حجّة عليه؛ فهي بلا شك مدنية، والأقوى نزولها عقب أُحد لشواهده الكثيرة.

ومن ذلك أيضًا:

ما أخرجه الشيخان عن المسيب، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عمّ، قل: ((لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله))، فقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب، فلم يزالا يكلّمانه حتى قال هو على ملّة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك))، فنزلت: {مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية.

وأخرج الترمذي وحسّنه، عن عليّ، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويْه، وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويْك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

وأخرج الحاكم وغيره، عن ابن مسعود، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فقال: ((إن القبر الذي جلستُ عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليّ: {مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ})) [التوبة:113].

قلت: ذكر هذه الآية في رواية موت أبي طالب، ليس على سبيل نزولها بعد ذلك مباشرة، والذي نزل بعد موته مباشرة، قوله تعالى: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] الآية، وهي مدنية لا شك؛ بل في سورة هي من أواخر ما نزل، فأين هي من مكة؟ وقد استمرّ النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه زمانًا يستغفرون للمشركين، حتى نُهُوا عن ذلك بنزول هذه الآية، وذكر ابن كثير منه آية الروح.

وقال الإمام الزركشي: وقد ينزل الشيء مرتين؛ تعظيمًا لشأنه، وتذكيرًا به عند حدوث سببه خوف نسيانه … ولذلك أمثلة، منها:

ما ثبت في الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ} [الإسراء:85]، أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة، ومعلوم أن هذه الآية في سورة “سبحان” – أي: الإسراء- وهي مكية بالاتفاق، فإن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين، وعن أهل الكهف قبل ذلك بمكة، وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل الله الجواب، كما سبق بيانه.

وكما ثبت في الصحيحين، عن أبى عثمان النهدي عن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى: {وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ} [هود:114]، فقال الرجل: إلي هذا؟ فقال: ((بل لجميع أمّتي)).

فهذا كان في المدينة، والرجل قد ذكر الترمذي، أو غيره أنه: أبو اليسر، وسورة هود مكية بالاتفاق؛ ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث، مع ما ذكرنا، ولا إشكال؛ لأنها نزلت مرة بعد مرة.

وكذلك ما ورد في: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة.

والحكمة في هذا كله: أنه قد يحدث سبب؛ من سؤال، أو حادثة تقتضى نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمّنها، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرًا لهم بها، وبأنها تتضمّن هذه، والعالم قد يحدث له حوادث، فيتذكر أحاديث وآيات تتضمّن الحكم في تلك الواقعة، وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل مع حفظه لذلك النص.

قلت: هذه الحكمة وغيرها يكفي فيها مجرد تكرار التلاوة، لا النزول مرة أخرى.

قال السيوطي: وهذا كما قيل في الفاتحة، نزلت مرتين: مرة بمكة، وأخرى بالمدينة.

قلت: قد تقدم في أول ما نزل ما يدل على أن الفاتحة قد نزلت في أوائل ما نزل بمكة، وتقدم في فضائل سورة الفاتحة حديث ابن عباس، وفيه قول الملك: “أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته”.

وهذا ظاهره أنه بالمدينة، ولكنه ليس صريحًا في النزول؛ وإنما هو بشارة فقط.

وكذلك حديث صلاة جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لا يدلل على نزول الفاتحة مرة أخرى بالمدينة، إذن فالمعتمد نزولها بمكة فقط.

‏وفي (جمال القراء)، للسخاوي، بعد أن حكى القول بنزول الفاتحة مرتين‏:‏ فإن قيل ما فائدة نزولها مرة ثانية؟

قال السخاوي: قلت‏:‏ يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت الثانية ببقية وجوهها، نحو‏:‏ ملك ومالك، والسراط والصراط، ونحو ذلك‏.

وأقول: لو قيل بذلك لكان جلّ القرآن نزل مرات عديدة حسب وجوه القراءات، ولم يقتصر ذلك على الفاتحة وغيرها؛ وإنما الأمر في القراءات محمول على بيان الأوجه في العرضات السنوية، أو الترخيص من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قرأ عليه بهذه الأوجه، ومن ثَمّ نقلت عنه لمن بعده، والله أعلم.

قال السيوطي: أنكر بعضهم كون شيء من القرآن تكرر نزوله، كذا رأيته في كتاب (الكفيل بمعاني التنزيل)‏.‏

وعلّله بأن تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه، قال: وهو مردود بما تقدم من فوائده.

وبأنه يلزم منه أن يكون كل ما نزل بمكة نزل بالمدينة مرة أخرى، فإن جبريل كان يعارضه القرآن كل سنة‏.‏

قال: وردّ بمنع الملازمة بأنه لا معنى للإنزال، إلا أن جبريل كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرآن لم يكن نزل به من قبل فيقرئه إياه‏.‏

وردّ بمنع اشتراط قوله لم يكن نزل به من قبل.

ثم قال‏:‏ ولعلهم يعنون بنزولها مرتين أن جبريل نزل حين حُوّلت القبلة فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة ركن في الصلاة، كما كانت بمكة فظن ذلك نزولًا لها مرة أخرى، أو أقرأه فيها قراءة أخرى لم يقرئها له بمكة فظن ذلك إنزالًا‏.‏

قلت: هذا القول هو الراجح، ولا أرى أن يقال في شيء من القرآن: تكرر نزوله؛ لأنه إذا نزل وتلي، فما معنى القول بالنزول مرة ثانية؛ حيث إنه إذا جاء جبريل بما تقدم نزوله، فإنما هو للتلاوة والتذكر، وليس إنزالًا مرة ثانية؛ وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بوحي، فمعنى ذلك: أنه كلما تلا شيئًا من القرآن، قيل بنزوله مرة ثانية، وبحمد الله لا يوجد رواية صحيحة في أسباب النزول -على الرغم من التتبع الشديد- تجعلنا نقول بتعدد النزول، وما ورد مما يقال فيه ذلك، ونظر فيه نظرة فاحصة بعد جمع الطرق والشواهد، ظهر أن الخطأ فيه من بعض الرواة المتكلَّم في حفظهم، والله أعلم.

ثانيًا: ما تأخّر حكمه عن نزوله، وما تأخّر نزوله عن حكمه: 

قال الزركشي، في (البرهان)‏:‏ قد يكون النزول سابقًا على الحكم كقوله‏:‏ ‏{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّىَ (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّىَ} [الأعلى: 14، 15]، ‏ فقد روى البيهقي، وغيره عن ابن عمر، أنها نزلت في زكاة الفطر‏.‏

وأخرج البزار، نحوه مرفوعًا‏.

‏ وقال بعضهم‏:‏ لا أدري ما وجه التأويل؛ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة، ولا صوم.

وأجاب البغوي: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم، كما قال: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلّ بِهَـَذَا الْبَلَدِ} [البلد:1، 2]،  فالسورة مكية، وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((أحلت لي ساعة من نهار))، وكذلك نزلت بمكة {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ} [القمر:45]، قال عمر بن الخطاب‏:‏ فقلت: أيّ جمع؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتًا بالسيف، يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، فكانت ليوم بدر‏.‏ أخرجه الطبراني، في (الأوسط)‏.

قلت: أما تفسير الآية بأنها نزلت في زكاة الفطر، فليس صريحًا في السببية، وغاية ما فيه أنه مندرج في معنى الآية، فلا يقال إنه مما نزل قبل حكمه، ولا أدري ماذا فهم منها الصحابة، عندما نزلت بمكة على هذا القول؟

وأما آية: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ}، فهذا وعد من الله بما سيحصل كوعود كثيرة في القرآن الكريم، وكإخبار بأمور عديدة ستحصل في الآخرة، فأين تقدم الحكم على النزول هنا؟

‏قال: وكذلك قوله: ‏ {جُندٌ مّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الأحَزَابِ} [ص:11].

قال قتادة‏:‏ وعده الله -وهو يومئذ بمكة- أنه سيهزم جندًا من المشركين؛ فجاء تأويلها يوم بدر‏.‏ أخرجه ابن أبي حاتم‏.‏

قلت: وهذا كسابقه.

ومثله أيضًا: قوله تعالى: {قُلْ جَآءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49].

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، ما أخرجه الشيخان من حديثه أيضًا، قال: ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا، فجعل يطعنها بعود كان في يده، ويقول‏:‏ {وَقُلْ جَآءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81]، و{جَآءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ})).

قلت: هذا لا يعدو كونه قراءة لآية؛ لمناسبة الموقف لها، ومثل ذلك كثير.

وقال ابن الحصار‏:‏ قد ذكر الله الزكاة في السور المكيات كثيرًا، تصريحًا وتعريضًا بأن الله سينجز وعده لرسوله صلى الله عليه وسلم ويقيم دينه، ويظهر حتى يفرض الصلاة، والزكاة، وسائر الشرائع، ولم تؤخذ الزكاة إلا بالمدينة بلا خلاف، وأورد من ذلك، قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، وقوله: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [المزَّمل:20]، وقوله: {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [المزَّمل:20].

قلت: هذا كله من الوعد بما سيكون، والإخبار بالغيب، لا يطلق عليه نزول متقدم عن حكمه، وإلا كان الكثير من القرآن كذلك.

قال: ومن ذلك قوله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} [فُصِّلَت:33].

  فقد قالت عائشة، وابن عمر، وعكرمة، وجماعة: إنها نزلت في المؤذنين، والآية مكية، ولم يشرع الأذان إلا بالمدينة‏.

قلت: وهذا أيضًا كالسابق في زكاة الفطر، فإنه مما يندرج تحت الآية، وليست الآية محصورة فيه، وقد كان معناها مفهومًا للصحابة عند نزولها بمكة، ولا زال هذا المعنى كما هو مقصودًا بها، ولم أقف على شيء يسلم أنه تقدم نزوله على حكمه، والله أعلم.

ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه:‏

آية الوضوء: ففي (صحيح البخاري)، عن عائشة، قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدًا، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال‏:‏ حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ} [المائدة:6]، إلى قوله: {لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6]؛ ‏فالآية مدنية إجماعًا، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ معلوم عند جميع أهل المغازي، أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند‏.‏

قال‏:‏ والحكمة في نزول آية الوضوء -مع تقدم العمل به- ليكون فرضه متلوًّا بالتنزيل‏.‏

وقال غيره‏:‏ يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدمًا مع فرض الوضوء، ثم نزل بقيتها؛ وهو ذكر التيمم في هذا القصة‏.

قلت‏:‏ يردّه الإجماع على أن الآية مدنية‏.

ومن أمثلته أيضًا‏:‏ آية الجمعة؛ فإنها مدنية، والجمعة فرضت بمكة.‏

وقول ابن الغرس‏:‏ إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط، يردّه ما أخرجه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال‏:‏ كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت‏:‏ يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة، كلما سمعت النداء بالجمعة، لم هذا؟ قال‏:‏ أي بنيّ، كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة‏.‏

ومن أمثلته: قوله تعالى: ‏{إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} [التوبة:60]؛ ‏فإنها نزلت سنة تسعٍ، وقد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة‏.‏

قال ابن الحصار‏:‏ فقد يكون مصرفها قبل ذلك معلومًا، ولم يكن فيه قرآن متلوّ، كما كان الوضوء معلومًا قبل نزول الآية، ثم نزلت تلاوة القرآن تأكيدًا به‏.‏

ثالثًا: ما نزل مفرقًا، وما نزل جمعًا:

فمن أمثلة الأول: غالب القرآن‏.

ومن أمثلته في السور القصار‏:‏ اقرأ أول ما نزل منها إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5]. والضحى أول ما نزل منها إلى قوله: {فَتَرْضَىَ} [الضُّحى:5]، ‏ كما في حديث الطبراني‏.

‏ ومن أمثلة الثاني:‏ سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، والمعوذتان نزلتا معًا، ومنه في السور الطوال: المرسلات‏.

ففي (المستدرك)، عن ابن مسعود، قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، فنزلت عليه المرسلات عرفًا، فأخذتها من فيه، وإن فاه رطب بها، فلا أدري بأيّها ختم {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات:50]، أو: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48].

ومنه: سورة الصف‏، وسورة الأنعام؛ فقد أخرج أبو عبيد، والطبراني عن ابن عباس، قال‏:‏ نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة حولها سبعون ألف ملك‏.‏

وأخرج الطبراني من طريق يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك عن ابن عوف عن نافع عن ابن عمر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك‏.

وأخرج عن مجاهد، قال‏:‏ نزلت الأنعام كلها جملة واحدة، معها خمسمائة ملك‏.

وأخرج عن عطاء، قال‏:‏ أنزلت الأنعام جميعًا، ومعها سبعون ألف ملك‏.

فهذه شواهد، يقوي بعضها بعضًا‏.‏

وقال ابن الصلاح، في فتاويه‏:‏ الحديث الوارد أنها نزلت جملة، رويناه من طريق أبيّ بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نَرَ له إسنادًا صحيحًا، وقد روي ما يخالفه؛ فروي: أنها لم تنزل جملة واحدة؛ بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها؛ فقيل: ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك، والله أعلم‏.‏

قلت: بل ثبت حديث نزولها جملة بمجموع الطرق، وقد فصلت ذلك، في (موسوعة فضائل سور وآيات القرآن)، فلينظر هناك.

error: النص محمي !!