Top
Image Alt

بعض مواطن الجمال في القصيدة

  /  بعض مواطن الجمال في القصيدة

بعض مواطن الجمال في القصيدة

ثم يقول عمرو:

وَقَد هَرَّبت كِلابُ الحَيِّ مِنّا

*وَشذَّبنا قَتادَةَ مَن يَلينا

مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحانا

*يَكونوا في اللِقاءِ لَها طَحينا

يَكونُ ثِفالُها شَرقِيَّ نَجدٍ

*وَلُهوَتُها قُضاعَةَ أَجمَعينا

 في هذه الأبيات يصف جبروت قومه في الحرب، يقول: إنهم عندما يلبسون هربت الكلام -أي: صاحت- بسبب إنكارها القوم بعد أن لبسوا الأسلحة، وقوله:

…. …. …. ….

*وَشذَّبنا قَتادَةَ مَن يَلينا

أي: كسرنا شوكة من يقرب منا من أعدائنا، استعار الشوك لغلّ العدو وحقده، واستعار كسر الشوكة، وتشذيب القتاد لتأديب قومه والانتصار عليهم، قوله:

مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحانا

*…. …. …. ….

المراد بالرحى: رحى الحرب. واستعار اسم الرحى للحرب، واستعار الطحينا للقتلى، متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا -أي: يكونوا هؤلاء القوم- في اللقاء -في الحرب- لها طحينا.

يَكونُ ثِفالُها شَرقِيَّ نَجدٍ

*وَلُهوَتُها قُضاعَةَ أَجمَعينا

الثفال: القطعة من الجلد أو القماش توضع تحت الرحى لتستقبل الطحين، ويقول: إنهم إذا حاربوا كانت الثفال شرقي نجد، وكانت قبيلة قضاعة كلها هي القبضة من الحبّ التي تُلقى في فم الرحى. فاستعار للمعركة اسم الثفال وللقتلى اسم اللهوة؛ ليشاكل الرحى والطحين.

ثم يقول عمرو بن كلثوم مخاطبًا بعض أعداء قومه:

نَزَلتُم مَنزِلَ الأَضيافِ مِنّا

*فَأَعجَلنا القِرى أَن تَشتُمونا

قَرَيناكُم فَعَجَّلنا قِراكُم

*قُبَيلَ الصُبحِ مِرداةً طَحونا

يقول: نزلتم منزلة الأضياف، فعجلنا لكم القرى مخافة أن تشتمونا، والقرى: هو ما يقدم إلى الضيف، فهو هنا يتهكم بأعدائه وأعداء قومه ويستهزئ بهم، ويقول: إننا قدمنا لكم القرى، أي: عجلنا لكم العقاب.

قَرَيناكُم فَعَجَّلنا قِراكُم

*قُبَيلَ الصُبحِ مِرداةً طَحونا

المرداة: هي الصخرة التي تكسر بها الصخور، واستعار المرداة هنا للحرب، وكلمة “طحونا” فاعول من الطحن مبالغة، أي: قريناكم، أكرمناكم بهذه الحرب الضروس التي هزمناكم فيها.

ثم يصف عمرو بن كلثوم شيئًا من قتال قومه وشجاعتهم، وما ألحقوه بأعدائهم في هذه الحرب، فيقول:

نُطاعِنُ ما تَراخى الناسُ عَنّا

*وَنَضرِبُ بِالسُيوفِ إِذا غُشينا

بِسُمرٍ مِن قَنا الخَطِّيِّ لُدنٍ

*ذَوابِلَ أَو بِبيضٍ يَختَلينا

كَأَنَّ جَماجِمَ الأَبطالِ فيها

*وُسوقٌ بِالأَماعِزِ يَرتَمينا

نَشُقُّ بِها رُءوسَ القَومِ شَقًّا

*وَنختلب الرِقابَ فَتَختَلينا

وَإِنَّ الضِغنَ بَعدَ الضِغنِ يَبدو

*عَلَيكَ وَيَخرِجُ الداءَ الدَفينا

يقول: إنهم كانوا يطعنون أعداءهم بالرماح إذا تباعدوا عنهم، ويضربونهم بالسيوف إذا اقتربوا منهم، وقد قتلوا منهم عددًا كبيرًا. وإن جماجم الأبطال الشجعان كانت تتساقط كما ترمى أحمال الإبل في الأماكن الكثيرة الحجارة، شبه رءوسهم في عِظَمها بأحمال الإبل التي تلقى في الأرض.

كَأَنَّ جَماجِمَ الأَبطالِ فيها

*وُسوقٌ بِالأَماعِزِ يَرتَمينا

فالوسوق: جمع وسق، وهو حمل البعير. والأماعز: جمع الأمعز، وهو المكان الذي تكثر حجارته.

“نشق بها رءوس القوم” أي: نشق بسيوفنا رءوس القوم شقًّا؛ شقًّا: مفعول مطلق مؤكد للفعل، ونختلب الرقاب فتختلينا: الاختلاب قطع الشيء بالمخلب وهو المنجل الذي لا أسنان له، يقول: نقطع رءوسهم ونقطع رقابهم فتقطع.

ثم يفتخر عمرو بن كلثوم بقومه وجدوده، وأن الناس يعلمون شجاعتهم، ويعلمون بلاءهم في الحروب، فيقول:

وَرِثنا المَجدَ قَد عَلِمَت مَعَدٌّ

*نُطاعِنُ دونَهُ حَتّى يَبينا

وَنَحنُ إِذا عَمادُ الحَيّ خَرَّت

*عَنِ الأَحفاضِ نَمنَعُ مَن يَلينا

نَجُذُّ رُؤوسَهُم في غَيرِ بِرٍّ

*فَما يَدرونَ ماذا يَتَّقونا

كَأَنَّ سُيوفَنا منا ومنهم

*مَخاريقٌ بِأَيدي لاعِبينا

كَأَنَّ ثيابَنا مِنّا وَمِنهُم

*خُضِبنَ بِأَرجوانٍ أَو طُلينا

إن مَعَدَّ تعلم أنهم ورثوا المجد كابرًا عن كابر، وأنهم يُقاتلون ويحاربون لحماية مجدهم، حتى يبين هذا المجد، ويظهر شرفهم على الناس جميعًا.

“الحفض”: متاع البيت والجمع أحفاض، يقول في البيت الثاني:

وَنَحنُ إِذا عَمادُ الحَيّ خَرَّت

*عَنِ الأَحفاضِ نَمنَعُ مَن يَلينا

يقول: نحن إذا قوضت الخيام فخرّت على أمتعتها نحمي ونمنع من يقترب منا، أو يلجأ إلينا، وندافع عن أنفسنا وعن جيراننا، إذا اشتدَّت الأمور وهرب غيرنا.

نجذ رءوسهم في غير بر: أن نقطع رءوس أعدائنا في غير رحمة. فلا يدرون ماذا يحذرون منا: ماذا يتقون القتل أو سبي النساء، أو استباحة المال.

كَأَنَّ سُيوفَنا منا وَمنهِم

*مَخاريقٌ بِأَيدي لاعِبينا

يقول: كأن سيوفنا في أيدينا وسيوف الأعداء في أيديهم، والجميع لا يحفل بشدة القتال، والكل جريء على النزال، كأن هذه السيوف سيوف من خشب في أيدي أطفال يلعبون بها، يريد أنهم وأعداءهم مقبلون على القتال لا يعبئون بنتائجه، وأن هذا القتال يوقع فيهم وفي أعدائهم جراحًا وقتلًا؛ فتصبغ ثيابهم بالدماء، ويصير لونها أحمر كأنها صبغت بالأرجوان، والأرجوان صبغ أحمر.

كَأَنَّ سُيوفَنا منا وَمنهِم

*مَخاريقٌ بِأَيدي لاعِبينا

كأن: للتشبيه، والسيوف: مشبه، ومخاريق بأيدي لاعبين: المشبه به.

وفي قوله:

كَأَنَّ ثيابَنا مِنّا وَمِنهُم

*خُضِبنَ …. …. ….

يشير إلى لون الثياب التي خُضبت بالدم كأنها خضبت بالأرجوان.

ثم يقول عمرو بن كلثوم:

إِذا ما عَيَّ بِالأسنافِ حَيٌّ

*مِنَ الهَولِ المُشَبَّهِ أَن يَكونا

نَصَبنَا مِثلَ رَهوَةَ ذاتَ حَدٍّ

*مُحافَظَةً وَكُنّا السابِقينا

بِشُبّانٍ يَرَونَ القَتلَ مَجدًا

*وَشيبٍ في الحُروبِ مُجَرَّبينَا

يقول: إذا عجز الناس عن التقدم في الحرب خوفًا من الهول الذي ينتظرهم- نصبنا خيلًا مثل جبل رهوة، أو كتيبة من المحاربين مثل جبل رهوة، كتيبة ذات شوكة. “نصبنا مثل رهوة ذات حد”:

نصبنا فعل وفاعل، ومثل صفة لمفعول محذوف، أي: نصبنا كتيبة أو خيلًا مثل، فمثل صفة للمفعول به المحذوف؛ مثل رهوة: مثل مضاف، ورهوة مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف.

و”ذات حد”: صفة أخرى. ذات صفة منصوب بالفتحة. وحد: مضاف إليه مجرور بالكسرة. محافظة: مفعول لأجله أي: من أجل المحافظة على مجدنا.

وكنا السابقينا بشبان، أي: نسبق غيرنا وأعداءنا، بفضل شباننا الذين يرون القتل مجدًا، وشيبنا المجربين للحروب.

ثم يقول عمرو بن كلثوم:

أَلا لا يَعلَمُ الأَقوامُ أَنّا

*تَضَعضَعنا وَأَنّا قَد وَنينا

أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا

*فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا

تحذير لأعدائهم أن يجترئوا عليهم؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك فإن الرد عليهم سيكون مضاعفًا، “فنجهل فوق جهل الجاهلين”، و”ألا” كلمة تقال للتنبيه.

أَلا لا يَعلَمُ الأَقوامُ أَنّا

*تَضَعضَعنا وَأَنّا قَد وَنينا

لا يظن أحد أنا ضعفنا أو أننا يمكن أن نتأخر عن الحرب.

أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا

*…. …. …. ….

لا تحدث أحدًا نفسه أن يتطاول علينا؛ فنتطاول عليه تطاولًا مُضاعفًا، وقد سمى الرد على الجهل جهلًا من باب المشاكلة، ثم يخاطب عمرو بن كلثوم الملك القتيل عمرو بن هند متشفيًا ومفاخرًا، فيقول:

بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرُو بنَ هِندٍ

*نَكونُ لِقَيلِكُم فيها قَطينا

بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرُو بنَ هِندٍ

*تُطيعُ بِنا الوُشاةَ وَتَزدَرينا

تَهَدَّدنا وَأَوعِدنا رُوَيدًا

*مَتى كُنَّا لِأُمِّكَ مَقتَوينا

فَإِنَّ قَناتَنا يا عَمرُو أَعيَت

*عَلى الأَعداءِ قَبلَكَ أَن تَلينا

إِذا عَضَّ الثِقافُ بِها اِشمَأَزَّت

*وَوَلَّتهُم عَشَوزَنَةَ زَبونا

عَشَوزَنَةً إِذا اِنقَلَبَت أَرَنَّت

*تَشُجُّ قَفا المُثَقَّفِ وَالجَبينا

في تكرار الاستفهام: “بأي مشيئة عمرو بن هند” تأكيد على أن الشاعر وقومه لا يقبلون الضيم، وتأكيد على ازدرائه بهذا الملك الذي قُتل؛ لأنه أراد أن يستذلهم، والقطين: المراد به الخدم، والقيل: الملك الذي يلي الملك الأعظم، يقول: كيف تشاء يا عمرو بن هند أن نكون خدمًا لمن وليتموهم أمرنا من الملوك أو الأمراء الذين وليتهم علينا، أي: شيء دعاك إلى هذه المشيئة المستحيلة أو غير المقبولة، يريد أنه لم يظهر منهم ضعف يقنع الملك في إذلالهم. والاستفهام استفهام إنكاري.

ازدراه وازدرى به: معناه احتقره، يقول: كيف أطعت الوشاة بنا إليك؟ وكيف أردت وشئت أن تحتقرنا؟! أي شيء دعاك إلى هذه المشيئة؟!.

تهددنا وتوعدنا رويدًا: كأنه يقول: إنهم أعذروا وأنذروا قبل ذلك، وقوله: “متى كنا لأمك مقتوينا”، استفهام إنكاري، متى كنا خدمًا لأمك أيها الملك؟!.

فَإِنَّ قَناتَنا يا عَمرُو أَعيَت

*عَلى الأَعداءِ قَبلَكَ أَن تَلينا

العرب تستعير للعزّ اسم القناة، والقناة أداة من أدوات الحرب، يقول: إن قناتنا أبت ورفضت أن تلينا لأعدائنا قبلك. فعزُّنا لا يزول، ويأبى أن يزول، وإننا نحارب أعداءنا لحماية هذا العز الأبي.

إِذا عَضَّ الثِقافُ بِها اِشمَأَزَّت

*وَوَلَّتهُم عَشَوزَنَةَ زَبونا

أي: هذه القناة تتأبى على الثقاف، وتشمئز منه، ويظهر منها الصلابة والشدة؛ فلا تخضع ولا تلين. عشوزنة أي: صلبة شديدة.

“إذا انقلبت أرنت” أي: لها صوت، “تشق قفا المثقف والجبينا”: ترتد على من يريد تثقيفها وتهذيبها؛ فتشق قفاه، وتشق جبينه، والكلام كله كناية عن عزهم ومجدهم، وأنهم لا يخضعون لأحد. ويستمر عمرو بن كلثوم في فخره بقومه، ويذكر بعض الأبطال من جدوده الذين عُرفوا بإقدامهم وبسالتهم في الحروب، فيقول:

فَهَل حُدِّثتَ في جُشَمَ بنِ بَكرٍ

*بِنَقصٍ في خُطوبِ الأَوَّلينا

وَرِثنا مَجدَ عَلقَمَةَ بنِ سَيفٍ

*أَبَاحَ لَنا حُصونَ المَجدِ دينا

وَرِثتُ مُهَلهِلًا وَالخَيرَ مِنهُ

* زُهَيرًا نِعمَ ذُخرُ الذاخِرينا

وَعَتّابًا وَكُلثومًا جَميعًا

* بِهِم نِلنا تُراثَ الأَكرَمينا

وَذا البُرَةِ الَّذي حُدِّثتَ عَنهُ

*بِهِ نُحمى وَنَحمي المُحجَرينا

وَمِنّا قَبلَهُ الساعي كُلَيبٌ

*فَأَيُّ المَجدِ إِلّا قَد وَلينا

مَتى نَعقِد قَرينَتَنا بِحَبلٍ

*تَجُزُّ الحَبلَ أَو تَقص القَرينا

وَنوجَدُ نَحنُ أَمنَعُهُم ذِمارًا

*وَأَوفاهُم إِذا عَقَدوا يَمينًا

فذكر من أسلافهم وجدودهم: علقمة بن سيف، الذي أباح لهم حصون المجد، وجعل هذا المجد كأنه دين، عليه يقومون أو عنه يدافعون، وذكر زهيرًا وعتّابًا وكلثومًا وكُليبًا وذا البرة، وكلهم من الجدود والأسلاف أصحاب الشهرة في القتال والحرب. وقوله:

مَتى نَعقِد قَرينَتَنا بِحَبلٍ

*تَجُزُّ الحَبلَ أَو تَقص القَرينا

يقول: متى قرنا ناقتنا بأخرى قطعت الحبل، أو كسرت عنق القرين. والمراد متى قرنا بقوم في قتال أو جدال غلبناهم وقهرناهم. والجذ هو القطع، جذَّ يجذ قطع يقطع، والوقص دق العنق، والفعل وقص يقص.  وقوله:

وَنوجَدُ نَحنُ أَمنَعُهُم ذِمارًا

*وَأَوفاهُم إِذا عَقَدوا يَمينًا

يقول: تجدنا -أيها المخاطب- أمنع الناس ذمة وجوارًا وحلفًا، وأوفاهم باليمين والعهد والعقود، وذلك كله مما كان يتفاخر العرب به.

ثم يذكر عمرو بن كلثوم بعض الأيام التي شهدت قتال قومه، وانتصارهم. ويذكر أنهم عندما كانوا يحاربون إلى جوار أقاربهم، أو بني عمومتهم كانوا يأخذون الميمنة في الحرب، وكان بنو عمهم يأخذون الميسرة، وأن قومه كانوا يرجعون بالملوك مقيدين، وكان بنو عمومتهم بالسبايا والغنائم، يقول:

وَكُنّا الأَيمَنينَ إذا اِلتَقَينَا

*وَكانَ الأَيسَرين بَنو أَبينا

فَصالوا صَولَةً فيمَن يَليهِم

*وَصُلنا صَولَةً فيمَن يَلينا

فَآبوا بِالنِهابِ وَبِالسَبايا

*وَأُبنا بِالمُلوكِ مُصَفَّدينا

إِلَيكُم يا بَني بَكرٍ إِلَيكُم

* أَلَمّا تَعرِفوا مِنّا اليَقينا

وبنو بكر هم بنو أعمامهم الذين حدث الشقاق والخلاف بينهم، وقامت بينهم حرب ضروس هي حرب البسوس، ثم يصف عمرو بن كلثوم خيل قومه وأسلحتهم، ويذكر أنهم ورثوا هذه الأسلحة وهذه الخيل عن آباء أمجاد، وأنهم يورثونها بعدهم لأبنائهم النجباء، فيقول:

وَرِثناهُنَّ عَن آباءِ صِدقٍ

*وَنُورِثُها إِذا مُتنا بَنينا

والضمير في “ورثناهن” يعود إلى الخيل.

ويستمر عمرو بن كلثوم في فخره المتطاول بقومه، ويذكر أن نساءهم يتبعنهم في الحروب، وأنهن يشجِّعن الرجال على الحرب والقتال للدفاع عنهن وحمايتهن، وأن رجالهم يوفوا للنساء بما طلبن، يقول:

عَلى آثارِنا بيضٌ حِسانٌ

*نُحاذِرُ أَن تُقَسَّمَ أَو تَهونا

أَخَذنَ عَلى بُعولَتِهِنَّ عَهدًا

*إِذا لاقَوا كَتائِبَ مُعلَمينا

لَيَستَلِبُنَّ أَفراسًا وَبيضًا

*وَأَسرى في الحَديدِ مُقَرَّنينا

تَرانا بارِزينَ وَكُلُّ حَيٍّ

* قَدِ اِتَّخَذوا مَخافَتَنا قَرينا

إِذا ما رُحنَ يَمشينَ الهُوَينا

*كَما اِضطَرَبَت مُتون الشارِبينا

يَقُتنَ جِيادَنا وَيَقُلنَ لَستُم

*ُبعولَتَنا إِذا لَم تَمنَعونا

ظَعائِنَ مِن بَني جُشَمَ بنِ بَكرٍ

*خَلَطنَ بِمَيسَمٍ حَسَبًا وَدينًا

فالأبيات السابقة كلها تدور حول هذا المشهد: أن نساءهم يتبعنهم في الحروب، ويحرضن الرجال على الحرب والدفاع والثبات، والانتصار على أعدائهم، وأن هؤلاء النسوة من بني جشم بن بكر، خلطن بميسم حسبًا ودينًا.

الميسم: الحسن، وهو من الوسام والوسامة، وهما بمعنى الحسن والجمال، والحسب ما يحسب من مكارم الإنسان ومكارم أجداده، والدين: ما يدين به القوم من قيم وعقائد؛ فهو يثني على نساء قومه، ويقول: إن الرجال يثبتون في الحرب ويقاتلون قتال الأبطال؛ ليحموا هؤلاء النساء.

ثم يختم عمرو بن كلثوم معلقته بأبيات تفيض بهذا الفخر المتعاظم المتطاول، فيقول:

وَقَد عَلِمَ القَبائِلُ مِن مَعَدٍّ

*قبابًا لي بِأَبطَحِها بُنينا

بِأَنا المُطعِمونَ إِذا قَدَرنا

*وَأَنّا المُهلِكونَ إِذا اِبتُلينا

وَأَنّا المانِعونَ لِما أَرَدنا

*وَأَنّا النازِلونَ بِحَيثُ شينا

وَأَنّا التارِكونَ إِذا سَخطنا

*وَأَنّا الآخِذونَ إَذا رَضينا

وَأَنّا العاصِمونَ إِذا أُطِعنا

* وَأَنّا العازِمونَ إِذا عُصينا

وَنَشرَبُ إِن وَرَدنا الماءَ صَفوًا

*وَيَشرَبُ غَيرُنا كَدَرًا وَطينا

إِذا ما المَلكُ سامَ الناسَ خَسفًا

*أَبَينا أَن نُقِرَّ الذُلَّ فينا

مَلَأنا البَرَّ حَتّى ضاقَ عَنّا

*وماء البَحرُ نَملأُهُ سَفينا

إَذا بَلَغَ الفِطامَ لَنا صبيٌّ

*تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدينا

هكذا افتخر عمرو بن كلثوم بقومه وقبيلته.

ولا بد أن نلاحظ هنا أن عمرو بن كلثوم لم يفتخر بنفسه، كما فعل طرفة، وكما فعل عنترة بن شداد؛ لأن عنترة بن شداد وطرفة كلًّا منهما كان يعاني من لوم قومه، ومن نبذ قومه، وهو يرى أنه يمتلك من الصفات الشخصية ما يؤهله لأن يعرفه له قومه مكانته، ومن هنا جاء فخر كل واحد منهما فخرًا شخصيًّا، أما فخر عمرو بن كلثوم فهو فخر بالقبيلة، وأنه في كل فخره لم يتحدث بضمير المفرد، وإنما يتحدث بضمير الجماعة؛ فهو في هذه القصيدة لسان قبيلته بني تغلب.

ومن هنا روى الرواة أن بني تغلب كانوا حِراصًا أشد ما يكون الحرص على حفظ هذه القصيدة، وعلى روايتها؛ يرثها أبناء تغلب جيلًا بعد جيل، حتى جاء شاعر وأراد أن يهجوهم، فقال:

أَلْهَى بَني تَغْلِبٍ عَنْ كلّ مَكْرُمَةٍ

*قَصِيدَةٌ قالها عمروُ بن كُلْثُومِ

error: النص محمي !!