Top
Image Alt

بعض مواطن الجمال في القصيدة

  /  بعض مواطن الجمال في القصيدة

بعض مواطن الجمال في القصيدة

العناصر التي يتكون منها الشعر:

الألفاظ والأساليب:

وأول ما يلفت النظر في هذه المعلقة: أننا نشعر بغرابة في ألفاظها خاصة في الجزء الذي وصف فيه طرفة الناقة، ومن الضروري أن نعلم أن هذه الغرابة هي بالنسبة لنا نحن في هذا العصر، أما الجاهليون فلم يكونوا يشعرون بغرابة هذه الألفاظ؛ لأنهم كانوا يستخدمونها استخدامًا كثيرًا ويفهمونها ويفهمون المراد بها، ولكن لأننا يفصلنا عنهم زمن طويل نحتاج في معرفة معاني هذه المفردات إلى الرجوع إلى المعاجم اللغوية.

ونلاحظ أن هذه الغرابة تخفّ في كلام الشاعر عن نفسه مفتخرًا، وفي كلامه عن الموت فلا نجد ألفاظًا غريبة في فخره ولا نجد ألفاظًا غريبة في حديثه عن الموت وعتابه لمن يلومه إلا قليلًا.

أما الجمل؛ فإنها محكمة فصيحة، ومستقيمة لا نرى تقديمًا وتأخيرًا، ولا التواءً ولا تقعيدًا، والأساليب التي استخدمها الشاعر وظّفها توظيفًا جيدًا للدلالة على معانيه التي أراد أن يعبر عنها.

المعاني والأفكار:

والمعاني والأفكار التي تضمنتها القصيدة معانٍ قريبة واضحة؛ فهو يقف على الأطلال كما وقف الشعراء غيره، وينتقل من الأطلال إلى الغزل ويصف محبوبته ببياض الأسنان وإشراق الوجه كما فعل غيره أيضًا؛ فليس في بكائه للأطلال أو وقوفه على الأطلال وغزله شيءٌ جديد.

والمعاني التي ألمّ بها في وصف الناقة كذلك معانٍٍ واضحة وعادية؛ فهم جميعًا يصفون الناقة بالسرعة وبالقوة وبالمتانة؛ ولكن طرفة استقصى الوصف استقصاءً لا يجاريه فيه أحد من شعراء عصره، فلم يترك طرفة جزءًا ولا عضوًا من الناقة إلا وصفه وصفًا بليغًا كأنه يضعه أمامنا لنتأمله ونراه، وهو في كل هذه الأوصاف يهدف إلى وصف ناقته بأنها قوية وسريعة ونشيطة، عليها يقضي همّه وعليها يسافر ويرتحل.

وإذا كان لنا من وقفة عند المعاني والأفكار؛ فإننا لا بد أن نتحدث عن رؤية طرفة للحياة وللموت، ولقد رأينا الشاعر يبرر إسرافه في انتهاب الشهوات والإقبال على الملذات، يبرر ذلك بأن أحدًا لا يستطيع تخليده؛ فهو يتخذ من حتمية الموت ذريعة للإفراط في التمتع بما أُتيح له من ملذات الحياة، وقد تمثلت هذه الملذات في نظره في الخمر والنساء والحرب.

ونلاحظ أن طرفة في حديثه عن الموت يستحضر صورة القبر، فيراه حفرة تواري الإنسان بعد موته، وأنه لا فرق في هذه الحفرة بين غني وفقير أو مسرفٍ وبخيل، فالقبر -كل قبر- ليس إلا كومة من تراب عليها صفائح صمّ من حجارة، ولا يظهر على هذا القبر أثر لنعيم أو عذاب، وكأن الشاعر -بهذا الوصف- يريد أن يدلل على صواب مذهبه في إمتاع نفسه وإروائها من لذات الدنيا قبل أن يرحل إلى هذا المصير. وهل يحرم نفسه من ملذات الحياة وهو يرى الموت يهلك الناس: الكريم منهم والبخيل على سواء؟!

إن طرفة هنا يعبر عن عقيدة كانت شائعة في عصره ومجتمعه عقيدة لا تؤمن بالبعث، وإذا آمن بعضهم بالبعث فإن إيمانه كان إيمانًا ضعيفًا خافتًا لا يُعتد به.

وأفكار طرفة التي استمدها عن الموت والحياة وأقام عليها فلسفته هذه -إذا عددنا ما قاله فلسفة- هذه الأفكار والمعاني تعتمد على الرؤية مصدرها الحواس؛ ولذلك نراه يقول: “أرى قبر نحام”، “ترى جثوتين من تراب”، “أرى الموت يعتام الكرام”، “أرى العيش كنزًا”؛ فهو في كل مرة يقول: “أرى”. وهذا كله يؤكد انشغال الشاعر بأمر الموت وطول نظره إليه وتفكيره فيه، كما يدل تعبيره -بهذا الفهم- على أن عقيدته في الموت وأفكاره عنه لم يأخذها عن دين، ولم يتلقها من أحد، ولم يرثها عن نحلة أو مذهب، فهي مبنية على رؤيته الخاصة وخبرته الذاتية.

وهذه الرؤية وتلك الخبرة لم تدرك من أمر الموت والقبر إلا ما يظهر منها للعين، وإن كانت العين صالحة لمد الشاعر بهذه الصورة الظاهرية؛ فإنها بالتأكيد غير صالحة لمعرفة كنه ما بعد الموت أو حقيقة ما يحدث بعد الموت في عالم البعث والنشور والحساب والجزاء؛ فذلك عالم لا تدرك حقائقه بالحواس، ولا تستطيع الحواس أن تعمل فيه؛ وإنما مجال معرفته هو الوحي.  

ولا أظن أن طرفة بن العبد -في هذه الرؤية- كان شاذًّا عن هذا المجتمع أو تلك البيئة؛ فتلك كانت عقيدة أكثر الجاهليين. ثم بعد ذلك نجد هذه الحكمة التي ختم طرفة بها معلقته:

ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلًا

*وَيَأْتيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ


ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَهُ

* بَتاتًا ولم تَضرِبْ لهُ أي مَوعِدِ

وهذا الكلام معناه: أن الأخبار التي لا يعرفها المرء، الأيام كفيلة بكشفها له، وأن الذي يجهله اليوم سيعلمه غدًا، وأن الأخبار ستكون مبذولة للمرء من غير أن يجهد نفسه أو يكلف أحدًا بأن يأتي له بالأخبار:

ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلًا

*وَيَأْتيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ


وهذه الأبيات صارت في الناس حكمًا يتمثلون بها، ويستشهدون بها في المناسبات التي تقتضيها.

التصوير أو الخيال:

إن الخيال في القصيدة خيال قريب، اعتمد طرفة عليه في توضيح المعاني عن طريق التشبيه تارة، وعن طريق الكناية تارة؛ ليوضح المعاني التي يريد إيصالها ويرسخها في النفس.

بعض الصور الجزئية التي وردت في القصيدة:

في أول بيت في القصيدة:

لِخَولَةَ أَطْلاَلٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ

*تَلُوُح كباقي الوَشْمِ في ظاهرِ اليَدِ


 هنا تشبيه: شبه طرفة الأطلال بباقي الوشم في ظاهر اليد، والوشم: صبغ أو كحل كان يغرز بإبرة وينقش في اليد، كان هذا الأمر يفعله العرب في القديم وأظن الناس يفعلونه في عصرنا هذا من باب الزينة؛ فهذا الكحل الذي يغرز ويرسم على ظاهر اليد يسمى وشمًا: شبه طرفة أطلال المحبوبة -وهي آثار ديارها الباقية- بأنها تظهر مثل ظهور باقي الوشم في ظاهر اليد.

ثم بعد ذلك شبه طرَفة مراكبَ النساء بالسفن، فقال:

كَأَنَّ حُدُوجَ المالِكيّةِ غُدوَةً

* خَلايا سَفينٍ بالنّواصِفِ مِنْ دَدِ


وشبه سير السفينة في الماء وشقها إياه: بفعل الولد الذي يلعب في التراب؛ فيجعله أكوامًا، ثم يشق هذه الأكوام بيده، قال طرفة:

يَشُقّ حَبابَ الماءِ حَيزُومُها بِهَا

*…. …. …. ….


حباب الماء، أي: موجه، والحيزوم: صدر السفينة، يقول: صدر السفينة يشق موج الماء:

…. …. …. ….

*كما قَسَمَ التُّرْبَ المُفايِلُ باليَدِ


والمفايل باليد: مأخوذ من الفيال: وهو ضرب من اللعب: وهو أن يجمع الصبية التراب، ثم يدفن فيه شيء ويقسم أحدهم هذا التراب نصفين، ويسأل عن الدفين في أيهما؛ فالتشبه: تشبيه شق السفينة للماء بصدرها، بهذا الفعل من الصبية في التراب.

ثم نجد صورة المحبوبة التي شبهها طرفة بالظبي، وشبهها بالبقرة الوحشية التي ترعى ابنًا لها في شجرٍ ملتفٍّ، تتناوله ويتناولها، ويتناوله معها، يقول:

وفي الحَيّ أَحْوَى …. ….

*…. …. …. ….

 أي: ظبي أحوى، وهو الذي في شفتيه سمرة، والأنثى: الحواء، وهم يشبهون الفتاة الجميلة بالظبي، واللمى -وهو سواد الشفتين- أمر ممدوح في المرأة عندهم، يقول:

وفي الحَيّ أَحْوَى يَنفُضُ المرْدَ شادنٌ

*مُظاهِرُ سِمطَيْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ


خَذُولٌ تُراعي رَبْرَبًا بِخَميلَةٍ

* تَنَاوَلُ أَطْرَافَ البَريرِ وَتَرْتَدِي

والبرير: نوع من الشجر.  ويقول عن محبوبته أيضًا:

وَتَبسِمُ عَنْ أَلْمى كَأَنَّ مُنَوَّرًا

*تَخَلَّلَ حُرَّ الرّملِ دِعصٍ لهُ نَدِي

سَقَتْهُ إياهُ الشّمسَ إلاّ لِثاتِهِ

*أُسِفّ ولم تَكْدِمْ عَلَيهِ بِإِثْمِدِ

 هنا يصف فمها، ويصف شفتيها ولثتها بالسمرة، وأسنانها بالبياض الشديد، ويشبه في هذه الصورة أسنانها بزهر الأقحوان الأبيض الندي.

ثم بعد ذلك وصف وجهها بالوضاءة والإشراق، فقال:

وَوَجهٌ كَأَنَّ الشّمسَ حَلَّتْ رِدَاءَها

* عَلَيْهِ نَقيُّ اللِّونِ لَمْ يَتَخَدّدِ


 ففي قوله: “كَأَنَّ الشّمسَ حَلَّتْ رِدَاءَها عَلَيْهِ” تشبيه لهذا الوجه بالشمس.

وفي قوله في وصف ناقته:

أمون كألواح الإران ….

*…. …. …. ….

 تشبيه: الناقة هي المشبه، وألواح الإران مشبه به. وفي قوله:

لَها فَخِذانِ أُكمِلَ النَحضُ فيهِما

*كَأَنَّهُما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ


 تشبيه أيضًا: شبه فخذي الناقة ببابي القصر العالي. وفي قوله:

وَأَرْوَعُ نَبّاضٌ أَحَذُّ مُلَملَمٌ

*كَمِرْداةِ صَخْرٍ في صَفيحٍ مُصَمَّدِ


 شبه قلبها بالقطعة الصلبة من الصخر، وفي قوله:

وَأَتْلَعُ نَهَّاضٌ إذا صَعّدَتْ بِهِ

*كسُكّانِ بُوصيّ بدِجلَةَ تصعِدِ


في هذا تشبيه لجيدها أو عنقها بسكان السفينة أو ذنَب السفينة.

وقوله:

وجُمجُمَةٌ مِثلُ العَلاة ….

*…. …. …. ….

تشبيه للجمجمة بالقطعة الصلبة من الحجر، قوله:

وعَينانِ كالمَاوِيّتَينِ استَكَنَّتَا

*…. …. …. ….

شبه عيني الناقة بالمرآتين الصافيتين، وشبّه صفاء هاتين المرآتين بصفاء الماء، في عينٍ محاطة بأحجار في الصحراء.  وفي قول طرفة:

ولَسْتُ بِحَلاَّلِ التّلاعِ مَخَافَةً

* ولكِنْ متى يَسترْفِدِ القومُ أَرفِدِ


كناية عن كرمه وجزيل عطائه لمن يسأله، وفي قوله:

وَكَرّي إذا نادى المُضافُ مُحَنَّبًا

*كَسِيْدِ الغَضا نبَّهْتَهُ المُتَوَرِّدِ


يشبه فرسه بذئب الغضا الذي نبهه إنسان فأفزعه، وقوله:

وَتقصِيرُ يوم الدَّجنِ والدَّجنُ مُعُجِبٌ

* بِبَهكَنَةٍ تَحْتَ الطُرافِ المُعَمَّدِ


 قوله: “ببهكنة”: كناية عن المرأة، وقوله:

لَعَمرُكَ إنَّ المَوتَ ما أَخطأَ الفتى

*لكالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنياهُ باليَدِ


تشبيه للإنسان وهو في قبضة الموت بالدابة المربوطة بحبلٍ من يقودها.

هذه هي معلقة طرفة بن العبد، وهي في الحقيقة تدل على موهبة أصيلة وكبيرة، وتعطينا صورة عن جوانب متعددة للحياة العربية في العصر الجاهلي.

error: النص محمي !!