Top
Image Alt

بقية أقسام الصحيح المختلف فيها، وفوائد تقسيم الحاكم

  /  بقية أقسام الصحيح المختلف فيها، وفوائد تقسيم الحاكم

بقية أقسام الصحيح المختلف فيها، وفوائد تقسيم الحاكم

القسم الثالث: خبرٌ يرويه ثقةٌ من الثِّقات عن إمام من أئمَّة المسلمين فيُسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثِّقات فيرسلونه:

معنى ذلك هنا: الاختلاف في الوصل والإرسال.

ومثاله: حديث سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((مَن سمع النِّداء فلم يُجب، فلا صلاةََ له إلَّا من عُذر)).

قال الحاكم -رحمه الله-: هكذا رواه عديُّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبير وهو ثقة. وقد وقفه سائرُ أصحاب سعيد بن جبير عنه.

يعني: عديُّ بن ثابت هو الذي تفرَّد بوَصل هذا الحديث، وذِكر ابن عباس، تفرَّد عن سعيد بن جبير بذكر ابن عبَّاس.

وعديُّ بن ثابت ثقة، ولكنَّ سائر أصحاب سعيد بن جبير قد وقفوه عن سعيد بن جبير، ولم يُسندوه عن ابن عبَّاس، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. يعني: رووه عنه موقوفًا فلم يرفعوه.

وهذا القسم ممّا يكثر. ويُستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا؛ فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء. فإنَّ القول عندهم فيها قولُ من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة، يعني: ترجيح الوصل على الإرسال لأنَّ الوصل فيه زيادة راوٍ.

مثلًا: إذا كان الحديث عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا مرسل. ثم رواه ثقة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فالحكم في هذا لمن وصل الحديث وزاد. وكما يقول العلماء: “الزيادة من الثقة مقبولة”؛ هذا هو مذهب الفقهاء.

قال الحاكم: فأمَّا أئمَّة الحديث، فإنَّ القول فيها عندهم قولُ الجمهور الَّذي أرسلوه، لما يُخشى من الوهم على هذا الواحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنيْن أبعد)).

فهنا: الحديث تفرَّد به عديُّ بن ثابت بالوصل، والجمهور -جمهور أصحاب سعيد بن جبير- أوقفوه؛ فيكون الحُكم عند أئمة الحديث: أنَّ هذا الحديث مرسل أرجح، لِما يُخشى مِن وهْم عدي بن ثابت في تفرُّده بهذا الوصل.

القسم الرابع: روايات مُحدِّث صحيح السَّماع، صحيح الكتاب، معروفٍ بالسَّماع، ظاهر العدالة، غير أنَّه لا يعرف ما يُحدِّث به ولا يحفظه:

قال الحاكم: كأكثر محدِّثي زماننا هذا. قال الحاكم: “فإنَّ هذا القسم محتجٌّ به عند أكثر أهل الحديث”، يعني: أنَّه لا يحفظ حديثه في صدره وإنَّما يحفظه في كتابه؛ وهذا مختلَفٌ في صحة حديثه.

فأمَّا أبو حنيفة, ومالك بن أنس -رحمهما الله- فلا يريان الحجَّة به.

يعني: هذا القسم على عكس الأقسام الثَّلاثة السابقة، كان الفقهاء في جانب يقبلون الحديث، وأهل الحديث في جانب آخَر لا يقبلونه. أما هنا فحدث العكس: عند أكثر أهل الحديث يحتجُّونَ به، لأنه من رواية محدِّث صحيح الكتاب معروف بالسماع ظاهر العدالة، غير أنَّه لا يحفظ حديثه حفظ صدر؛ فالفقهاء وكما ذكرهما الحاكم (أبو حنيفة ومالك) لا يريان الحجة في هذا القسم.

ونقل الحاكم عن الإمام مالك وعن الإمام أبي حنيفة ما يدلُّ على ذلك:

– فعن أبي حنيفة, أنَّه قال: “لا يَحلُّ للرجل أن يرويَ الحديث، إلا إذا سمعه من فم المحدِّث فيحفظه ثم يُحدِّث به”، يعني: يحفظه حفظ صدر، ثم يحدِّث به.

– وأمَّا الرواية عن مالك، الَّتي تُبيِّن هذا؛ فقد روى الحاكم بسنده عن مالك بن أنس، قال: “لا يؤخذ العلم ممَّن لا يعرف ما يُحدِّث به”، أي: لا يعتمد على حفظه في صدره بما يُحدِّث به.

قال مالك: “ولقد أدركتُ بهذه المدينة أقوامًا لهم فضلٌ وصلاحٌ، ما أخذتُ عن واحدٍ منهم حرفًا”، قِيل: ولِمَ يا أبا عبد الله؟ قال: “لأنَّهم كانوا لا يَعرفون ما يُحدِّثون به”.

القسم الخامس: روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء:

فإنَّ رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولةٌ إذا كانوا صادقين. ويقصد الحاكم بالمبتدعة هنا: الفِرقَ التي خالفت أهل السُّنَّة والجماعة، وذلك كالخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، وغيرهم من هذه الفِرق التي خالفت في عقيدتها عقيدةَََ أهل السُّنَّة والجماعة.

هذا القسم مثل القسم الرابع: أكثرُ أهل الحديث يَقبلونه ويعتبرونه صحيحًا:

– فقد حدَّث محمد بن إسماعيل البخاري في (الجامع الصَّحيح) عن عبَّاد بن يعقوب.

– وكان أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: “حدَّثنا الصَّدوقُ في روايته، المتَّهم في دِينه عبَّاد بن يعقوب”.

– وقد احتجَّ البخاري أيضًا في (الصَّحيح) بمحمَّد بن زياد الألهاني، وحريز بن عثمان الرَّحبي، وهما ممَّن اشتهر عنهما النَّصب.

وأهل النَّصب المتديِّنون ببِغْضة عليٍّ؛ لأنَّهم نصبوا له، أي عادَوْه، يعني: في مقابل الشِّيعة الذين هم شيعة عليٍّ.

– واتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بأبي معاوية محمد بن خازم، وعبيد الله بن موسى، وقد اشتهر عنهما الغلوُّ.

قال الحاكم -رحمه الله-: وإنَّما جعلت هؤلاء مثالًا لآخَرين. فأمَّا مالك بن أنس فإنَّه يقول: “لا يؤخذ حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب هوىً يدعو النَّاس إلى هواه”، يعني: صاحب بدعة يدعو إلى بِدعته، ولا من كذَّاب يكذب في حديث الناس، يعني: وإن كنت لا تتَّهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومراد مالك -رحمه الله تعالى- في قوله: “لا يُؤخذ حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب هوًى يدعو النَّاس إلى هواه”، المراد: هو هذا المبتدع، والمبتدع الذي يدعو النَّاس إلى هواه.

ومعنى ذلك: إذا كان مبتدعًا كأن يكون من الخوارج، أو أن يكون من الشِّيعة، أو أن يكون من النَّاصبة، ولكنَّه لا يدعو النَّاس إلى هواه، فمعنى ذلك: أنه يُقبَل حديثه عند مالك على هذا القول؛ اللهم إلا إذا كان لا يريد أن يكون قوله: “يدعو الناس إلى هواه” كشرط من الشُّروط..

وهكذا انتهى الحاكم من عرض الأقسام العشرة “الخمسة من الصحيح المتفق على صحتها، والخمسة من الصحيح المختلَف في صحتها”.

قال الحاكم -رحمه الله-: فقد ذكرنا وجوه صحَّة الأحاديث على عشرة أقسام، على اختلافٍ بين أهله فيه، لئلا يَتوهَّمَ متوهِّم أنَّه ليس يصحُّ من الحديث إلَّا ما أخرجه البخاري ومسلم. فإذا نظرنا وتأمَّلنا فوجدنا البخاريَّ قد جمع كتابًا في التاريخ على أسامي من روي عنهم الحديث من زمان الصَّحابة إلى سنة (250)، فبلغ عددُهم قريبًا من أربعين ألف رجل وامرأة، جمعت أنا أساميهم وما اختلفا فيه، ولم يحتجَّ به آخر، فلم يبلغوا ألفَي رجل وامرأة. ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين ألفًا، فبلغوا مائتيْن وستة وعشرين رجلًا.

ويقصد الحاكم بهذا الكتاب في التَّاريخ هو: (التاريخ الكبير) للبخاري.

قال الحاكم: فلْيعلمْ طالبُ هذا العلم: أنَّ أكثر الرُّواة للأخبار ثقات، وأنَّ الدَّرجة الأولى منهم محتجٌّ بهم في (الكتابيْن الصَّحيحيْن)، للوجوه التي قدّمنا ذكرها لا لجرحٍ فيهم.

فوائد تقسيم الحاكم:

وقبل أن نُبيِّنَ النُّقود التي توجَّهت إلى الحاكم في هذه الأقسام، وفي كلامه عن الأقسام -هذا الذي ذكرناه من كتابه- نبيِّن الفائدة من تقسيم الحاكم:

– وهو أنَّه يمكننا أن نرجِّح به بين الأحاديث، فلا شك أنّ القسم الأول عنده -وهو: ما رواه الصَّحابي الذي له راويان فأكثر، ثم رواه التَّابعيُّ الثِّقة وله راويان فأكثر، ثم رواه تابع التَّابعيِّ وله راويان فأكثر، حتى انتهى إلى البخاري ومسلم- فهذا يُعتبر أرفعَ الدرجات وأرفع الأقسام. وهو يرجح على ما سواه عند التَّعارض، حتَّى ولو كان ما سواه هذا من الأحاديث الصَّحيحة عند العلماء. وهكذا فيما بعده بالنِّسبة للأقسام التي تليه. هذا من ناحية أقسام الصَّحيح.

– أما من ناحية الأقسام المختلَف فيها: فبيانُ الحاكم هذا يَحُلُّ لنا كثيرًا من المشاكل. عندما نرى بعض الفقهاء يحتجّون مثلًا بالمراسيل، وبأحاديث مدلِّسين، نعرف من تقسيم الحاكم هذا ومن بيانه: أنَّ هذه الأحاديث هي صحيحة عند هؤلاء ومعتبَرة عندهم.

وهكذا الخلاف في الأقسام الأخرى يُنير لنا: أنّ هذا الخلاف أصلُه: ما هو صحيح عند البعض، وليس صحيحًا عند البعض الآخَر.

error: النص محمي !!