Top
Image Alt

بقية شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

  /  بقية شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

بقية شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

وفيه: ((فلما كان يوم التروية؛ توجهوا إلى منى))، في (صحيح مسلم): ((فأهلوا بالحج))، وعلى هذا فمعنى: “توجهوا”: قصدوا وتهيئوا للرحيل من الأبطح، لا أنهم توجهوا بمشيهم إلى منى فأحرموا منها؛ للإجماع على أنهم أحرموا في مكة.

ويوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعده، أي: يسقون ويستقون، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى صبح اليوم الثامن، والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى يقع شرقي مكة، أحرم منه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة، وكان ذلك قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى وكان ذلك يوم الخميس.

والسُّنة: أن يحرم الحاج من المكان الذي هو فيه؛ سواء أكان في منى أو في مكة، من أي مكان كان فيها، والمكي إذا أراد الحج أحرم من أهله.

والنبي صلى الله عليه وسلم حين قصد إلى منى؛ نزل فيها فصلى الصلوات الخمس: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، هذا كان ليلة التاسع يقصر الصلاة ويصلي كل صلاة في وقتها قصرًا من غير جمع؛ لأنه كان نازلًا، والجمع إنما يباح في حال السير وجده للمسافر، أما حال النزول فالمسافر يصلي قصرًا، وتلك عزيمة؛ ولكن لا يجمع؛ بل يصلي كل صلاة في وقتها، هذا في يوم التروية وليلة عرفة -أي: ليلة التاسع- فإذا تيسر للحاج أن يعمل هذا فهو مستحب، وكمال زيادة عبادة وفضل؛ وإذا لم يتمكن وجاء إلى عرفة مباشرة في اليوم التاسع فلا بأس، ولو لم يأتِ إلى منى في اليوم الثامن فلا بأس بذلك؛ لأن الإتيان إليها في الثامن من ذي الحجة سنة من السنن.

قوله: ((ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)) أي: صلى كل صلاة في وقتها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وبات بها، وصلى صبح يوم التاسع بها.

وقوله: ((حتى طلعت الشمس فأجاز حتى أتى عرفة)) يعني: أنه صلى الله عليه وسلم أصبح بمنى وجلس بها، ثم استمر النبي صلى الله عليه وسلم خارجًا منها.

فأجازها: يعني خرج حتى أتى عرفة، وعرفة: مشعر خارج حدود الحرم.

وقوله: ((فأجاز))، من أجاز المكان -أي: قطعه- والمعنى أنه جاوز المزدلفة أيضًا ولم يقف بها؛ بل توجه إلى عرفات، وهذا فيه دليل على أنه يسن للحاج أن يبيت ليلة التاسع في منى إن تيسر، وأما البيات قصدًا في عرفة ليلة التاسع؛ فهذا على خلاف السنة.

قوله: ((فوجد القبة قد ضربت له بنمرة))، نمرة: اسم موضع بين عرفة وبين مزدلفة، وكان قرية ثم خربت؛ فهي موضع بين المشعرين: مشعر مزدلفة، ومشعر عرفة، نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم في أول النهار في قبة ضربت له -يعني: في خيمة- فدل على أن المحرم ينزل في الخيمة ويتظلل وليس في هذا محظور ولا يتنافى هذا مع الإحرام.

((نزل النبي صلى الله عليه وسلم بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء)) النزول بنمرة كان صباح يوم عرفة فهو سنة؛ إن تيسر فهو خير وإن لم يتيسر فذهب إلى عرفة مباشرة -خصوصًا في هذا الزمان لأجل الزحام وشدة الخطر- فلا شيء في ذلك إن شاء الله.

الذهاب إلى عرفة أرفق به وخصوصًا في هذا الوقت الذي نحن فيه، والصحيح أن نمرة ليست من عرفة، وبذلك جزم النووي وابن تيمية وابن القيم في آخرين من أهل العلم، ويترتب على هذا الخلاف حكم حج من وقف بنمرة إلى الغروب ثم اندفع إلى مزدلفة.

قوله: ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصور؛ فرُحلت له فأتى بطن الوادي)) رُحلت له فأتى بطن الوادي بعد أن زالت الشمس عن كبد السماء ودخل وقت الظهر؛ فحينئذ تكون قد زاغت، والدلوك والزوال كله بمعنى واحد، انتقل صلى الله عليه وسلم من نمرة إلى بطن الوادي -أي: وادي عرنة- وهو ليس من عرفة أيضًا، وهو وادٍ معروف؛ فنزل به النبي صلى الله عليه وسلم وخطب الناس على راحلته ثم أمر المؤذن؛ فأذن للظهر ثم أمره؛ فأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أمره فأقام فصلى العصر ركعتين جمعًا وقصرًا في بطن الوادي، ثم انتقل صلى الله عليه وسلم إلى عرفة.

والنبي صلى الله عليه وسلم ليست خطبته يوم عرفة بخطبة جمعة؛ وإنما هي خطبة تعليم؛ ولذا خطب قبل الأذان، ولم يجهر بالقراءة حين صلى بهم الظهر؛ فدل على أنه لم يصل جمعة، وقد ذكر جابر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة.

قوله: ((ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر))، هذا -كما قدمنا- دليل على أن الخطبة كانت قبل الصلاة وعلى أن الأذان بعد الخطبة، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذان واحد وإقامتين… وهكذا يفعل الناس في سائر أنحاء عرفة، لا فرق في ذلك بين أهل مكة وغيرهم، وهذا الجمع قيل: إنه لأجل النسك، وقيل: لأجل السفر، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: الصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر كما قصر للسفر؛ بل لاشتغاله بالوقوف واتصاله عن النزول؛ ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة؛ فكان جمع عرفة لأجل العبادة وجمع مزدلفة لأجل السير الذي جد فيه، وهو سيره إلى مزدلفة.

قوله: ((ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات))، أي: ثم ركب من مكان خطوته وصلاته حتى أتى الموقف، وهو عند الجبل المعروف في شمال عرفة، ويسمى بجبل “إِلال” بوزن “هلال”، وتسميه العامة: جبل الرحمة، وتسميته بجبل الرحمة لا أصل لها؛ بل هي تسمية محدثة لم تعرف إلا في أواخر القرن الرابع الهجري.

والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم وقف عند الجبل من جهته الجنوبية؛ فيكون الجبل عن يمينه ويستقبل القبلة، ويكون حبل المشاة أمامه، وحَبل المشاة -بالحاء المهملة-: هو صفهم ومجتمعهم في مشيهم، وقيل: حبل المشاة: هو طريقهم الذي يسلكونه، والصخرات: هي صخرات مفترشة بالأرض تقع خلف الجبل، والواقف عندها يستقبل الجبل والقبلة معًا، وعرفة كلها موقف؛ لكن على الواقف أن يتأكد أنه داخل حدودها، ولها علامات تعرف، ويمكن أن يتعرف عليها الحاج بسهولة ويسر.

قوله: ((واستقبل القبلة))، فيه بيان أن الواقف بعرفة يستقبل القبلة؛ لأن الموقف موقف ذكر ودعاء، وعلى الحاج أن يستفيد من عشية هذا اليوم؛ وبكل حال فهو يستقبل القبلة وإن كان الجبل خلف ظهره؛ وإنما يستقبل القبلة لأن هذا من سنن الدعاء، ولا حرج عليه أن يقف راكبًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بل ذكر الفقهاء أن وقوفه راكبًا أفضل لفعله صلى الله عليه وسلم ولأنه أعون على الدعاء.

وقد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ربما وقف راكبًا ليكون ذلك بمرأى من الناس، أو يقال: إن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبًا، وإن كان جلوسه على الأرض أخشع له وأحضر لقلبه؛ فقد يقال: إن هذا لا بأس به أيضًا؛ لأن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى من مراعاة الكمال في المكان.

قوله: ((فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس))، هذا فيه بيان وقت الانصراف من عرفة وكيفية الانصراف؛ فوقته بعد غروب الشمس، والصفرة لون دون لون الحمرة، وهو شعاع الشمس بعد مغيبها.

وقوله: ((حتى غاب قرص الشمس))، بيان لقوله: ((غربت الشمس))؛ لأن هذا يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص؛ فأزال الاحتمال بقوله: ((حتى غاب القرص))، وهذا فيه دليل على مشروعية الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وتحقق كمال غروبها، وسيأتي الكلام على هذه المسألة -إن شاء الله- عند حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه.

قوله: ((ثم دفع إلى مزدلفة وقد شنق للقصواء الزمام)) أي: ضم وضيق عليها الزمان، وذلك بالجذب، والزِّمام -بالكسر-: هو الخطام، وهو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير؛ فخطام البعير: هو هذا الحبل الذي يشد إلى الحلقة التي في أنفه ليقاد به ويمتنع من الإسراع في المشي، وقد فسر الراوي ذلك بقوله: ((حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله))، و”موْرِك رحله” -بفتح الميم وكسر الراء- وقيل بفتحها: هو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا مل من الركوب.

وقوله: ((السكينة السكينة))، هذا منصوب على الإغراء بفعل محذوف، أي: الزموا السكينة، وهذا فيه أدب الانصراف من عرفة، وأن يكون الحجاج يمشون بسكينة دون عجلة أو سرعة؛ لئلا يضر بعضهم بعضًا، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم شنق لناقته الزمام أي شده إليه؛ حتى إن رأسها ليلامس رحله صلى الله عليه وسلم كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد -يعني: مرتفعًا- أرخى لها الزمام حتى تصعد ذلك المرتفع؛ لأنه لو شد رأسها إليه فإنها لن تستطيع الصعود؛ فهو قد أرخى لها الزمام من أجل أن تصعد، وفي هذا رفق بالحيوان أيضًا؛ فالرفق ليس خاصًّا بالناس؛ وإنما بالحيوان أيضًا.

((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين)) استمر النبي صلى الله عليه وسلم في سيره من عرفة إلى مزدلفة ولم يقف لصلاة المغرب؛ بل أخرها حتى وصل إلى المشعر -وهو المزدلفة- فجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير، وذلك من أجل مواصلة السير ولم يتوقف صلى الله عليه وسلم لأجل صلاة المغرب، هذا هو السنة؛ فالحجيج لا يصلون حتى يصلوا إلى مزدلفة؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا خشوا خروج الوقت بطلوع الفجر فإنهم يصلون في الطريق خصوصًا في هذا الزمان الذي صار الزحام فيه شديدًا؛ أما ما دام في الوقت متسع فإنهم يؤخرونه إلى الوصول إلى مزدلفة.

ومزدلفة هي المشعر الموالي لمنى، بينه وبين منى واد يقال له: وادي محسر، وحدوده من الجنوب -يعني: مما يلي عرفة- من مطلع الجبال التي تفيض على ساحة مزدلفة: هذه هي مزدلفة؛ سميت مزدلفة لأن الناس يزدلفون إليها، يعني: يسيرون إليها، وتسمى جمعًا أيضًا؛ لأن الناس يجتمعون فيها في تلك الليلة، وتسمى بالمشعر الحرام؛ لأن فيها الجبل المسمى بجبل المشعر الذي وقف عنده نبينا صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر؛ فدعا عند ذاك. هذه أسماء لهذا المشعر المبارك.

((حتى إذا أتى مزدلفة صلى به المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين)) وهذا فيه دليل على ما ذكرنا من أن السنة ليلة المزدلفة أن يجمع جمع تأخير إذا وصل إليها، وفيه: أن الجمع بين الصلاتين يكفي فيه أذان واحد للصلاة الأولى وإقامتان: إقامة لصلاة المغرب، وإقامة لصلاة العشاء.

وفيه أيضًا أنه لا يفصل بين الصلاتين بصلاة نافلة، لم يسبح بينهما؛ يعني: لم يصل بينهما صلاة نافلة وإنما كان ذلك بعد التسليم من صلاة المغرب، عندها قام وصلى العشاء إلا إذا كان له عذر كأن يريد أن يتوضأ أو يريد أن يضع شيئًا أو نحو ذلك؛ لأن الفاصل اليسير لا يضر.

قوله: ((ولم يسبح بينهما شيئًا)) أي: لم يتنفل بينهما.

ثم اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر؛ فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، السنة لمن وقف بمزدلفة هكذا أنه إذا صلى المغرب والعشاء أن يضطجع وينام من أجل أن يأخذ راحته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو السنة والأكمل.

وما يفعله بعض الناس من إقامة هذه الليلة قد ورد فيه عن بعض الصحابة أنهم قاموا في هذه الليلة؛ كما ورد عن أسماء < وحديثها في الصحيحين، ونذكره -إن شاء الله- عند الكلام على انصراف الضعفة من مزدلفة.

قوله: ((فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة)) هذا فيه أنه لا يتهجد ليلة مزدلفة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتهجد في تلك الليلة، لكن هل يوتر؟ في الحقيقة ليس للحديث ذكر للوتر؛ ولكن المعلوم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يدع الوتر لا حضرًا ولا سفرًا، هذا هو المعلوم من سنته صلى الله عليه وسلم.

وأما الأحاديث التي وصفت حجة نبينا صلى الله عليه وسلم فليس فيها أنه صلى من الليل أو أنه أوتر؛ لكن فيها أنه صلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، وهذا يعني أن المبيت بمزدلفة يكون طول الليل، وهذا هو الأفضل والأكمل، إلى أن يطلع الفجر، ويجوز للضعفة من كبار السن والمرضى، وصغار السن أيضًا الذين لا يتحملون الزحام بالنهار يجوز لهم أن ينصرفوا من مزدلفة بعد منتصف الليل أو بعد غيبوبة القمر ليلة العاشر، فيجوز لهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للضعفة بالانصراف بعد نصف الليل أو بعد أن غاب القمر، وأما الأقوياء فالأفضل في حقهم؛ بل بعض العلماء يقول: الواجب في حقهم أن يبقوا إلى طلوع الفجر؛ حتى يستكملوا المبيت بعرفة.

((فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة)) هذا فيه أنه يبادر بصلاة الفجر في أول وقتها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بمجرد أن طلع الفجر صلى؛ ثم ليتفرغ للدعاء بعد الفجر؛ لكن عليه أن يتأكد من دخول الوقت.

قوله: ((ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام))، المشعر الحرام: هو الجبل الذي ذكره الله تعالى بقوله: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] يعني: جبل مزدلفة، ويسمى: جبل قزح، وهو الذي عليه المسجد الآن.

((فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله)) أي: وقف عند الجبل واستقبل القبلة كما استقبلها في عرفة؛ فدل على أن الدعاء يكون إلى القبلة لا إلى الجبال؛ فقبلة المسلمين هي الكعبة؛ قال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].

وذكر الفقهاء أنه يسن رفع اليدين في الدعاء، وأنه يستمر على ذلك حتى يسفر جدًّا؛ لقوله: ((فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا)) يعني حتى قارب طلوع الشمس.

((ثم انصرف من مزدلفة إلى منى)) فدل على أنه لا يستمر إلى أن تطلع الشمس؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يستمرون واقفون بمزدلفة إلى طلوع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وثبير: هو الجبل الذي يقع شرقي مزدلفة، وهو الجبل الكبير؛ فإذا طلعت الشمس أشرقت عليه. فأهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير، حتى نغير، أي: حتى ندفع ونتحول ونتغير من هذا المكان إلى غيره.

فخالف النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عليه أهل الجاهلية؛ فدفع قبل طلوع الشمس؛ لذا قال الراوي: ((فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن مُحسِّر فحرك قليلًا)) أي: دفع من مزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس.

((وأمر الفضل بن العباس أن يلقط له الحصى من الطريق فلقط له سبع حصيات مثل حصى الخذف)) أي: الحصى التي يخذف بها على رءوس الأصابع، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحصيات في كفه الشريف فقال: ((أمثالَ هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) هذا دل على أن الأفضل والسنة في هذا اليوم أن يأخذ سبع حصيات فقط، وألا يأخذ جميع الجمار من مزدلفة؛ لأن هذا ليس من السنة؛ فإن أخذه فهو مباح؛ لكن البدعة أن يعتقد أن هذا سنة.

الخلاصة: أن لقط الحصى من مزدلفة أمر مباح لا حرج فيه؛ وإلا فإن السنة أن يأخذ السبع الحصيات فقط التي يحتاج إلى أن يرميَ بها جمرة العقبة الكبرى.

قول الراوي: ((حتى أتى بطن محسر انحرف قليلًا)) أي: في طريقه إلى منى يعترضه وادي مُحسِّر، وهو فاصل -كما قلنا- بين مزدلفة ومِنى وليس من أحد المشعرين؛ كما أن نمرة فاصلة بين مزدلفة وعرفة وليست من المشعرين؛ فالله تعالى جعل بين كل مشعرين فاصلًا ليس منهما؛ ومن ذلك: وادي محسر، أو بطن محسر؛ سمي مُحَسِّرًا لأن الناس يحسرون، يعني: يسرعون إذا وصلوا إليه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ووادي محسر ليس بالعريض؛ يقولون: هو قدر رمية حجر، وهو مبين بعلامات مما يلي مزدلفة ومما يلي منى، والدخول في محسر: أن يمشي فيه الحاج قليلًا، ثم بعد ذلك تأتي منى مباشرة، وإذا مر به الحاج استحب له الإسراع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ارفعوا عن بطن محَسِّر)). وقد ذكر الأزرقي: أنه خمسمائة وخمسة وأربعين ذراعًا، وهذا يعني: أنه شيء ليس بالكبير ولا بالكثير.

قوله: ((ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى))، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الطريق الوسطى التي تخترق منى من الوسط، وهو الآن يسمى طريق الجمرات، وهو الطريق المظلل الذي يسلك إلى الجمرات، هذه هي الطريق الوسطى؛ لأن هذا أيسر على الحاج إذا سلكوه يصل بهم إلى العقبة مباشرة بدون تعاريج، وهذه هي الجمرة الأخيرة مما يلي مكة، وتسمى بالجمرة الكبرى؛ وسميت بجمرة العقبة لأن العقبة هي الطريق الذي يصعد في الجبل؛ لأنها كانت سابقًا في جبل يحيط بها من الشرق ويصعد الناس من هذا الجبل؛ ولذلك سميت بجمرة العقبة، ثم أزيل هذا الجبل في عهد الملك عبد العزيز من أجل التوسعة على الحجيج.

قوله: ((حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة))، وهي الجمرة الكبرى أو جمرة العقبة، وقوله: ((التي عند الشجرة)) هذا في الزمان القديم، وهذا فيه دليل على أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها؛ فيرميها بسبع حصيات كل حصاة -كما قلنا- مثل حصى الخذف، وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحمص قليلًا، وهذا يدل على صفة الحصى الذي يرمى به، ولا يجوز أن يكون بحجر كبير يؤذي المسلمين، ولا بالصغير الذي لا يمكن رميه؛ لأن الرمي عبادة لله سبحانه وتعالى فلا بد أن يكون بما يمكن رميه، ويكبِّر مع كل حصاة قائلًا: الله أكبر، وهذا من كمال التعبد لله تعالى ومن كمال التعظيم لأمره؛ ليحصل الجمع بين التعظيم بالقلب والتعظيم باللسان، وقد رماها نبينا صلى الله عليه وسلم من بطن الوادي جاعلًا منى عن يمينه ومكة عن يساره، لم يذكر جابر رضي الله عنه من أين أخذ النبي حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين؛ لكن ورد -كما قلنا- في حديث ابن عباس في رواية الفضل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له -وهو على راحلته-: ((هات القط لي)) فلقط له حصيات نحوًا من حصى الخذف؛ فلما وضعهن في يده قال ما قال مما سبق آنفًا.

صفة الرمي: أن يرفع يده مع كل حصاة يكبر ويرميها رميًا ولا يضعها وضعًا؛ إذا وضعها وضعًا في الحوض فإنها لا تجزئ؛ لأن هذا لا يعتبر رميًا؛ بل يرميها ويرفع يده مع كل حصاة مكبرًا قائلًا: الله أكبر، هذه صفة الرمي ويجعل الجمرة أمامه ويستقبل الجمرة في أثناء الرمي.

((ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنحر فنحر)) هذا فيه دليل على استحباب التثنية بالنحر بعد رمي جمرة العقبة، وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى عليًّا فنحر باقي المائة، وكان هديه صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، والمتمتع والقارن كلاهما عليه هدي شكران لا جبران؛ أما المتمتع ففيه نص كتاب الله، قال تعالى: {فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء؛ إما قياسًا على المتمتع أو لدخوله في عموم قوله تعالى: {فَمَن تَمَتّعَ} وقد تقدم أن الصحابة أطلقوا لفظ التمتع على نسك النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قارنًا، وقد تقدم أن القارن إذا لم يكن معه هدي فإنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة، وأن أفضلية القِران إنما هي في حال سوق الهدي كنسُك النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم يرد ذكر الحلق في هذه الرواية، وقد جاء عند أحمد من حديث جابر: “أنه نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق”، وفي حديث أنس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى؛ فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس)). يعني: يعطي شعره للناس، وهذا يدل على أن السنة أن يكون الحلق بعد النحر؛ فتكون هذه الأعمال الثلاثة يوم النحر مرتبة؛ فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس -كما سيأتي ذكره إن شاء الله.

((ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر)) أفاض من منى بعد رمي جمرة العقبة وبعد ذبح الهدي وبعد الحلق؛ أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ضحى؛ أما صلاة الظهر فقد اختلف العلماء والرواة هل صلى الظهر بمكة أو صلَّاها في منى؟ لأنه ورد في رواية جابر أنه صلَّاها في مكة، وفي الثانية أنه صلاها بمنى؛ فجمع بعض المحققين بأنه صلى الله عليه وسلم كرر صلاة الظهر، صلَّاها في مكة، ثم خرج وصلَّاها في أصحابه في منى من أجل أن يحظوا بالاقتداء به والائتمام به في الصلاة، ولا بأس بأن يصلي مرة ثانية تكون له نافلة كما فعل معاذ رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرج ويصلي بأصحابه؛ فتكون نافلة له وتكون لهم فريضة.

وإذا لم يتيسر له أن يفيض إلى مكة في يوم العيد؛ فإنه يؤخره ويفيض متى تيسر ذلك له في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر، أو في أي يوم تيسر؛ لأن طواف الإفاضة ليس لنهاية وقته حد؛ إنما تحديد البداية، يبدأ من منتصف الليل -ليلة النحر- والنهاية ليس له حد؛ فمتى طاف أجزأه ذلك حتى ولو في آخر ذي الحجة أجزأه، لا بأس بذلك.

((ويتحلل من إحرامه إذا رمى وذبح هديه وحلق رأسه))، يتحلل من إحرامه لكن يبقى عليه محظور النساء فقط، ولا يعود محرمًا -كما يقول بعض المعاصرين- يقول: إذا غربت عليه الشمس ولم يأتِ بطواف الإفاضة وقد تحلل: أنه يعود محرمًا؛ فيعود إلى ملابس الإحرام ويعود للإحرام مرة ثانية، وهذا لا دليل عليه ولا معوَّل عليه، والحلال لا يعود محرمًا إذا تحلل.

فلما عاد صلى الله عليه وسلم إلى منى أقام بها، ولما فرغ من المناسك عاد إلى منى وأقام بها ليله ونهاره يوم العيد وأيام التشريق، بقي في منى ليلًا ونهارًا؛ لأن بقاءه في منى منسك من مناسك الحج؛ أما الليل فإنه واجب؛ وأما النهار فإنه مستحب؛ فبقاؤه في منى يوم العيد وفي أيام التشريق هذا عبادة لله عز وجل فبقي نبينا صلى الله عليه وسلم في منى يوم العيد وثلاثة أيام بعده يرمي الجمرات الثلاثة كل يوم بعد الزوال، ويبيت فيها تلك الليالي، ويصلي فيها الصلوات الخمس قصرًا من غير جمع؛ يصلي الظهر ركعتين في وقتها، والعصر ركعتين في وقتها، والمغرب ثلاث ركعات كما هي، والعشاء ركعتين في وقتها، ويصلي الفجر أيضًا في وقتها، هذه سنته صلى الله عليه وسلم يقصر لأنه مسافر والمسافر يقصر الصلاة، فإن قيل: إن عثمان رضي الله عنه أتم الصلاة في منى؛ فهذا اجتهاد منه، والإتمام أيضًا يجوز للمسافر لكن القصر أفضل، ويروى أن عثمان فعل ذلك لأنه قد تأهل في منى، أي: تزوج فيها؛ فصار كأنه من أهلها؛ فلذلك أتم الصلاة؛ وعلى كل حال السنة هي القصر.

بهذا يكون قد انتهى سياق حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

error: النص محمي !!