Top
Image Alt

بواعث التأليف المعجمي عند العرب

  /  بواعث التأليف المعجمي عند العرب

بواعث التأليف المعجمي عند العرب

لا شك أن هناك دوافع دينية وقومية جعلت علماء اللغة يستعذبون المشاق والصعاب في سبيل جمع العربية وحفظها، فجزاهم الله عن لغتهم خير الجزاء، وتلكم الدوافع هي:

أولًا: صيانة كتاب الله الكريم من الأخطاء المتعلقة بالنطق أو الفهم.

ثانيًا: حفظ اللغة العربية من الألفاظ الدخيلة على متنها، والتي لا تخضع لموازين ومقاييس اللغة.

ثالثًا: الخوف على اللغة من الانقراض بانقراض الحافظين لها.

رابعًا: اللغة في نظرهم أصبحت جزءًا من الدين؛ لأنها لغة القرآن والدين والرسول الصادق الأمين.

خامسًا: إنهم كانوا يرون في تدوين لغتهم تكليفًا شرعيًّا لهم، وذلك أنها السبيل إلى العلم بالدين عبادة وتشريعًا، وكان رائدهم فيما يعتقدون الأمر الصادر من الرسول صلى الله عليه  وسلم لصحابته بنصح من لحن في مجلسه، وإرجاعه إلى طريق الحق الصواب إذ قال: ((أرشدوا أخاكم فقد ضلَّ))، وحتى تبرأ ذمتهم انطلقوا في هذا المجال غير مبالين بما يلاقون من مصاعب ومتاعب حسبة لله I.

سادسًا: غيرتهم على اللغة، وحرصهم عليها قوية البناء سليمة الإعراب. دفعهم إلى انتجاع البادية ومشافهة أعرابها وأخذها من منابعها الصافية، فدوَّنت اللغة، وألَّفت المعاجم، وقعدت القواعد وصححت المفردات التي دخلها اللحن والتحريف.

سابعًا: التعرف من خلال الكلمات المدونة في بطون المعاجم على عادات العرب وتقاليدهم وأنماط سلوكهم الاجتماعي، وما يمتازون به من خلق عربي أصيل، وما لهم من فكر أدبي ولغوي؛ ذلك أن كل كلمة من هذه الكلمات المجموعة إنما هي لحم الوطن والبشر، ودمهما وروحهما.

ثامنًا: اختلاط العرب بغيرهم من الأعاجم حين تعددت الفتوحات الإسلامية، فاستغلقت اللغة على الأفهام، ولا يضير اللغة في شيء أن تدوّن الكلمات المولدة والمعربة والدخيلة في معاجمنا الحديثة على أن يخصص لها مكان معين؛ وبذلك تنمو اللغة وتكثر مفرداتها بحيث تكون موافقة في اشتقاقها ونطقها للكلمات الفصيحة؛ وبذلك نطوع لغتنا للوفاء لمطالب الحضارة الحديثة فسعة اللغة بمفرداتها لا بمترادفاتها، وليس في ذلك خروج عن الطريق السوي الذي سلكه أسلافنا لخدمة اللغة وصيانتها، ونحن بهذا العمل نحفظ للغة مرونتها وقبولها لكل جديد لا يصطدم مع قواعدها.

تاسعًا: كان البشر في ماضيهم السحيق، يعتمدون اعتمادًا كليًّا في تعاملهم وتفاهمهم على ما يلفظون من كلمات دالة على مرادهم شائعة بينهم، ذائعة على ألسنتهم، وليسوا في حاجة إلى استيضاحها، ثم أخذت اللغة في التوسع تبعًا لاتساع آفاق الفكر الإنساني؛ لتفي بحاجته، فهي المرآة الصادقة لما يدور في نفسه من خواطر وأفكار، ومن ثم ارتبطت حياة الإنسان بالألفاظ وتمسَّك بها، ثم انتهز فرصة ظهور الكتابة فسجَّل منها ما أمكنه تسجيله، فازدادت الثروة اللغوية وخفي كثير منها على الأفهام، فشرع العلماء في شرح ما غمض منها؛ محاولة منهم في تقريب اللغة من الأذهان؛ حتى يتسنى الانتفاع بها.

عاشرًا: قد يخطر للإنسان خاطر يريد التعبير عنه، فلا تسعفه حصيلته اللغوية، فيلجأ إلى التفتيش في بطون اللغة عساه يجد ما يعبِّر عن فكره، ومن هنا ظهرت المعاجم المبوبة لتفي بهذا الغرض، وسوف نتحدث عنها في حينها إن شاء الله تعالى.

الحادي عشر: حتى يزداد الاتصال الحضاري بين الأمم قوة فتقوى على الانتفاع والنفع، ترجمت الألفاظ الأجنبية بما يقابلها من ألفاظ اللغة العربية، فأصبحت في متناول من يريد البحث عنها، وبمثل ذلك شرحت الألفاظ النادرة في الاستعمال. إذًا الاتصال الحضاري باعث من بواعث التأليف المعجمي العربي.

لقد تضافرت هذه الحوافز كلها على إخراج معجمات، تعتبر من أعظم وأشرف الأعمال اللغوية، فهي مرآة صادقة تنعكس على صفحتها مظاهر النشاط الاجتماعي والنفسي والفكري والخلقي، ولا نكون مغالين إذا قلنا: إنها سجلٌ حافل لكل مظاهر الحياة العربية.

error: النص محمي !!