Top
Image Alt

بواعث منع الحمل، وتحديده، وتنظيمه

  /  بواعث منع الحمل، وتحديده، وتنظيمه

بواعث منع الحمل، وتحديده، وتنظيمه

هناك عند دعاة تحديد النسل أو تنظيمه أو منعه دوافع وشبهات، وذلك لمن يقومون بهذه العمليات التي تؤدي إلى منع الحمل أو تحديده أو تنظيمه، ونجمل هذه البواعث فيما يلي:

1- الخوف من ضيق الأرض بسكانها، هكذا يزعمون أن الأرض بكثرة التناسل ستضيق بسكانها؛ مما يؤدي إلى الصراع والجهل والمرض وانتشار هذه الأوبئة، وهذا كلام غير صحيح؛ لأنه مبني على الخرس والتخمين، وليس قائمًا على أدلة علمية أو تجارب، وإنما هو قائم على الظن والخرس والتخمين، ويتعارض أيضًا مع الإيمان بالله عز وجل والتوكل على الله، والاستجابة لعمارة الأرض، فالموجود من الناس بعد آلاف السنين من الخلق لم يعمروا عُشْر مساحة الأرض الحالية، ولا يزال الجزء الأكبر منها صحراء مهجورة، ويحتاج إلى أضعاف الموجودين من الناس وزيادة العلم والعمل من هؤلاء الأنسال لعمارتها واستخراج كنوزها، ولو تكاثروا لألجأهم التزاحم إلى التفكير والعمل والعمارة؛ لأن الحاجة أم الاختراع والاكتشاف.

إذًا: هذا زعم باطل وحجة داحضة؛ لأن الأرض بمرور آلاف السنين لم تضق بسكانها بَعْد، ولا يزال معظمها صحراء جرداء تحتاج إلى المزيد من التناسل؛ لعمارة هذه الأرض وإصلاحها وعبادة الله فيها، واستخراج كنوزها، والتفكير تفكيرًا علميًّا في تحقيق كل ما يفيد في هذه الصحراء أو في تلك الجبال.

2- هناك شبهة أخرى أو ادعاء آخر، وهو أن تحديد النسل يتناسب مع الفطرة، وهذه أيضًا دعوى باطلة، فهل تحديد النسل يتناسب مع الفطرة أم أن التكاثر هو المتناسب مع الفطرة؟ هذا الادعاء كاذب وباطل؛ لأن العكس هو الصحيح، فالتناسل والتكاثر وحب الذرية هو الملائم للفطرة والمشبع للغريزة التي يحملها الذكور والإناث؛ من الأبوة والأمومة والبنوة والانتماء والحب والتزاوج، هذا فضلا عن سوء الأدب مع الله، واعتبار الفطرة هي الله، الذي عد ذلك نعمة من نعمه.

3- أن تحديد النسل يصون الأسرة من الفقر والآفات، وهذا أيضًا كذب آخر وافتراء على الله القادر المقتدر، حيث لا علاقة بين التناسل والاقتصاد، بل العكس هو الصحيح، فزيادة التناسل تعني كثرة العمل وكثرة الإنتاج وكثرة الإنفاق ورواج السلع؛ مما يدل على فساد الاعتقاد بأن كثرة النسل سببًا في الفقر والمرض.

4- هذه كلها بواعث عند من يقومون بالتحديد أو التنظيم أو من يرغبونهم في ذلك- هم يقولون: تحديد النسل يحفظ للمرأة صحتها وجمالها، وهذا أيضًا ادعاء باطل؛ لأن التوازن الذي أودعه الله في المرأة والاستعداد الخلقي للحمل والولادة يجعلها بذلك أكثر جمالًا وصحة، وكثير ممن لم يحملن ولم يلدن تعرضن لمخاطر عديدة بسبب هذه الهرمونات، وفقدن كثيرًا من النشاط والمسئولية التي تقوم بها الأمهات، ووقعن في الكسل والملل والذي لا يجد للأمهات سبيلًا، حتى إن بعض النساء المحرومات من الإنجاب يبحثن عن التبني، وأحيانا يلجأن إلى سرقة الأطفال أو شرائهم، وهي جرائم كبرى تناهض حقوق الإنسان.

5- أيضا من البواعث قولهم بخطورة الحمل على حياة المرأة أو ولديها، وهذه جملة صحيحة، فإذا ثبت أن في الحمل خطورة على حياة المرأة أو ولديها فالشرع يجيزها، بل يوجبها فالأم هي الأصل، فإذا كان في الحمل خطر عليها وجب إيقافه أو إجهاضه، ولو كان في تتابع الحمل إضرار بالمرأة أو الجنين أو الرضيع، وهو ما يعرف بالغِيلة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم فالمرأة تحمل بسرعة بعد الأربعين أو بعد النفاس وهي ما زالت في أول الرضاعة، ويذهب حليبها إلى الجنين الذي تكون حديثًا، ويغتال الطفل الذي يرضع ولم يتمكن بسبب الحمل من الرضاعة، فيلجأ إلى لبن صناعي أو نحو ذلك، في هذه الأحوال الشرع يمنع الحمل ويوجب منع الحمل، أو يوجب تأجيله حتى يزول الضرر.

كذلك لو كانت المرأة أمة، حيث كان يوجد رقيق من الرجال ومن النساء قبل ذلك، ولكن الإسلام قضى على ذلك قبل مائة عام من ظهوره، فلم يأت زمن عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى إلا وقد انتهى الرق في بلاد المسلمين؛ لأن الإسلام دين يدعو إلى الحرية، فدعا إلى عتق الرقبة في القتل الخطأ، وفي كفارة اليمين، وفي كفارة الظهار وفي كفارة الإيلاء، كما دعا إلى العتق أيضًا فيمن يجامع زوجته في نهار رمضان، ودعا إلى المساهمة في فك الرقاب، قال تعالى: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11-13].

إذًا: بهذه الدعوة استطاع الإسلام أن يقضي على الرق، وأن يحقق الحرية للجميع، لكنه كان موجودًا في صدر الإسلام بسبب أسرى الحرب أو التجارة في العبيد، فكان السيد الذي عنده عبد أو أمة يستطيع أن يعاشرها معاشرة الأزواج، دون عقد زواج بملك اليمين، وهذا هو الذي ورد في آيات كثيرة { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6].

وهذه الأمة إذا حملت من سيدها فهذا باب من أبواب التحرير يسمى أم ولد، ولا يجوز بعد ذلك بيعها أو تزويجها لرجل آخر فصارت أم ولد، وبوفاة سيدها تصير حرة؛ لأنه لا يجوز للابن أن يمتلك أمه، فهذا باب آخر من أبواب الحرية.

وأحيانًا ما يكون السيد غير راغب في الأمة التي عنده، فيزوِّجها لرجل آخر، قد يكون حرًّا وقد يكون عبدًا؛ فإذا كان الرجل حرًّا وتزوج أمة فذلك مشروط بشرطين، أو: لا يجوز للحر أن يتزوج الأمة إلا بشرطين؛ الشرط الأول: أن يكون فقيرًا لا يملك صداق الحرة، والشرط الثاني: أن يخشى على نفسه إذا لم يتزوج الوقوع في الفاحشة، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } [النساء: 25]، وفي نهاية الآية يقول: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ}؛ أي: الفاحشة {مِنْكُمْ }، ومع هذين الشرطين وتوفرهما يقول الله تعالى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، والصبر على عدم نكاح الأمة عن طريق الزواج؛ لأن أبناءها سيكونون عبيدا وليسوا أحرارًا؛ لذلك نهى الإسلام الأحرار أن يتزوجوا من الإماء.

فإذا فُرض أن حرًّا تزوج الأمة وخاف على نفسه وعلى أبنائه من العبودية؛ فإن له أن يعزل عنها، والعزل يعني منع تدفق المني داخل الرحم، ويعزل؛ أي: يكب منيه خارج الرحم، فهذه وسيلة من وسائل منع الحمل كانت معروفة من أيام صدر الإسلام، فلو كانت المرأة أمة وخاف الزوج على أولاده منها من الرق؛ جاز له العزل وهو منع الحمل، وهكذا.

error: النص محمي !!