Top
Image Alt

بيان ألقاب الباطنية

  /  بيان ألقاب الباطنية

بيان ألقاب الباطنية

ألقابهم التي تناولتها الألسنة على اختلاف الأعصار والأزمنة، وهي عشرة ألقاب: (الباطنية – والقرامطة – والقُرمطية – والخُرّامية – والخمدينية – والإسماعيلية – والسَّبعية – والبابِكية – والمُحمِّرة – والتعليمية) هذه عشرة أسماء أو ألقاب.

ولكل لقب سبب.

الباطنية: فإنما لُقبوا بها لدعواهم “أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القِشر، وأنها بصورها تُوهِم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأنَّ من تقاعدَ عقله عن الغوص عن الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعًا إلى الاغترار، كان تحت الأواصر والأغلال، معلنًا بالأوزار والأثقال” وأرادوا بالأغلال التكليفات الشرعية؛ فإن مَن ارتقى إلى علم الباطن انحطَّ عنه التكليف واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

وربما موّهوا بالاستشهاد عليه بقولهم: إن الجُهَّال المنكرين للباطن هم الذين أُريدوا بقوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع؛ فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد مُوجبَ الظواهر قدروا على الحكم بدعوة الباطل على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين، إذْ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عِصام يُرجع إليه ويُعوّل عليه.

القرامطة: فإنما لُقِّبوا بها نسبة إلى رجل يقال له حَمْدان قُرْمط كان أحد دُعاتهم في الابتداء، فاستجاب له في دعوته رجال فسُمُّوا قرامطة وقُرمطية، وكان المسمّى حمدان قرمط رجلًا من أهل الكوفة، مائلًا إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: أراك سافرتَ من موضع بعيد فأين مقصدك؟ فذكر موضعًا هو قرية حمْدان، فقال له حمدان: اركب بقرة من هذه البقر لتستريح عن تعب المشي. فلما رآه مائلًا إلى الزهد والديانة أتاه من حيث رآه مائلًا إليه، فقال: إني لم أُومر بذلك. فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم. قال حمدان: وبأمر مَن تعمل؟ فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك، ومَن له الدنيا والآخرة. فقال حمدان: ذلك إذا هو رب العالمين. فقال الداعي: صدقتَ، ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟ قال: أُمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملِّكهم ما يستغنون به عن الكدّ والتعب. فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض علي من العلم ما يحببني به؛ فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرتَه. فقال الداعي: وما أُمرت بأن أُخرِج السر المخزون لكل أحد إلا بعد الثقة به والعهد عليه. فقال حمدان: وما عهدك؟ فاذكره لي؛ فإني ملتزم به. فقال الداعي: أنت تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقَه ألا يخرُج سر الإمام الذي ألقيته إليك ولا تفشِ سري أيضًا. فالتزم حمدان سرَّه، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في جميع ما دعاه، ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلًا من أصول هذه الدعوة، فسمي أتباعه القُرْمُطيّة.

الخُرّاميّة: فلُقبوا بها نسبةً لهم إلى حاصل مذهبهم وزُبدته، فإنه راجع إلى طيب صافي التكليف، وحطِّ أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات، وخُرّم لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان إليه بمشاهدته ويهتزّ إليه بمشاهدته ويهتز لرؤيته، وقد كان هذا لقبا للمزدكيّة، وهم أهل الإباحة من المجوس الذين نبغوا في أيام قِباس، وأباحوا النساء وإن كنَّ من المحارم، وأحلوا كل محذور، وكانوا يسمون خَمَدِينيَّة وهؤلاء أيضًا لُقبوا بها لمشابهتهم إياهم في آخر المذهب، وإن خالفوهم في المقدمات وسوابق الحيل في الاستدراج.

وأما اسم البابِكية فاسم لطائفة منهم، بايعوا رجلًا يقال له بابِك الخرَّمِي، وكان خروجه في بعض الجبال بناحية أذربيجان في أيام المعتصم بالله، واستفحل أمرهم واشتدّت شوكتهم، وقاتلهم أفشين صاحب حبس المعتصم، مداهنًا له في قتاله ومتخاذلًا عن الجد في قمعه إضمارًا لموافقته في ضلاله، فاشتددت وطأة البابكية على جيوش المسلمين حتى مزقوا جند المسلمين وبددوهم منهزمين، إلى أن هبت ريح النصر واستولى عليهم المعتصم المترشح للإمامة في ذلك العصر، فصُلب بابِك وصلب أفشين بإزائه.

وقد بقي من البابكية جماعة يقال: إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون سروجهم وشموعهم، ثم يتناهبون النساء، فيثب كل رجل إلى امرأة فيظفر بها، ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد؛ فإن الصيد من أطيب المباحات، ويدّعون مع هذه البدعة نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام يقال له شُروين، ويزعمون أنه كان أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء قبلهم.

وأما اسم الإسماعيلية فهو نسبة إلى أن زعيمهم محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن أدوار الإمامة انتهت به؛ إذ كان هو السابع من محمد صلى الله عليه وسلم، وأدوار الإمامة سبعة عندهم، فأكبرهم يُثبتون له منصب النبوة، وأن ذلك يستمر في نسبه وعَقَابِه، وقد أورد أهل المعرفة بالنسب في كتاب الشجرة أنه مات ولا عقب له.

السبعية: فإنما لُقِّبوا بها لأمرين؛ أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة، وأن تعاقُب هذه الأدوار لا آخر لها قط، والثاني: قولهم: إن تدابير العالم السفلي -أعني: ما يحويه- مقعّرُ فلك القمر منوطةً بالكواكب السبعة التي أعلاها زحل ثم المشترى ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر، وهذا المذهب مسترقٌّ من ملاحدة المنجمين، وملتفتٌ إلى مذاهب الثانوية في أن النور يدبر أجزاءه الممتزجة بالظلمة لهذه الكواكب السبعة، فهذا سبب هذا التلقيب.

المُحمِّرة: فقيل: إنهم لقبوا به لأنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك ولبسوها، وكان ذلك شعارهم، وقيل: سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من فرق أهل الحق حمير، والأصح هو التأويل الأول.التعليمية: فإنهم لقبوا بها لأن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأي وإبطال تصرف العقول، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدركَ للعلوم إلا بالتعليم، ويقولون في مبتدأ مجادلتهم: الحق إما أن يعرف بالرأي وإما أن يعرف بالتعليم، وقد بطل التعويل على الرأي لتعارض الآراء وتقابل الأهواء واختلاف ثمرات نظر العقلاء، فتعين الرجوع إلى التعليم والتعلم، وهذا اللقب هو الأليق بباطنية العصر الذي عاش فيه أبو حامد الغزالي رحمه الله، وذلك في القرن السابع الهجري، فإن تعويلهم الأكثر كان على الدعوة إلى التعليم وإبطال الرأي وإيجابه لاتباع الإمام المعصوم، وتنزيله في وجوب التصديق والاقتداء به منزلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

error: النص محمي !!