Top
Image Alt

بيان أنواع النسخ في القرآن والآيات المنسوخة في سورة “البقرة”، والآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة

  /  بيان أنواع النسخ في القرآن والآيات المنسوخة في سورة “البقرة”، والآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة

بيان أنواع النسخ في القرآن والآيات المنسوخة في سورة “البقرة”، والآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة

1. أنواع النسخ في القرآن: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: أحدها: نسخ التلاوة والحكم معًًا. وثانيها: نسخ الحكم فقط مع بقاء التلاوة. وثالثها: نسخ التلاوة دون الحكم. الضرب الأول: نسخ الحكم والتلاوة جميعًا: أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدل على وقوعه سمعًًا، ما ورد في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ممّا يقرأ أو فيما يقرأ من القرآن))، رواه الشيخان. ومع أن الحديث موقوفٌ على عائشة رضي الله عنها إلا أن له حكم المرفوع؛ لأنه ممّا لا مجال للرأي فيه، وجملة: ((عشر رضعات معلومات يحرمن))، لا وجود لها في القرآن الآن؛ لأنها نُسِخَتْ تلاوة، كما نُسِخَتْ حكمًًا. وجملة: ((خمس معلومات))، وهي باقي حكمها، وقد نُسِخَتْ تلاوتها أيضًا، فالحديث قد جمع بين منسوخ التلاوة والحكم، وبين منسوخ التلاوة دون الحكم، ثم إن الناسخ هنا؛ وهو: ((خمس معلومات))، غير متلوٍّ، وهذا لا نظير له. الضرب الثاني: ما نُسِخَ حكمه دون تلاوته: هو واقعٌ في القرآن الكريم، في قرابة عشرين موضعًا، أو نصف هذا العدد على ما سيأتي في التحقيق في بيان الآيات التي وقع فيها النسخ، ومن ذلك آية العِدّة. الضرب الثالث: نسخ التلاوة دون الحكم: قد مضى حديث عائشة رضي الله عنها وفيه: ((ثم نسخن بخمسٍ معلومات…))، فهذه الخمس المعلومات، ممّا نُسِخَ تلاوته وبقي حكمه. 2. شُبه منكري أنواع النسخ: رغم وضوح الأدلة الناطقة بوقوع هذه الأنواع الثلاثة، إلا أن هناك من أنكر بعضها بشبهٍ واهية، نعرض بعضها باختصار. أولًا: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم، فلا يمكن انفكاك أحدهما على الآخر. الجواب: أن التلازم بين الآية وحكمها، مشروطٌ فيه انتفاء المعارض؛ وهو الناسخ، فإذا وُجِدَ الناسخ فلا تلازم، والأمر حينئذٍ للناسخ، إن شاء رفع الحكم فقط دون التلاوة، وإن شاء رفع التلاوة دون الحكمِ، وإن شاء رفعهما معًًا، حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. ثانيًا: إن نسخ الحكم دون التلاوة، يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة، وهذا عيبٌ لا يرضاه أحد. الجواب: أننا لا نُسلم هذا اللزوم؛ بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها، تبقى مفيدة للإعجاز، كما تبقى عبادة يتلوها الخلق، وتبقى تذكيرًا بعناية الله ورحمته بعباده؛ حيث شرع لهم في كل وقتٍ ما فيه المصلحة، وفيه ما يدعوهم لشكره وحمده سبحانه وتعالى. ثالثًا: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم، يُوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وذلك تلبيسٌ وخلطٌ على العبد، ومحالٌ على الله أن يُوقع عباده في هذا التلبيس، أو الخلط. الجواب: أن ذلك التلبيس وذلك الخلط، كان يصح ادعاؤهما، واستلزام نسخ حكم الآية دون تلاوتها لهما، لو لم يذكر الحق -سبحانه- دليلًا على النسخ، ولو لم يقم البلاغ والبيان لذلك، أمَا وقد قامت الدلائل، فلا عذر لجاهلٍ، ولا تلبيس؛ لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية، هو الذي أعلن بالناسخ، وبلغ به. 3. الآيات التي اشتُهرت بأنها منسوخة: لقد حقق بعض العلماء موضوعات النسخ، وحصر آياتها بما يقرب من العشرين، في تحرير وإتقان، كالقاضي أبو بكر بن العربي، وتبعه العلامة السيوطي، الذي أفردها في تأليف لطيف، كما أوردها في (الإتقان)، محررة، وصار على نهجه، وأتى من بعدهم العلامة الزرقاني. وهاك الآيات حسب ترتيبها في المصحف: الآية الأولى: قوله سبحانه: {وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة: 115]. قيل: إنها منسوخة، بقوله سبحانه: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]. وقالوا: إن الآية الأولى تفيد جواز التوجه إلى غير المسجد الحرام في الصلاة، ما دامت الآفاق كلها لله، والثانية تحتم التوجه إلى المسجد الحرام في أي مكانٍ يصلى فيه، وقيل: إن الآية المذكورة ليست منسوخة؛ إنما هي محكمة؛ وهذا هو الراجح؛ لأنها نزلت ردًًّا على اليهود، عندما قالوا وقت تحويل القبلة إلى الكعبة: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142]؛ فهي إذن متأخرة عن آية التحويل في النزول، كما قال ابن عباس. وبعضهم يمنع التعارض، ويدفع النسخ بأن قوله: {وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 115]، تفيد جواز التوجه إلى غير الكعبة في خصوص صلاة النافلة في السفر على الدابة، وهذا الحكم باقٍ لم يُنسخ. أما الآية الثانية، التي هي قوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، فتفيد وجوب استقبال الكعبة في الفرائض، والبعض يحمل الآية الأولى على التوجه في الدعاء، والثانية على التوجه في الصلاة؛ إذن لا تعارض، ومن ثَمّ فلا نسخ، ولا مانع أن تكون الآية: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، ناسخة لوجوب استقبال بيت المقدس، الذي وجب بالسُّنة على رأي من لا يمنع نسخ السُّنة بالقرآن، وعلى هذا يترجح أن هذا النص لا نسخ فيه. الآية الثانية: قوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ} [البقرة: 180]، هذه الآية تفرض الوصية للوالدين والأقربين على من حضره الموت من المسلمين، واختُلف في نسخها؛ فالجمهور على أنها منسوخة، وأن ناسخها آيات المواريث، الآيات: (11)، و (12)، و (176)، من سورة “النساء”، وهي محصورة معروفة، وقيل: نُسِخَتْ الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]، بحديث: ((لا وصية لوارث))، وقيل: بإجماع الأمة على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين، وقيل: بل هي محكمة، وهي محمولة على من حُرِمَ الإرث من الأقربين، أو من كانت له ظروف تستدعي المعونة كالعجز ونحوه، لكن النص على الوالدين يمنع الرأي الأخير؛ لأنهما يرثان في كل الأحوال، ومن ثَمّ ترجح رأي الجمهور؛ وهو النسخ. الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] هذه الآية، تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم، والإفطار مع الفدية، وقد نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. وتدل الآية على وجوب الصوم دون تخييرٍ على كل صحيحٍ مقيم، وقيل: إن الآية محكمة لم تُنسخ؛ لأنها على حذف حرف النفي “لا”، والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية. ويدل على الحذف قراءة “يُطَوّقُونَهُ”، بتشديد الواو المفتوحة، أي: يطيقونه بجهد ومشقة؛ إذن فلا تعارض، ولا نسخ، ولكن يرد عليه: أن في الآية حذفًًا، وهو خلاف الأصل. الآية الرابعة: قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [البقرة: 183]. والتشبيه فيها يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا فيه من تحريم الأكل، والجماع بعد النوم ليلة الصيام، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: {أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، ولكن لا يلزم أن يكون التشبيه بمن كان قبلنا في صيامهم، أن يكون من كل وجهٍ؛ بل يكفي أن يكون في أصل الصيام وفرضية، دون الكيفية وسائر الأحوال، وعلى هذا فلا تعارض، ولا نسخ، والراجح عدم نسخ. الآية الخامسة: قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ} [البقرة: 217]. هذه الآية تفيد حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد روى ابن جرير عن عطاء بن ميسرة: أنها منسوخة، بقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً} [التوبة: 36]، ونقل أبو جعفر النحاس، إجماع العلماء -عدا عطاء- على القول بالنسخ. وذهب الجمهور: إلى أن قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً} ، يفيد الإذن بقتال المشركين عمومًا، والعموم في الأشخاص يفيد العموم في الأزمان، وأيدوا ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، في شوال، وفي ذي القعدة، في السُّنة الثامنة من الهجرة، وهو شهرٌ حرام، فهذا يرجح أن حرمة القتال في الشهر الحرام، قد نُسِخَتْ بهذه الآيات. الآية السادسة: وهي أشهر آية في النسخ، وقد حضرت لشيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- فسألته عن اختلاف العلماء في النسخ، فقال: النسخ عليه علماء السلف، والآيات مشهورة، منها: قوله سبحانه: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]. فذكرها ليّ مشافهة، وذكر رأي السلف، وذكر رأي الجمهور الذي نرجحه في الآراء، هذه الآية منسوخة، بقوله سبحانه وتعالى: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]. عندنا آيتان هنا، الآية الأولى: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، والثانية: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}، أفادت الآية الأولى أن من تُوفي عنها زوجها يُوصى لها بنفقة عام، وسُكنى عام ما لم تخرج، فإن خرجت فلا حق لها، الثانية تفيد وجوب انتظارها أربعة أشهرٍ وعشرًا فقط، والوصية منسوخة بالميراث، والسُّكنى ثابتة عند قوم، ومنسوخة عند آخرين، بحديث: ((ولا سُكنى))، ولكن بين الآيتين نسخ. نلاحظ هنا، أن الآية المنسوخة هي رقم (240)، في سورة “البقرة”، والآية الناسخة قبلها في القراءة، وهي رقم (234)، في سورة “البقرة”، وهذا الترتيب في القراءة، ليس على ترتيب النزول، فالآية الناسخة هي التي نزلت متأخرة عن المنسوخة، وإن كان ترتيب القراءة على غير ذلك. وقال بعض العلماء: إن هذا تخصيصٌ لا نسخٌ. الآية السابعة: قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 284]، نسختها الآية التي بعدها: {لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]. ومعنى الآيتين: الآية الأولى: تفيد أن الله يحاسب العبد على خطرات قلبه في السر، كما يحاسبه على ما يظهره من قولٍ، وعملٍ، والثانية نسخت الحساب على الخطرات، وجعلت المؤاخذة للنفس على ما كسبت أو ما اكتسبت من قولٍ، أو فعلٍ. الآية الثامنة: في سورة “آل عمران”، وليس فيها إلا آية واحدة -وإن ترجح فيها عدم النسخ- وهي قوله سبحانه: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]. قال السيوطي: ليس في “آل عمران”، آية يصح فيها دعوى النسخ، إلا هذه الآية، والقائلون بنسخها، قالوا: إن ناسخها هو قول الله سبحانه: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ورجح الكثيرون عدم النسخ، وأنه لا تعارض بين الآيتين، فتقوى الله حق تقواه -المأمور بها في الآية الأولى- معناها: الإتيان بما يستطيعه المكلفون من أوامر الله وهدايته، دون خروج استطاعتهم، أو هو كما قال البعض: إن تقوى الله حق تقواه يختص بالعقيدة؛ حيث لا يُقبل فيها شائبة شرك، أما الثانية: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ففي سائر الأعمال، والتكاليف الأخرى، والفروع؛ حيث ورد: ((سددوا وقاربوا))، وعلى هذا، فالراجح عدم نسخ. الآية التاسعة: هي قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً} [النساء: 8]. قيل: إنها منسوخة بآيات المواريث، والظاهر أنها محكمة؛ لأنها تأمر بإعطاء أولي القربى، واليتامى، والمساكين -إذا حضروا قسمة التركة- شيئًا منها، والحكم باقٍ على سبيل الندب، ما دام هؤلاء غير وارثين، لكن تهاون الناس في العمل بها؛ وهو المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما، إذن فلا نسخ. الآية العاشرة: قوله تعالى: {وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]. وقد نسخها قوله سبحانه وتعالى: {وَأْوْلُواْ الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الأنفال: 75]، وكذا نظيرتها: {وَأُوْلُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ } [الأحزاب: 6]. الآية الحادية عشرة: قوله سبحانه وتعالى: {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً (15) وَاللّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ تَوّاباً رّحِيماً} [النساء: 15، 16]، نسختهما آية النور: {الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. هذا بالنسبة إلى غير المحصن، أما المحصن فحكمه الرجم، بما دلت عليه الأدلة الأخرى، وبعضهم قال: إن هذه الآيات محكمة لا نسخ فيها، ولاسيما أن الله عز وجل يقول: {أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً} [النساء: 15]؛ فالآيات الأخرى، في سورة “النور”، كأنها بيانٌ لهذا السبيل الذي جاء في الآية الأولى، فلا نسخ. الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2]، قيل: إن قوله: {وَلاَ الشّهْرَ الْحَرَامَ}، منسوخٌ بمقتضى عموم الآية: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً} [التوبة: 36]، وقد سبق هذا الحكم في الآية الخامسة، وأن الجمهور على النسخ وغيره على خلاف. الآية الثالثة عشرة: قوله سبحانه وتعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42]، قيل: إنها منسوخة، بقوله: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} [المائدة: 48]. وقيل بعدم النسخ، وأن الآية الثانية، متمّمة للأولى، فالرسول صلى الله عليه وسلم مخير -بمقتضى الآية الأولى- بين أن يحكم بينهم، وأن يعرض عنهم، فإذا اختار أن يحكم بينهم، وجب أن يحكم بما أنزل الله، بمقتضى الآية الثانية، والجمع بين الآيتين هكذا، يرجح عدم النسخ. الآية الرابعة عشرة: قوله سبحانه: {يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106]، فقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخٌ بقوله: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مّنكُمْ} [الطلاق: 2]. وقيل: لا نسخ بين الآيتين، فالأولى خاصة بحالة السفر، فإن نزل الموت بالإنسان وهو مسافرٌ، وأراد أن يوصي، فالإشهاد على الوصية يصح، ولو بشهادة عدلين من غير المسلمين؛ توسعة على المسافر، أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر؛ وهو الراجح. الآية الخامسة عشرة: قول الله سبحانه وتعالى: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ يَغْلِبُوَاْ أَلْفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]، منسوخةٌ بقوله تعالى: {الاَنَ خَفّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوَاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ} [الأنفال: 66]، وواضح أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من الأعداء، والآية الثانية أفادت الاكتفاء عند الثبات، ووجوب الثبات للواحد أمام الاثنين، إن زاد العدو عن اثنين. فهما حكمان متعارضان، والثانية ناسخة للأولى على الراجح. الآية السادسة عشرة: قوله سبحانه وتعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 41]، نسخت بآيات العذر: {لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]، وقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ} [التوبة: 122]، وقوله: {لّيْسَ عَلَى الأعْمَىَ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61]. الآية السابعة عشرة: قوله سبحانه وتعالى: {الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] ، نُسِخَتْ بقوله: {وَأَنْكِحُواْ الأيَامَىَ مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32]، والآية خبر بمعنى النهي، بدليل قراءة: “لا يَنكِحْ”، بالجزم، والقراءات يفسر بعضها بعضًا. وقيل: بعدم النسخ، والمعنى: أن الزاني المعروف بذلك، لا يستطيع أن ينكح إلا من على شاكلته، أو المشركة؛ لنفور المحصنات المؤمنات من زواجه، وكذلك المرأة المعروفة بالزنا، لا يرغب فيها إلا من كان كذلك، فهذا إخبار، فالراجح عند البعض النسخ، وعند آخرين عدم النسخ. الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ مّن قَبْلِ صَـلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مّنَ الظّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ} [النور: 58]، قيل: إنها منسوخةٌ، لكن لا دليل على النسخ، فالحق أنها محكمة، والآداب الاجتماعية فيها باقية، فهي ممّا يصون الأعراض من الانتهاك، ويحفظ الأنظار عن التطلع إلى العورات في أوقات الراحة، فالراجح عدم النسخ. الآية التاسعة عشرة: قوله سبحانه وتعالى: {لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدّلَ بِهِنّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الأحزاب: 52]. نسخها قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاّتِيَ آتَيْتَ أُجُورَهُنّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَيْكَ} [الأحزاب: 50]، وسبق أن أشرنا إلى أن هذا الموضع، من سورة “الأحزاب”، يشبه الموضع الذي في سورة “البقرة”، في آيتي العدة للمتوفى عنها زوجها؛ حيث نقرأ الآية الناسخة أولًا، ونقرأ الآية المنسوخة ثانيًا، لكن ترتيب الآيات أن الآية الناسخة نزلت متأخرة في كلا الموضعين. هنا في هذه الآيات، في سورة “الأحزاب”، لا يتم النسخ إلا على اعتبار تقدم الآية الأولى المنسوخة في النزول، وأن الله قد أحل لرسوله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ما كان قد حرمه من قبل. وهذا مرويٌّ عن عليٍّ، وابن عباس، وأم سلمة، وعائشة رضي الله عنهم والأحاديث أخرجها أبو داود، والترمذي -وهي صحيحةٌ- والنسائي، والحاكم، وصححها أيضًا كلٌّ منهما، وابن المنذر، ومنها: ((لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء إلا ذات محرم)). الآية العشرون: قول الله سبحانه وتعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12]. فإنها نُسِخَتْ بالآية بعدها: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 13]، والراجح النسخ. وقيل: لا نسخ، بحجة أن الآية الثانية بيانٌ للصدقة المأمور بها في الآية الأولى، وأنه يصح أن تكون الصدقة غير مالية من إقامة صلاة، وإيتاء زكاة… إلخ، لكن هذا فيه تكلف؛ فالراجح النسخ. الآية الحادية والعشرون: قوله سبحانه: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} [الممتحنة: 11]، قيل: نسختها آية الغنمية؛ وهي قوله سبحانه: {وَاعْلَمُوَا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مّن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ} [الأنفال: 41]. وحتى يتضح المعنى؛ فالآية الأولى أفادت أن زوجات المسلمين اللاتي ارتددن ورجعن ولحقن بدار الحرب، يجب أن يعطى أزواجهن مثل مهورهن من الغنائم التي يغنمها المسلمون، ويعاقبن العدو بأخذها، والآية الثانية تفيد أن الغنائم تُخمس أخماسًا -وليس فيها دفع هذا المهر الذي نصت عليه الآية الأولى- ثم تصرف كما رسم الشارع، إلا أنه يمكن الجمع بين الآيتين، بأن يُدفع أولًا من الغنائم مثل مهور هذه الزوجات المرتدات، اللاحقات بدار الحرب، ثم تُخمس الغنائم كما شرع الله؛ إذن فلا تعارض بين الآيتين، ولا نسخ؛ وهذا راجحٌ. الآية الثانية والعشرون: قوله سبحانه: {يَأَيّهَا الْمُزّمّلُ (1) قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (2) نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزَّمل: 1 – 4]؛ فإنها منسوخةٌ، بقوله في آخر السورة: {إِنّ رَبّكَ يَعْلَمُ أَنّكَ تَقُومُ أَدْنَىَ مِن ثُلُثَيِ الْلّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مّنَ الّذِينَ مَعَكَ وَاللّهُ يُقَدّرُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ عَلِمَ أَلّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزَّمل: 20]، وبيان ذلك، أن الآية الأولى أفادت وجوب قيامه صلى الله عليه وسلم من الليل نصفه، أو أنقص منه قليلًا، أو أزيد عليه، أما الثانية فقد أفادت أن الله تاب على النبي، وأصحابه في هذا؛ بأن رخص لهم ترك القيام، ورفع عنهم التبعة في هذا الترك، فالحكم الثاني، رافعٌ للحكم الأول ناسخٌ له، وقيل في هذه الآية: إن آخرها قد نُسِخَ بالصلوات الخمس. وبهذا ننتهي مما اشتهر من آيات النسخ، والحقيقة ليس هناك غيرها يمكن أن يكون فيها تحقيقٌ للنسخ، وبالدراسة والتحقيق يمكن أن ينخفض هذا العدد إلى ما دون النصف، وقد مضى في كل آية ما يترجح فيها من النسخ وعدمه؛ فهذه الآيات، ربما ينزل العدد المترجح للنسخ فيها إلى تسع آيات، هي: الثانية، والثالثة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والخامسة عشرة، والتاسعة عشرة، والعشرون، والثانية العشرون.  

error: النص محمي !!