Top
Image Alt

بيان أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى، وهي توقيفية، وأنها أعلام وأوصاف.

  /  بيان أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى، وهي توقيفية، وأنها أعلام وأوصاف.

بيان أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى، وهي توقيفية، وأنها أعلام وأوصاف.

1.بيان أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى:

أ. معنى الحسنى:

معنى الحسنى التي على وزن “فعلى”: مؤنث الأحسن، كالكبرى تأنيث الأكبر، قال ابن منظور -رحمه الله-: وتأنيث الأحسن بالحسنى كالكبرى والصغرى تأنيث الأكبر والأصغر؛ ولذلك قال ابن الوزير -رحمه الله-: “واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحسن؛ فإن جمع الحسن الحسان والحسنة، أما هذه الحسنى فأسماء الله تعالى التي لا تحصى كلها حسنى، أي: أنها أحسن الأسماء، وهو مثل قول الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الروم: 27] أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونعوته لله سبحانه وتعالى فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء لا أن تكون حسنة وحسان، وكم بين الحسن والأحسن من التفاوت العظيم عقلًا وشرعًا ولغةً وعرفًا.

وابن الوزير -رحمه الله- يبين أن أسماء الله عز وجل أحسن الأسماء، وأنها يقال لها الحسنى كما سأوضح ذلك من خلال الآيات التي وردت في كتاب الله عز وجل والحسنى هنا جمع لكلمة الأحسن وهو “أفعل”، وأفعل التفضيل يدل على أن شيئين اشتركا في أمر وزاد أحدهما على الآخر فيه؛ فالأحسن والحسن اشتركا في الحسن ولكن الأحسن أولى وأفضل وأعلى من الحسن؛ ولذلك فأسماء الله عز وجل كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن الغاية والتمام والكمال، وهي أعظم وأعلى وأرفع وأفضل الأسماء؛ فالله عز وجل له الكمال الأعظم من كل وجه عز وجل.

ب. الآيات الدالة على أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى:

ورد في القرآن الكريم وصف أسماء الله بالحسنى في أربعة مواضع:

الموضع الأول: ما جاء في قول الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} [الأعراف: 180].

الموضع الثاني: ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110].

الموضع الثالث: ما جاء في قول الله عز وجل: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [طـه: 8].

الموضع الرابع: ما جاء في قول الله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الحشر: 24].

وهذه الآيات كلها تدل على أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى، وهذا المنهج القويم الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهذه الآيات فيها دلالة قاطعة على أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى؛ لأنها دلت على أحسن المعاني وأكمل الصفات التي يتصف بها رب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

جـ. بيان وجه الحسن في أسماء الله عز وجل:

الحسن في أسماء الله تعالى جاء من وجهين:

الوجه الأول: لدلالتها على مسمى الله؛ لأنها دلت على مسمى الله سبحانه وتعالى فكانت حسنى لدلالتها على أعظم وأحسن وأجل وأقدس مسمى وهو الله عز وجل لأنه لا أحسن ولا أعظم ولا أجل من ذات رب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

الوجه الثاني: أنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالًا ولا تقديرًا، وفي ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: “أسماؤه سبحانه وتعالى كلها أسماء مدح وثناء وتمجيد؛ ولذلك كانت كلها حسنى”.

وقال -رحمه الله-: “أسماء الرب سبحانه وتعالى دالة على صفات كمال؛ فهي مشتقة من الصفات؛ فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى؛ إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح وكمال”.

والحسن في أسماء الله عز وجل يكون باعتبار كل اسم على انفراده؛ فاسم الله عز وجل “الحي” متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.

و”الرحمن” اسم من أسماء عز وجل متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الهدي والرحمة صلى الله عليه وسلم: ((لله أرحم بعبادة من هذه بولدها)) -يعنى: أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته بصدرها وأرضعته- هذا الاسم –”الرحمن”- يدل على هذه الرحمة؛ فهو متضمن للرحمة الكاملة لله عز وجل ومتضمن أيضًا للرحمة الواسعة التي قال ربنا عنها سبحانه وتعالى في كتابه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7].

فالحسن في أسماء الله عز وجل يأتي على انفراد كل اسم على حده، وكذلك يكون أيضًا باعتبار جمعه إلى غيره؛ فيحصل بجمع الاسم إلى الاسم الآخر كمالٌ فوق كمال. فـ”العزيز الحكيم” اسمان لله عز وجل مجموع ومقرون بينهما في كتابه، ويرد ذلك كثيرًا في القرآن الكريم؛ فكل منهما دالٌّ على الكمال الخاص الذي يقتضيه -وهو العزة في “العزيز” والحكمة في “الحكيم”- فكل اسم على معناه حين يفرد، أما حين يجمع بينهما؛ فإن هذا الجمع يدل على كمال فوق كمال، وهو أن عزة الله سبحانه وتعالى تكون مقرونة بالحكمة؛ فهو عز وجل عزته لا تقتضي ظلمًا ولا جورًا ولا سوء فعل كما قد يقع ممَّن يوصفون في الدنيا بأنهم أعزاء ولكنهم يفتقدون الحكمة؛ أما الله عز وجل فهو العزيز الحكيم؛ فاقتران العزيز بالحكيم دل على كمال العز والحكمة بخلاف المخلوقين.

2. أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية لا يزاد فيها ولا ينقص:

أ. معنى الوقف في أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته:

معنى الوقف في أسماء الله سبحانه: وجوب الوقوف على ما جاء نصًّا في الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان، والاقتصار في هذا الباب على ذلك؛ فلا يجوز أن نسمي الله عز وجل باسم من عند أنفسنا؛ لأن أسماء الله سبحانه وتعالى أفضل وأحسن الأسماء، فلو أتى أحد باسم من عنده؛ فمن أدراه أن هذا الاسم حسن؟! ولا يخفى أن فتح هذا الباب سيوقع الإنسان في الخطأ والشك فيه.

وقد دارت محاورة بين الإمام أبي الحسن الأشعري -رحمه الله- وبين شيخه أبي علي الجبائي الأشعري -رحمه الله- بشأن هذه القضية:

فقد نشأ أبو الحسن على مذهب المعتزلة وتربي في حجر زوج أمه إلى أن بلغ سن الأربعين، وهداه الله عز وجل ورجع إلى الحق تدريجيًّا، فقد قال أولًا بقول الكُلَّابية -عبد الله بن سعيد بن كلاب-، ثم بعد ذلك التقى بتلامذة الإمام أحمد -رحمه الله- فمحص طريقته ورجع إلى منهج السلف القويم في أصول الدين.

لما رجع الأشعري -رحمه الله- إلى مذهب السلف في أصول الدين؛ ناقش وناظر شيخه في مسائل؛ من هذه المسائل: المناظرة التي حصلت بينهما في أسماء الله سبحانه وتعالى:

ذلك أنه دخل رجل على الجبائي وسأله: هل يجوز أن يسمى الله سبحانه وتعالى “عاقلًا”؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من “العقال” وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال؛ فامتنع الإطلاق، فقال له الشيخ أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-: فعلى قياسك؛ لا يمسى الله سبحانه وتعالى “حكيمًا” لأن هذه الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

فنحكم بالقوافي من هجانا


*ونضرب حين تختلط الدماء



وقول آخر:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم

*إني أخاف عليكم أن أغضب

أي: نمنع بالقوافي من هجانا وامنعوا سفهاءكم. فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع والمنع على الله تعالى محال؛ لزمك أن تمنع إطلاق “حكيم” عليه سبحانه وتعالى قال الأشعري: انقطع الجبائي عن المعتزلة عند هذه المسألة ولم يحرِ جوابًا –يعنى: لم يستطع أن يجيب- ثم قال له الأشعري موضحًا هذه المسالة: أنا منعت أن يسمى الله سبحانه “عاقلًا” وأجزت أن يسمى الله سبحانه وتعالى “حكيمًا”؛ لأن طريقي في مأخذ أسماء الله عز وجل الاسم  الشرعي دون القياس اللغوي؛ فأطلقت “حكيمًا” لأن الشرع أطلقه ومنعت “عاقلًا”؛ لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته”.

فيجب علينا أن نقف في أسماء الله سبحانه وتعالى وأن نقف عند حدود النص الوارد في ذلك لا نتعداه ولا نتدخل في ذلك بعقولنا.

ب. الأسباب الداعية لسلوك هذا المنهج:

السبب الأول: أن مخالفة هذا المنهج قول على الله بغير علم ورجم بالغيب وتقوُّلٌ على الله عز وجل وقد حرم الله سبحانه وتعالى هذا وعده من الجرائم العظام وإذا كان البشر لا يرضون أن يسموا بغير أسمائهم؛ فكيف يجوز هذا في حق خالق البشر؟! .

السبب الثاني: أن مخالفة هذا النهي تقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد نهينا عن التقديم بين يدي الله سبحانه وتعالى ورسوله؛ وكيف يجيب العبد إذا حاسبه ربه يوم القيامة عن وصفه سبحانه وتعالى بما لم يصف به نفسه؟!.

السبب الثالث: أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى؛ ومهما اجتهد العبد فقد لا يوفق على التعرف على الاسم الأحسن الذي يستحقُّه ربُّ العزة والجلال؛ وبالتالي يجب عليه أن يقف عند حدود النص.

لهذه الأسباب مجتمعة -وهي أسباب وجيهة- يجب أن نقف عند حدود النص.

جـ. فقه علماء أهل السنة لهذه القضية:

فقِهَ سلفُ هذه الأمة الصالحون من أهل السنة والجماعة مسألةَ توقيفيَّةِ أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته؛ ولذلك قالوا: إن أسماء الله عز وجل وصفاته توقيفية؛ يقول ابن القيم -رحمه الله-: “ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات توقيفي” أي: موقوف على حدود النص.

وذكر ذلك ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- فقال: قال الفخر: “المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية”.

وقال أبو القاسم القشيري: “الأسماء تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع”.

ولذلك قال السفاريني -رحمه الله- في منظومة (الدرة البهية عن أسماء الله الحسنى):

لكنها في الحق توقيفية

*لنا بذا أدلة وفية

ثم قال في شرحه: “الجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا”. وجوزه المعتزلة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “القول الشامل في جميع باب أسماء الله وصفاته: أن يوصف الله عز وجل بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث”.

ثم نقل ذلك عن الإمام أحمد -رحمه الله- فقال: “لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم”.

وبناء على ذلك لا يجوز لنا أن نشتق لربنا أسماء مما أخبرنا الله به عن نفسه؛ فلا يقال مثلًا: بأن من أسماء الله تعالى المفتي، أو الزارع، أو الماكر، أو ما إلى ذلك استنادًا إلى قول الله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُون} [الواقعة:63] أو {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء: 127] أو {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون} [الواقعة:64] إلى غير ذلك؛ لأن الله عز وجل لم يسمِّ نفسه بذلك، ونحن نقف عند حدود النص الوارد في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

د. عدم جواز دعاء الله بغير أسمائه وصفاته:

أمرنا الله أن ندعوه بأسمائه الحسنى و دعاء الله عز وجل بأحسن أسمائه من أسباب قبول الإجابة؛ وبالتالي فإنه لا يجوز أن يدعى الله سبحانه وتعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العلى الثابتة له بالكتاب والسنة؛ لأنه كما جاء في الحديث: ((الدعاء هو العبادة))، وهناك أدلة قرآنية على أن الدعاء عبادة منها: قول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} بعدها: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [غافر: 60] هذه الآية تقرر أن الدعاء عبادة، حيث أمر الله سبحانه وتعالى فيها أن ندعوه فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} مقتضى السياق في غير القرآن: “إن الذين يستكبرون عن دعائي”؛ لأن المطلوب دعاء ولكنه قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} فأحل كلمة العبادة محل الدعاء مما دل ذلك على أن الدعاء عبادة.

ولا يتقرب إلى الله بغير ما شرع الله سبحانه وتعالى وفي ذلك يقول الزجاج فيما نقله عنه الإمام ابن العربي المالكي -رحمه الله-: “لا يجوز دعاء الله عز وجل بما لم يصف به نفسه”.

وقد جعل ابن العربي -رحمه الله- الزيادة في أسماء الله الحسنى من الإلحاد المنهي عنه في قوله عز وجل: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ}؛ لأن الله بعد ما أمر بأن ندعوه بأسمائه الحسنى حين قال: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}؛ عقب على ذلك بقوله عز وجل: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} فمن يأتي باسم أو يدعو اللهعز وجل باسم غير وارد في القرآن الكريم والسنة النبوية، زيادة من عنده يكون قد وقع في الإلحاد المنهي عنده؛ ولذلك يقول ابن العربي: “والإلحاد يكون بالزيادة فيها والنقصان منها كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون الله فيها بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره الله من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به فحذارِ منها”.

3. الأدلة على أن أسماء الله توقيفية:

أ. أدلة من القرآن على أن أسماء الله توقيفيَّة:

الدليل الأول: قال الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} هذه الآية دلت على أن أسماء الله توقيفية من وجهين:

الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى قال فيها: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء} فكلمة: {الأَسْمَاء} معرفة بأل وهي هنا للعهد؛ فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة، ولا معروف في ذلك إلا ما نص عليه كتاب ربنا أو جاءنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: قوله عز وجل: {الْحُسْنَى} فقد وصف الله عز وجل لأسمائه بالحسنى؛ فهذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها؛ فلا يجوز بحال من الأحوال أن نُدخل في أسماء الله عز وجل ما ليس منها.

الدليل الثاني: ما جاء في قول الله عز وجل تتمة هذه الآية: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون}.

قال الإمام البغوي -رحمه الله-: “قال أهل المعاني الإلحاد في أسماء الله تعالى: تسميته ما لا يسمى به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم”.

وقال ابن حجر -رحمه الله-: “قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة”. وأنا نقلت هذين القولين من هؤلاء الأئمة الأعلام -رحمهم الله تعالى- لأدلل بأنهم فهموا من أن الزيادة في أسماء الله وصفاته هو من الإلحاد المنهي عنه في كتاب الله عز وجل وقوله عز وجل: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} أي: ذروا من لا يتوقفون على ذلك عند حدود النص الوارد في كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثالث: ما جاء في قول الله عز وجل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، وهذا الدليل نفهمه على ضوء ما قرره فيه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث يقول: “ومن جعله تسبيحًا للاسم يكون المعنى: إنك لا تسمي به غير الله ولا تلحد في أسمائه؛ فهذا ما يستحق اسم الله عز وجل”، فإذا فسرت الآية بهذا الوجه؛ يكون فيها دليل على ما سبق في الآية التي قبلها من اعتبار أن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه من أنواع الإلحاد في أسماء الله عز وجل الذي يجب على المسلم أن ينتهي عنه وأن يقف في ذلك على ما جاءه عن الله سبحانه وتعالى.

ب. أدلة السنة النبوية:

النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أعرف الناس بالله عز وجل وأعلم الناس بالله سبحانه وتعالى وقد بيَّن لأمته كل ما تحتاج إليه، وكان صلى الله عليه وسلم يثني على الله سبحانه وتعالى بما يليق بجلال الله وكماله سبحانه وتعالى.

وقد ذكر في بعض أحاديثه ما يستفاد منه أنه يجب الوقوف عند حدود النص الوارد عنه صلى الله عليه وسلم أو عند النص الوارد في كتاب الله عز وجل.

الدليل: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقد أخرجه الإمام أحمد في (المسند) وابن حبان والحاكم في (المستدرك) والطبراني في (الكبير): يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أصاب عبد قط همٌّ ولا غمٌّ ولا حَزَنٌ فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك؛ أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك…)) إلخ.

الشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك))، فهذا المقطع من الحديث شاهد ودليل على أن أسماء الله عز وجل توقيفية ويجب أن نقف فيها عند حدود النص؛ لأنه قال: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك)) مما يبين أن الذي سمى نفسه هو الله عز وجل فلا يحق لأحد من المخلوقين أن يسمي الله عز وجل بما لم يذكره لنا ربنا في كتابه أو لم يبينه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم في سنة؛ ولذلك يقول ابن القيم -رحمه الله- تعليقًا على هذا الحديث: “فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من أفعال الآدميين وتسمياتهم”.

كذلك في نفس الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك))، ((أو)) هنا حرف عطف والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام؛ فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده؛ فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام؛ فوجه الكلام إذًا أن يقال: “سميت به نفسه فأنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك”.

الخلاصة: أن هذا باب عظيم لا يجوز بحال أن يخوضه الإنسان إلا أن يقف فيه على ما جاءه عن الله سبحانه وتعالى ومن ذلك ما قررته من أن أسماءه الله عز وجل توقيفية لا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأنها أحسن الأسماء وأكمل الأسماء وأعلى الأسماء وأشرف الأسماء والله سبحانه وتعالى أعلم بما وصف نفسه به ، ونحن لا نعتقد في الله إلا ما قاله رب العزة سبحانه وتعالى.

4. المخالفون للحق في مسألة التوقيف في أسماء الله سبحانه وتعالى:

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن الناس متنازعون: هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يرَد بإطلاقه نص ولا إجماع؛ أم لا يطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا؟ على قولين مشهورين؛ حيث قال:” فعامة النظاَّم -ويعني بهم: علماء الكلام- يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ القديم والذات… ونحو ذلك، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها وبين ما يخبر عنه به للحاجة؛ فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].

وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها!… ونحو ذلك؛ فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء! فقيل: بل هو شيء، فهذا سائر وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح”.  هذه مقدمة لهذه المسألة ذكرتها من كلام ابن تيمية -رحمه الله- وتفصيل ذلك بذكر

مواقف الفرق المختلفة والمخالفة للحق في هذه المسألة:

أ. موقف المعتزلة:

وقد ذكر البغدادي -رحمه الله- أن المعتزلة البصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس؛ فمعتزلة البصرة رأوا استخدام القياس في أسماء الله عز وجل ولذلك قال عنهم أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-:  “واختلفت المعتزلة: هل يجوز أن يسمى الباري عالمًا من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأتِه السمع من قِبَل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين: فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمى الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميًعا بصيرًا متى استدل على معنى ذلك، وأنه يليق بالله وإن لم يأتِ به رسول، وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن يسمى الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء”.

ب. موقف الأشاعرة:

وأما عن الأشاعرة؛ فإن جمهور الأشاعرة مع أهل السنة في كون أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية بمعنى أنها موقوفة على النص الوارد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة، غير أن القاضي الباقلاني -رحمه الله- وهو من أئمة الأشاعرة، لا يشترط التوقيف، واشترط أمرين آخرين هما:

الأمر الأول: أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.

الأمر الثاني: ألا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى.

علي أن الجويني -رحمه الله- وهو أيضًا من علماء الأشاعرة توقف في هذه المسألة؛ فهو يرى أن الجواز وعدم الجواز حكمان شرعيان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأتِ الشرع بشيء من ذلك؛ ولهذا قال بالتوقف،  وقد ذكر ذلك عنه السفاريني -رحمه الله- في (جوامع الأنوار البهية) الجزء الأول، الصفحة الرابعة والعشرون بعد المائة؛ حيث قال: “الجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا وجوزه المعتزلة مطلقًا ومال إليه بعض الأشاعرة؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني وتوقف إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- . إذًا كلام السفاريني -رحمه الله- جمع بين قول أهل السنة والصواب والحق في هذا، ثم ذكر بعد ذلك قول المعتزلة وقول الأشاعرة.

جـ. موقف الكَرَّامِيَّة:

ولعله من الفائدة أن أذكر أيضًا قول طائفة الكرامية في ذلك.

والكرامية أتباع محمد بن كرَّام السجستاني، وهم مشبهة؛ حيث أن الرازي -رحمه الله- أيضًا قال عنهم: إن اللفظ إذا دل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه وتعالى جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله، سواء ورد التوقيف به أم لم يرد.

ولا شك أنهم بهذا موافقون للمعتزلة في ذلك، ولا شك أيضًا أن هذه الفرق كلها مخالفون للحق ولأهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ ومخطئون غاية الخطأ لأن هذا الباب لا يدخله القياس.

ومَن يتكلم فيه بغير علم؛ فهو يتكلم على الله سبحانه وتعالى بما لا يعلم، وهذا من الخطورة بمكان؛ لأنه ليس هناك بأعلم بالله من الله عز وجل ولهذا نحن مطالبون -ونحن نؤمن بالغيب- أن نقف عند حدود ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به.

5. أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى أعلام مترادفة وأوصاف متباينة:

أ. بيان أن أسماء الله سبحانه وتعالى لها اعتباران:

أسماء الله عز وجل لها اعتباران:

الأول: اعتبار من حيث الذات.

الثاني: اعتبار من حيث الصفات.

فهي “أعلام” باعتبار دلالتها على الذات، و”أوصاف” باعتبار ما دلت عليه من المعاني. وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالته على مسمى واحد هو الله عز وجل،  وهي بالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص به.

فالحي، والعليم، والقدير، والسميع، والبصير… وغير ذلك من أسماء الله عز وجل كلها أسماء حسنى لمسمى واحد وهو الله عز وجل، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، ومعنى السميع غير معنى البصير… وهكذا؛ فهي أسماء لمسمى واحد فهي بهذه المثابة دالة على الذات.

أما حينما تدل على معاني وأوصاف؛ فهي متباينة؛ لأن كل اسم  منها يدل على معناه الخاص به، وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن الكريم على ذلك؛ قال الله عز وجل: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}    [يونس: 107]، وقال سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، وأجمع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج فيه إلى دليل.

وبهذا عُلِم ضَلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، وساقوا عللًا عليلة في هذه المسألة، وهي أنهم خافوا من تشبيه الله عز وجل بالمخلوقات أو تعدد الذات بتعدد الصفات؛ كما زعموا –باطلًا- بدلالة السمع والعقل؛ فالسمع وصفَ الله عز وجل بأن له صفات كثيرة مع أنه سبحانه وتعالى الواحد الأحد، ومع أنه واحدٌ أحدٌ إلا أن القرآن الكريم ذكر لهذا الواحد الأحد صفات كثيرة متعددة منها مثلًا قول الله سبحانه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيد * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُود * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد} [البروج:12- 16].

فهذه كلها أوصاف كثيرة لموصوف واحد وهو الله عز وجل ولا يلزم من ثبوتها تعدد القدماء كما زعم من زعم في إنكار صفات الله سبحانه وتعالى لأنهم قالوا: إن قلنا بأن الصفات قديمة وأثبتناها لله سبحانه؛ فيتعدد القدماء بناء على ذلك. وقالوا أيضًا: إن قلنا بأنها حادثة؛ كفرنا، فهذا دعاهم إلى أن ينفوا صفات الله سبحانه وتعالى وكما ذكرت أدلة القرآن الكريم التي وصفت الإله الواحد الأحد بأوصاف كثيرة تدل على أن ما استندوا إليه كلام باطل لا أساس له من الصحة؛ بل إن المخلوق -وأين المخلوق من الخالق عز وجل يتصف بصفات مختلفة متعددة ومع هذا يكون واحدًا.

فاللهُ عز وجل قال في الوليد بن المغيرة: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر:11] وصفه: {وَحِيدًا}، وهذا الوحيد لا شك أنه يسمع ويبصر… وما إلى ذلك من الصفات القائمة به.

والعقل أيضًا يؤيد هذا؛ فحيث أن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من أثبتها أن نقول له: إنك عددت من أثبت له هذه الصفات؛ فهي صفات قائمة بالله سبحانه وتعالى وهو موجود عز وجل وكل موجود فلا بد له من تعدد الصفات؛ وكلما كثرت الصفات الحسنة القائمة بالذات؛ دلت على كمال الذات، غاية الأمر أن نسلم لما ورد في ذلك في كتاب الله وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ب. بيان أن الوصف بها لا ينافي العلمية:

الوصف بأسماء الله الحسنى لا ينافي عَلَمِيَّتَهَا كوْن ربنا سبحانه وتعالى يوصف بالصفات التي دلت عليها هذه الأسماء؛ والأسماء –كما قلنا- لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات,

ولا يتنافي وصف الله سبحانه وتعالى بما ثبت له من أسماء علمية الاسم؛ فأسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه سبحانه وتعالى.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- هذه المسألة فقال: “أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه  صلى الله عليه وسلمهي أعلام دالة على معانٍ هي بها أوصاف؛ فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين؛ فالله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ المصور القهار؛ فهذه أسماء له داله على معاني هي صفاته سبحانه وتعالى”.

جـ. أقسام أسماء الله سبحانه وتعالى باعتبار معانيها ترجع إلى أحد الأمور التالية:

الأمر الأول: ما تدل عليه الأسماء من صفات معنوية، فأسماء الله سبحانه وتعالى باعتبار معانيها ترجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم والقدير، والسميع، والبصير، فاسم الله “العليم” يرجع إلى صفة معنوية: وهي العلم، و”القدير” اسم لله سبحانه وتعالى يرجع إلى صفة معنى ألا وهي القدرة… إلخ.

الأمر الثاني: ما يرجع إلى أفعال الله عز وجل كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور، والوهاب… وما إلى ذلك؛ فالخالق اسم من أسماء الله عز وجل ويرجع إلى الخلق، والخلق فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى…

الأمر الثالث: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدد المحض؛ كالقدوس، والسلام، والأحد؛ فهذه الأسماء ترجع إلى تنزيه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون كأحد المخلوقين، وفيها إثبات كمال مطلق لله عز وجل والقدوس يدل على ذلك، والأحد يدل على ذلك؛ فهذه الأسماء رجعت إلى تنزيه محض وهي متضمنة لثبوت الكمال المطلق لله عز وجل.

الأمر الرابع: ما يدل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة يدل على جملة أوصاف عديدة ولا يختص بصفة معينة، يعنى الاسم الواحد يدل على جملة أوصاف، وذلك مثل: المجيد، العظيم، الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا؛ فإنه موضوع السعة والكثرة والزيادة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد} [البروج:15] فالمجيد صفة للعرش؛ لسعة وعظمة هذا العرش وشرفه، فاسم المجيد دل إذًا على أوصاف متعددة؛ كذلك اسم الله العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل فيه سؤدده، وقال ابن وائل: “هو السيد الذي انتهى سؤدده”، وقال عكرمة: “الذي ليس فوقه أحد”، وهكذا قال الزجاج وابن الأنباري وما إلى ذلك.

6. الأدلة على أن أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام وأوصاف:

قال المخالفون للحق في أسماء الله سبحانه وتعالى: إن أسماء الله مترادفة فقط ولا تدل على معانٍ ولا تضيف شيئًا يرجع حكمه إلى الله عز وجل، وهذا الكلام الباطل يدعونا إلى أن نتوسع في ذكر الأدلة التي تؤيد منهج أهل السنة والجماعة في أن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف:

أولًا: الأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية:

تنوعت دلالة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في إثبات هذه المسألة تنوعت وكثرت، وتعددت الوسائل والطرق التي ثبتت بها هذه الدلالة من ذلك أنه:

أ. يخبر الله سبحانه وتعالى بمصادرها ويصف نفسه بها:

إن الله عز وجل يخبر بمصادر هذه الأسماء، ويصف نفسه بها، وهذا دليل على أن هذه الأسماء كما أنها هي أعلام هي أيضًا صفات، والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة، ومن القرآن ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد}  [الشورى: 19] وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} [الذاريات: 58]، وقال سبحانه وتعالى: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]؛ فعلم بذلك أن القوي من أسمائه، معناه: الموصوف بالقوة، وكذلك العزيز من أسماء الله عز وجل لما قال: {وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيز} فالعزيز من أسماء الله سبحانه، هو موصوف بالعزة؛ ولذلك قال: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]؛ فالقوي إذًا من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لما يسمى قويًّا ولا عزيزًا، ولما اشتققنا منها أسماء لله سبحانه وتعالى ولذلك أحسن من قال: “وعند فقد الوصف لا يشتق”: أي: إذا انعدمت الصفة عن شي لا يمكن أن يُشتق اسم من هذه الصفة، وقال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [يونس: 107]، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} [الرعد: 6]، وقال سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]؛ فالغفور سبحانه وتعالى هو المتصف بالمغفرة، والرحيم هو المتصف بالرحمة… وهكذا.

ومن السنة النبوية المطهرة ما يؤيد ذلك؛ حيث إن الله عز وجل أخبر بمصادر الأسماء ووصف نفسه بها؛ كذلك جاء في السنة النبوية المطهرة ما يؤيد هذا المعنى الذي فهمناه من كتاب الله عز وجل ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه)) فهنا أثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه البصير يعنى الله عز وجل قال ما انتهى إليه بصره من خلقه؛ فأثبت المصدر النبي صلى الله عليه وسلم حيث ذكر مصدر الصفة والذي اشتققنا منه اسم البصير لله سبحانه وتعالى.

ومثل هذا المفهوم ما جاء أيضًا في (صحيح البخاري) في صفة السمع وذلك في حديث أم المؤمنين عائشة  أنها قالت: “الحمد الله الذي وسع سمعه الأصوات”: فأثبتت المصدر الذي اشتق منه اسم الله سبحانه وتعالى “السميع” فقالت: “وسع سمعه…”.

ب. أخبر الله سبحانه وتعالى عن الأسماء بأفعالها:

أيضًا أخبر الله سبحانه وتعالى عن الأسماء بأفعالها مما يعني أنه أخبر عن الأسماء بحكم الصفة التي اشتققنا الاسم منها، وتأمل في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [المجادلة:1]، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طـه: 46]، وقال سبحانه وتعالى: {وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُون} [النحل:19] وقال عز وجل: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]؛ فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها؛ فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد؛ كما جاء في الآيات السابقة؛ فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها؛ فإذا انتفى أصل الصفة؛ استحال ثبوت أصل هذه الصفة؛ فكون الله عز وجل يخبر عن هذه الأسماء بأفعالها والأحكام المتعلقة بهذه الصفة؛ فهذا دليل على أن أسماء الله أعلام وأوصاف.

جـ. الله يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه:

ولو لم يكن لأسماء الله معنى ودلالة ما علل ربنا سبحانه وتعالى أحكامه وأفعاله بمقتضى ودلالة ومعاني هذه الأسماء، وتأمل مثلًا في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] وقال سبحانه وتعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة:226، 227]؛ فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضا الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه بالمغفرة والرحمة وقال: {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} لما كان لفظ يسمع ومعنى يقصد، عقبه باسم السميع للنطق به، العليم بمضمونه؛ ولذلك قال أهل الجنة وهم يتمتعون -بإذن الله في الجنة- حينما يتمتعون بها كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى عنهم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور} [فاطر: 34] أي: لما صاروا إلى كرامة الله سبحانه وتعالى لمغفرته لذنوبهم ويشكرون الله عز وجل على إحسانه لهم يقولون: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور} وفي هذا معنى التعليل، أي: بمغفرته وشكره، وصلنا إلى دار كرامته؛ فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات؛ ولذلك قال الله عز وجل: {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء:147].

د. الله عز وجل يستدل على توحيده بأسمائه:

فنحن نستدل بأسماء الله عز وجل على توحيده سبحانه ونفي الشريك عنه؛ ولو كانت هذه الأسماء لا معنى لها ولا تحمل دلالة ولا يفهم منها شيء؛ لم تدل على ذلك، وإنما لما دلت الأسماء على توحيد الله عز وجل دلت على أنها كما هي أعلام هي أيضًا صفات، واستمع في ذلك ما قاله رب العزة والجلال حينما ذكر ما قاله هارون لعبدة العجل: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طـه: 90] وكقوله سبحانه وتعالى أيضًا في هذه القصة: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طـه: 98] وقال سبحانه وتعالى: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم} [البقرة: 163]؛ فتجد أن الله سبحانه وتعالى هنا يثبت لنفسه الألوهية، ويستدل عليها من خلال ما ثبت له من أسماء حسنى، كما في قوله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون} [الحشر:22، 23]؛ فسبح سبحانه وتعالى نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده واستحالة اثبات شريك لله سبحانه وتعالى.

ثانيًا: دليل الإجماع:

أجمع أهل اللغة والعرف على أنه لا يقال “عليم” إلا لمن له علم ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر بين لا يحتاج إلى دليل؛ وكذلك أجمع المسلمون كما ذكر في ذلك الشيخ ابن عثيمين في (القواعد المثلى) صـ8، قال: “أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته؛ انعقدت يمينه وكانت مكفرة؛ لأن صفات كماله التي اشتق منها أسماءه.

ثالثًا: دليل العقل:

كذلك أيضًا العقل يدل على أن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، وبيان ذلك: إنه يعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور دليل أن العقل يعرف الفرق بالضرورة بالبديهة بين هذه الأسماء، وأن كل اسم منها يدل على معنى يختلف عن المعنى الأخر، وإن العبد إذا قال: رب أغفر وتب علي إنك أنت التواب الغفور كان قد أحسن في مناجاة ربه وإذا قال: أغفر لي وتب علي إنك أنت  الجبار مثلًا أو المتكبر أو شديد العقاب لم يكن في ذلك محسنًا في مناجاة لله سبحانه وتعالى.

ومن دلالة العقل أيضًا: أن أقول: إنه من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمه لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه.

والثاني باطل قطعًا؛ فتعين الأول: وهو أن هذه الأسماء مستلزمه لثبوت معانٍ ثابتة لله سبحانه وتعالى.

7. أسماء الله سبحانه وتعالى لها دلالات تدل عليها:

أ. تعريف الدلالات وذكر أقسامها وأمثلة لها:

تنقسم الدلالة اللفظية إلى ثلاثة أقسام:

الأول: دلالة مطابقة.

والثاني: دلالة التضمن.

والثالث: دلالة الالتزام.

وذلك لأن الكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه، وإما أن يساق ليدل على بعض معناه، وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه، إلا أنه لازم له، ونطبق هذا الكلام على أقسام الدلالات التي ذكرتها الآن: وهي دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، دلالة الالتزام:

دلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة مطابقة، وسميت مطابقة للتطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.

ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة تضمن، وسميت دلالة تضمن لأن اللفظ قد تضمن معنى أخر إضافة إلى المعنى الذي فهم منه.

ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له تسمى دلالة التزام، وسميت دلالة التزام لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.

هذا التأصيل الذي ذكرته الآن يعني أقسام الدلالات اللفظية، وتعريف كل دلالة وهي: دلالة المطابقة، دلالة التضمن، دلالة الالتزام؛ دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على تمام معناه، دلالة التضمن: دلالة اللفظ على بعض معناه، دلالة الالتزام: أن يدل اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له.

ب. ذكر بعض الأمثلة الموضحة لهذه الدلالات:

أعتقد أن سياق الأمثلة لهذا ضروري فبالمثال يتضح المقال:

مثال دلالة المطابقة: قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] فلفظة البقرة هنا اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه وهو الحيوان المعروف؛ فأية بقرة كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل؛ ولكنهم شددوا على أنفسهم في طلب التعيين فشدد الله عليهم.

الشاهد من هذا: أن كلمة بقرة اسم جنس يدل على تمام المعنى، وهو الحيوان المعروف.

مثال لدلالة التضمن: كأن يقول إنسان مثلًا: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث، فنقول له مثلًا: بيِّن لنا أحكام الجد مع الأخوة، فإذا قال لنا: أنا لم أقل لكم إنني أعلم هذه الأحكام، بإمكاننا أن نقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث أنك عالم بأحكام الجد مع الأخوة، وقد فهمنا ذلك من كلامك عن طريق الدلالة التضمنية؛ يعنى: قوله بأنه على علم بالفرائض يتضمن أنه يعلم أي مسألة في الفرائض وفي المواريث إذا سئل عنها.

مثال لدلالة الالتزام: قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [التغابن: 14]، تأمل وجه الدلالة من هذا الدليل، كيف أنه يدل على دلالة التزام، ذلك أن قول الله عز وجل فيها: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنت عفوتم وصفحتم وغفرتم.

مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ ولكن يلزم من كونه غفورًا رحيمًا أن يكافئ أهل العفو والصفح والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التصريح للازمهما فقوله: {غَفُورٌ رَّحِيم} يدل على هذا المعنى بدلالة الالتزام كما ذكرت.

جـ. تطبيق الدلالات الثلاث على أسماء الله تعالى:

بعد أن قسمنا الدلالات اللفظية إلى: دلالة مطابقة، وتضمن، والتزام، نود أن نطبق الآن هذه الدلالات الثلاث على أسماء الله سبحانه وتعالى وابن القيم -رحمه الله- له في هذا كلام نفيس وجميل يقول فيه: “إن الاسم من أسمائه سبحانه وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة؛ فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم؛ فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة على الصفة ويدل على الصفة الأخرى باللزوم”.

الاسم من أسماء الله عز وجل كما يدل على ذات الله والصفة التي اشتق منها بالمطابقة يدل أيضًا على دلالتين أخريين وهي دلالة التضمن ودلالة اللزوم.

مثال ذلك:

“الخالق”: اسم يدل على ذات الله عز وجل لأن الخالق هو الله؛ فهو يدل على ذات اللهعز وجل وعلى صفة الخلق، والصفة قائمة بموصوف فتدل أيضًا على الموصوف وهو الله سبحانه وتعالى بالمطابقة؛ فاسم الله عز وجل “الخالق” يدل إذًا على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، هنا يتبين الأمر، فاسم الله سبحانه وتعالى الخالق لو دل على صفة الخلق وحدها هذا يدل عليه بالتضمن بمعنى أن اسم الله عز وجل تضمن أن الله سبحانه وتعالى يتصف بصفة الخلق ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام؛ لأن الخالق يلزم من أن يكون عليمًا وأن يكون قديرًا ويتصف بالعلم ويتصف بالقدرة بداية الالتزام وإلا لم يكن خالقًا؛ بل بصفة الإرادة أيضًا لأننا نشاهد من أنواع الخلق التخصيص والتخصيص يحتاج إلى إرادة؛ فدل ذلك على أنه يلزم من إثبات اسم الخالق للهعز وجل أيضًا إثبات العلم والقدرة والإرادة… وهكذا.

ومثلًا لو تأملت قول الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12]؛ ذلك لأن العلم والقدرة اللازمة للخلق؛ فلما قال: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} ذكر بعد ذلك: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} فلما ذكر الخلق ذكر العلم وذكر القدرة؛ لأنهما لازمان لهذا الاسم الخالق، ولأن الله يتصف بالخلق.

8. الأحكام المستفادة من هذه المسألة:

وعن الأحكام المستفادة من ذكرنا للدلالات وأنواعها وأقسامها، وأن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف وهي تدل على معانٍ وترشد إلى دلالات، وأسماء الله عز وجل فيها تضمن وفيها التزام… وما إلى ذلك، نقول:

 أ. بيان أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى:

ولا أعني الدهر بعينه، ولكن كل ما يمكن أن يطلق من أسماء جامدة لا تليق بجلال الله سبحانه وتعالى وكماله، ولكني ذكرت الدهر؛ لأن الحديث الوارد في ذلك قد يوهم لدى بعض طلاب العلم أن الله سبحانه وتعالى يسمى باسم الدهر، وليس كذلك؛ ولهذا أقول: من فقه القاعدة التي ذكرتها والأحكام التي تؤخذ منها وهي أن أقسام الله لها دلالات ومعان أن يعلم الطالب أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى، العلة في ذلك: أنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بأسماء الله الحسنى وأسماء الله -كما تقدم لنا- كل واحد منها يدل على معنى الذي نسميه صفة والاسم مأخوذ من هذه الصفة؛ فالاسم الذي لا يدل على معنى إذًا لا يعد من أسماء الله.

و”الدهر” اسم جامد وأيضًا “الدهر” اسم الوقت والزمن؛ قال الله عز وجل على منكر البعث: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} [الجاثـية: 24] يريدون: مرور الليالي والأيام.

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الاسم: “تنازع المسلمون في تسميه الله بالدهر؛ ففي (الصحيح) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يسب أحدكم  الدهر؛ فإن الله هو الدهر، ولا يقولن أحد للعنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم)).

وفي (الصحيح) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)).

وفي رواية أخري: ((يؤذيني ابن أدم يقول: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما)).

وهذه كلها ألفاظ ما جاء في (صحيح مسلم) فتبين لنا بذلك أن الدهر الذي هو الليل والنهار خلق له وبيده وأنه يجدده ويبليه؛ فامتنع أن يكون اسمًا لله عز وجل.

ب. الرد على من أنكر تضمن الأسماء الحسنى للصفات:

بعض الناس أنكروا أن أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى ليست مأخوذة من الصفات، وما تقدم إيراده من أدلة يجعلنا نوقن وندرك ضلال من نفى معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وقد وقع في ذلك المعتزلة؛ لأنهم زعموا أن أسماء الله عز وجل أعلام محضة لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به.

وما استندوا إليه من قبل من أن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء على معنى إن كل صفة قديمة وإذا أثبت كل صفة معينة قائمة بذاته كما يزعمون؛ فبهذا أثبت آلهة متعددين، وهذا كلام باطل سبق أن أشرت إلى بطلانه.

جـ. أسماء الله تعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى:

أيضًا من الأحكام التي نستفيدها من هذه المسألة التي ذكرتها -وهي أقسام الدلالات- أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى، وهي ليست من المتشابه كما يدعى بذلك بعض المبتدعة الذين يفوضون معاني هذه الأسماء بدعوى أنها من المتشابه؛ فهم يقولون بأن هذه الأسماء أعلام نقرؤها ولا تدل على معنى ولا نفهم منها حقائق؛ فهذا باطل؛ فهي أعلام محكمة معانيها معروفة في لغة العرب وغير مجهولة، وإن المجهول منها هو الكنه والكيفية، وهذا أمر وراء إثبات المعنى المعلوم؛ فنحن نثبت لله سبحانه وتعالى أسماءه ونعلم من معانيها ما عملنا الله عز وجل إياه، أما كنه هذه الأسماء وما دلت عليه من صفات، وما هي في نفس الأمر وكيفية الاسم وكيفية الصفة؛ فهذا لا علم لنا به .

وقد قال الزهري في ذلك -رحمه الله-: “من الله البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم.

د.أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور، وإن دلت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:

أسماء الله عز وجل إن دلت على وصفت متعد تضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.

الأمر الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله سبحانه وتعالى.

الأمر الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.

أما إن كان الاسم غير متعدٍّ فإنه يتضمن أمرين فقط:

الأمر الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.

والأمر الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله سبحانه وتعالى.

أمثلة على أن اسم الله عز وجل إن كان يدل على وصف متعدٍّ يتضمن ثلاثة أمور:

اسم الله عز وجل  “السميع”:

الأمر الأول: يتضمن إثبات اسم السميع لله سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: إثبات السمع صفةً لله عز وجل.

الأمر الثالث: إثبات حكم ذلك ومقتضاه: وهو أن الله سبحانه وتعالى يسمع السر والنجوى؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [المجادلة: 1]؛ فاسم الله السميع دل على هذه الأمور الثلاثة. وإثبات حكم ذلك ومقتضى هذا الأمر وهو أنه سبحانه وتعالى يسمع كل شيء يسمع السر والنجوى يسمع دبيب النمل… وما إلى ذلك.

أمثلة على أن الاسم غير المتعدي يتضمن أمرين فقط:

اسم الله عز وجل  “الحي”:

الأمر الأول: “الحي” اسم لله يتضمن أن نثبت لله سبحانه وتعالى اسم الحي.

الأمر الثاني: يتضمن إثبات الحياة صفةً لله عز وجل.

9. الحث على إحصاء أسماء الله الحسنى:

التعليق على حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة)):

أ. سياق الحديث الوارد في ذلك، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدة، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)) قد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، (فتح الباري) جـ11، صـ214، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة))، وزاد همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه وتر يحب الوتر)) وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب الذكر، باب: في أسماء الله  سبحانه وتعالى وفضل من أحصاها.

ب. ذكر معنى الإحصاء الوارد في الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحصاها دخل الجنة)) فما المراد بالإحصاء؟ أو ما معنى: من أحصاها؟:

قد ذكر الخطابي -رحمه الله- أربعة أوجه حول معاني من أحصاها:

المعنى الأول: العد كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجـن: 28] فيكون معنى أحصاها في الحديث أنه يعدها ليستوفيها حفظًا فيدعو ربه بها، وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة غير واحد، من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)).

قال الخطابي عند هذا الوجه: وهو أظهرها، وقال النووي -رحمه الله-: قال البخاري، وغيره من المحققين، معناها: حفظها، وهو الأظهر لثبوته نصًّا في الخبر وهو قول الأكثرين، وقال ابن الجوزي لما ثبت في بعض طرق الحديث من حفظها بدل من أحصاها: اخترنا أن المراد العد، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا.

ولعله من المناسب أن أذكر أن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- اعترض على هذا الوجه وقال: وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ من حفظها تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي.

المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله عز وجل: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أي: لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((استقيموا، ولن تحصوا)) أي: لن تطيقوا كل الاستقامة، وإن كان هذا الحديث ضعفه بعض العلماء لوجود انقطاع فيه، إلا أن الشيخ الألباني -رحمه الله- حسنه، فيكون معنى أحصاها في الحديث أي: يطيقها بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه وتعالى بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم، فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفةً لله عز وجل فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله عز وجل: {لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [الزمر: 53]، فإذا قال القائل أيضًا: السميع البصير، علم أن الله لا يخفى عليه خافية، وأنه بمرأى من الله ومسمع، فيخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله؛ ولذلك قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-” قيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال: الحكيم مثلًا، سلم جميع أوامره؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: القدوس، استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائص، قال الحافظ: وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل -رحمه الله- وقال ابن بطال: “طريق العمل بها: أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرن نفسه على أن يصح له الاتصاف بها”.

المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل، والمعرفة، وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة وهي: العقل، قال طرفة:

وإن لسان المرء ما لم تكن له

*حصاة على عوراته لدليل

فيكون معنى أحصاها أي: من عرفها وعقل معانيها يعني: فهمها وآمن بها دخل الجنة.

وهذا المعنى الثالث من الممكن أن يدخل تحت المعنى الثاني؛ لأن من عرف معاني هذه الأسماء والصفات، وما تضمنته من فوائد، وما دلت عليه من حقائق، لا شك أنه إذا قام ذلك بقلبه، قام بهذه المعاني عملًا بها، فيكون بذلك قد تحقق فيه المعرفة والفهم لأسماء الله الحسنى وصفات الله العلى ويكون بذلك قائمًا بأوامر الله عز وجل عاملًا بمقتضى هذه الأسماء، وما تدل عليه.

المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه، يقرأ القرآن حتى يختم القرآن، فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة؛ فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه؛ فقد استحق دخول الجنة، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وقيل: المراد بالحفظ: حفظ القرآن لكونه مستوفيًا لها، فمن تلاه دعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود، وقال النووي: -رحمه الله- هذا ضعيف، وقيل: المراد من تتبعها من القرآن.

هذه هي معاني الإحصاء التي ذكرها الخطابي -رحمه الله- وتناول بالجمع هذه الأقوال الأستاذ الدكتور محمد خليفة التميمي في كتابه (معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى) بعد هذه المعاني وذكر -رحمه الله-: ما هو الحق والصواب إذًا في معاني الإحصاء؟ وهل هذه المعاني الأربعة متداخلة؟ ولكي يكون الإنسان نائلًا ثواب الله عز وجل بدخول الجنة إذا أحصى أسماء الله الحسنى، هل يأتي بجميع هذه المعاني أو أن يكتفي بشيء منها؟ قال الدكتور التميمي -رحمه الله-:

والحق والصواب: أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها؛ فلا بد من الجمع بين الإحصاء النظري المتمثل: في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها، والإحصاء الفقهي المتمثل: في فهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها، والإحصاء العملي: الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها.

جـ. مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى:

هذه المراتب ثلاثة:

  1. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعدها أي: حفظها.
  2. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
  3. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال  سبحانه وتعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].
error: النص محمي !!