Top
Image Alt

بيان أن المرجع في الأصول والفروع هو الكتاب والسنة وفقَ فهم السلف

  /  بيان أن المرجع في الأصول والفروع هو الكتاب والسنة وفقَ فهم السلف

بيان أن المرجع في الأصول والفروع هو الكتاب والسنة وفقَ فهم السلف

1. وجوب تعظيم القرآن والسنة، والاعتماد عليهما في أمور الدين:

ينبغي علينا أن نعظم القرآنَ والسنةَ، وأن نعتمد عليهما فيما نحتاج إليه من أمور الدين.  ويشتمل على النقاط التالية:

  • بعض الأدلة التي توجب تعظيمَ القرآن الكريم والسنة النبوية:

ذلك أن الناس كانوا في جاهلية عمياء، فأرسل الله سبحانه وتعالى رسوله بالبينات والهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب والحكمة؛ فضلًا من الله سبحانه وتعالى ورحمةً، وكانَا -أي: الكتاب والحكمة،  ونعني بالحكمة هنا: السنة- معًا سببًا في إخراج الناس من الظلمات إلى النور كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى ذلك في كتابه: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد} [إبراهيم:1].

وقال عز وجل معظمًا القرآن والسنة، وداعيًا إلى وجوب العمل بهما، وسرعة الاستجابة لما جاء فيهما: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24].

 قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]، وهذه آية عظيمة جدًّا تدعو إلى وجوب الاعتصام والاعتماد على القرآن والسنة، وعدم الخروج عليهما، وتبين أنه ما يحق ولا يجوز لمؤمن أو مؤمنة إذا حكم الله حكمًا أو بَيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا فيما جاء من عند الله عز وجل أن يختار بعد أَمْر الله أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثل هذه الآية وهي قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ}آية عظيمة في بيان قدر الله -كتاب الله- وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب الرجوع إليهما والاحتكام إليهما في كل أمور الدين، وهي ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}  [النساء:65].

فهذه الآية الكريمة تنفي الإيمان عمن لا يحكم بما جاء في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم جاء عن الله؛ لأن الله قال فيه وفي شأنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وليس هذا فقط هو المطلوب، وإنما أن لا يكون في قلب المؤمن أدنى حرج من حكم الله أو حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} أي: يذعنوا إذعانًا لِمَا جاءهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والآيات في هذا المعنى كثيرة يضيق من المقام عن ذكرها بالتفصيل، وتكفي هذه الإشارة في بيان وجوب تعظيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الاعتماد عليهما في فهم الدين أمرٌ ضروري، ولا بد منه.

ب. وجوب الإيمان بجميع النصوص على ظاهرها، وترك التأويل:

يجب علينا أن نؤمن بجميع النصوص على ظاهرها وترك التأويل، يعني: نأخذ القرآنَ الكريم والسنة النبوية المطهرة على ما جاءنا وخاطبنا به ربنا سبحانه وتعالى بلغة العرب، وأن ندع التأويل في ذلك جانبًا.

ونقصد بأخذ النصوص على ظاهرها هنا: معرفة المدلول أو المفهوم من النص بمقتضى الخطاب العربي، وبما يشتمل عليه ظاهر اللفظ، والظاهر المراد الذي نعنيه هو ما احتمل معنًى راجحًا واحتمل معنًى واضحًا لا لَبْسَ فيه ولا غموض، فنحن نؤمن بجميع النصوص على ظاهرها؛ لأن المتكلم الذي يخاطب الآخرَ يجب عليه أن يبين له من خلال كلامه ما يحتاج إليه، ولا يوجد أصدق من الله عز وجل بيانًا ولا حديثًا.

وقد خاطبنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه بالقرآن الكريم الذي نزَلَ بلغة العرب، ونحن يجب علينا أن نفهمه على مقتضى لغة العرب، ولا نُعْمِلُ فيه العقولَ والأهواء، فَنَرُدَّ هذه النصوص أو نخوض فيها بتأويل، أو ما إلى ذلك؛ لأن الله عز وجل لو كان يريد غيرَ ما خاطبنا به، أو أن نفهم معنًى أو كلامًا مما خاطبنا ربنا سبحانه وتعالى به لحثه بقرائن ترشد وتشير وتدل إلى ما يريد.

والمتكلم الذي يريد أن يهدي الناس إلى الحق والخير، يجب عليه أن يبين لهم ما يريده سبحانه وتعالى بهم على وفق ما يعقلونه، وعلى وفق ما يفهمون.

ج. أقسام الناس تجاه نصوص الوحي:

انقسم الناس إلى أقسام متعددة تجاه نصوص الوحي الواردة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان ذلك كالتالي:

القسم الأول: قبلوه ظاهرًا وباطنًا -أي: قبلوا الوحي الإلهي كما جاء من عند الله عز وجل في الظاهر والباطن- وهؤلاء هم أهل الحق والفقه في الدين، سلموا لنصوص الوحيين -القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة- باطنًا فآمنوا بهما، واعتقدوا وعرفوا مكانتهما، ووجوب العمل بهما، ثم بعد ذلك قاموا بتنفيذ أحكامهما كما جاء من عند الله سبحانه وتعالى في الظاهر دون أن يتأولوا شيئًا منها، أو يصرفوا أيَّ نص عن وجهه كما جاء من عند الله سبحانه وتعالى فهذا هو القسم الذي ينجو-إن شاء الله تعالى- وكتَبَ له النجاة في الواقع والحقيقة في الدنيا والآخرة.

القسم الثاني: ردوه باطنًا وظاهرًا وكفروا به، وهؤلاء هم الكافرون الذين لم يقبلوا الوحي الإلهي الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى.

القسم الثالث: قبلوه ظاهرًا، وجحدوه باطنًا، وهؤلاء هم المنافقون الذين في الظاهر أمام الناس أو أمام الملأ أعلنوا إسلامَهم وإيمانهم، وتظاهروا أنهم مع الناس يشاركونهم في الظاهر في الصلاة في الصيام في العبادات، أما هم في الباطن فهم كافرون بالله سبحانه وتعالى.

القسم الرابع: قبلوه باطنًا، وجحدوه ظاهرًا، وهذه حالات نادرة جدًّا، ووقعت للمستضعفين، فالنجاشي مثلًا -رحمه الله-  قَبِلَ الإسلام باطنًا ولكنه -لأنه في بيئة كلها مشركة ليست على دين الإسلام، وكان هو وحدَهُ الذي يؤمن بالله عز وجل في هذه الأرض، فقبل الدينَ باطنًا- لم يعلنه ظاهرًا أمام هؤلاء الناس.

فالشاهد من أقسام الناس: أننا نعلي شأنَ القسم الأول، وهم مَن قبلوا الدين الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى قبلوه في الظاهر كما قبلوه في الباطن، وعملوا بالأحكام الواردة من عند الله عز وجل.

2. دلالة القرآن الكريم والسنة والإجماع على حجية السنة:

دلالة القرآن الكريم والسنة والإجماع على حجية السنة تشتمل على النقاط التالية:

أ. دلالة القرآن الكريم على حجية السنة:

القرآن الكريم دل في مواطنَ متعددةٍ مختلفة على حجية السنة، وذلك من وجوه أيضًا متعددة؛ منها: أن الله سبحانه وتعالى جعل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته الله سبحانه وتعالى وجعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، وذلك بنص كتاب الله سبحانه، قال عز وجل: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}   [النساء:80] كما أن الله عز وجل قَرَنَ طاعته سبحانه بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا فيه دَلالة على حجية السنة، وعلى وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله؛ وذلك لأن الله أمر بها وقرن طاعةَ رسولِه صلى الله عليه وسلم بطاعته. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء:59].

كما أفرد ربنا عز وجل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن وأمر بها، فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] هذا أمر بإفراد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.

ولذلك يحسن هنا أن نشير إلى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لَمَّا ذكر: “أن الله سبحانه وتعالى لعن النامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة”، لما سمعت امرأة كلام ابن مسعود رضي الله عنه وهو يلعن ذلك.

فسألته المرأة: كيف تلعن مَن لم يلعنه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لها: وما لي لا ألعن من لعنه الله عز وجل هو في كتاب الله، فذهبت المرأة تلتمس في المصحف في كتاب الله عز وجل تقرأ في القرآن الكريم؛ لترى هذا اللعن فلم تجده، فأتت إلى عبد الله بن مسعود تناقشه، بأنها قرأت القرآن الموجود بين يديها، فلم تجد فيه نصًّا ينص على أن الله عز وجل لعن النامصة والمتنمصة… إلى آخر ما جاء في الحديث.

فقال لها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “لو قرأتيه لعرفتيه”، فقالت: وأين هو؟ قال لها: ألم يقل الله عز وجل:  {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}قالت: بلى، هذه الآية موجود في كتاب الله قال لها: فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول… وذكر الحديث، فاستدل عبد الله بن مسعود بهذه الآية الكريمة على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب اتباع سنته صلى الله عليه وسلم.

أيضًا من أدلة القرآن الكريم على حجية السنة ووجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى حَذَّرَ من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل واضح جدًّا على وجوب تعظيم واتباع النبيصلى الله عليه وسلم واتباع الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكون القرآن الكريم يحذر من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم والخروج عما جاء به، دل ذلك على وجوب اتباع سنته؛ قال الله سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [النور:63] وقال عز وجل: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}  [النساء:115].

ب. دَلالة السنة على حجية السنة:

أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، والتمسك بها، والعمل بما جاء فيها، وذلك في أحاديث متعددة؛ منها: حديث العِرباض بن سارية رضي الله عنه والذي يقول فيه: ((وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون؛ فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا)) قال: ((عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، فإنه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)).

فيوصيهم باتباع سنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، هذا فيه دليل واضح جدًّا وعظيم على حجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب العمل والتمسك بما جاء في سنته.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن رَدِّ سنته، ونهى عن عدم الأخذ بها، وبين أن الأخذ بها واجب، وأنها في العمل بها ككتاب الله سبحانه وتعالى.

وذلك كما جاء في حديث عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه رضي الله عنهما وعن جميع صحابة النبي، صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((لا ألفينَّ أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).

ج. دلالة الإجماع على حجية السنة:

انعقد الإجماع على وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بما جاء فيها، ولذلك سنذكر هنا بعض النقول عن أئمة أهل العلم، ومنهم مَن له قدر جليل فيه، وإمام فيه، بل هو أحد الأئمة الأربعة الذي ينتسب إليهم الناس اليوم؛ منهم الإمام الشافعي -رحمه الله-.

يقول الإمام الشافعي في بيان حجية السنة: “ولا أعلم من الصحابة والتابعين أحدًا أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره وانتهى إليه”.

وقد تُوفي الإمام الشافعي -كما هو معلوم- في القرن الثاني الهجري في منتصفه.

وقد ذكر الإمام الشوكاني -رحمه الله-  مثل ذلك،  يقول الشوكاني: “إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورةٌ دينية، ولا يخالف في ذلك إلا مَن لا حظَّ له في الإسلام.

وهذا يظهر بوضوح لدَى طلبة العلم، وهو أن القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة، على وجوب العمل والأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

3. أخبار الآحاد تقوم بها الحجة في العقائد والأحكام:

من المعلوم: أن أخبار الآحاد تقوم بها الحجة في العقائد والأحكام، ذلك أن السنة -كما هو معلوم- تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أحاديث متواترة، وهذه قليلة جدًّا، والأحاديث المتواترة كما عَرَّفها علماء الحديث هي: الحديث الذي ينقله عددٌ كبير يستحيل تواطؤهم على الكذب إلى أن ينتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون ذلك في كل طبقة من طبقات الإسناد.

القسم الثاني: أحاديث الآحاد، وهي ما لم يكن عليه العدد الذي هو في الأحاديث المتواتر، وهذه الأحاديث الآحاد بعضُها قد يرويه راوٍ، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، وتعد من باب الآحاد، فهل هذه الأحاديث تقوم بها الحجة في العقائد والأحكام أم لا؟ السبب في ذلك: أن بعض المبتدعة الذين ردوا النصوص احتجوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن، ونحن في مسائل العقيدة لا نأخذ بالظن، وبالتالي لم يأخذوا بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب العقائد، ولهذا حرصنا أن نتحدث في هذا، ونبين أن الحجة تقوم بأحاديث الآحاد، سواء كان ذلك في العقيدة أو في الأحكام.

أ. خبر الواحد الصحيح يفيد العلم:

هذا القسم يشتمل على بعض النقاط:

النقطة الأولى: وهي أن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم، وذلك عند جمهور المحدثين والأصوليين وعامة السلف وفقهاء الأمة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقبلون خبرَ الواحد، ويعملون به، وقد ذكر ذلك عنهم بعض العلماء، ومن ذلك: أبو محمد ابن حزم -رحمه الله-  يقول: “ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا”.

وهذه مسألة دقيقة جدًّا ومهمة ومفيدة للغاية، فكلام ابن حزم  -رحمه الله-  في هذه المسألة دقيق جدًّا؛ لأنا لو رجعنا إليه وتأملناه.

يقول: “ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وجب العمل به”.

إذًا، هو يشترط ثبوت الحديث وثبوت صحته، فالعبرة بصحة الحديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا صح الحديث سواء كان من باب التواتر أو من باب الآحاد، وجب الأخذ به مباشرةً، يعني: إذا صح الحديث يجب أن نعمل به، ولا نلتفت: هل هو حديث متواتر أم هو حديث آحاد؟

وكان هذا عند جمهور أهل العلم ولم يخالف في ذلك إلا مَن خالف من المبتدعة، وأهل السنة جميعًا من أولهم إلى آخرهم يأخذون بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقبلونه، ويعملون به، ولا يعترضون على شيء من ذلك، والصحابة رضي الله عنهم وهؤلاء كانوا ملاصقين للنبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يقبلون خبرَ الواحد الصحيح ويعملون به، فالعبرة في ذلك أن يصح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إذًا، خبر الواحد الصحيح يفيد العلم، وهذه مسألة قائمة ومسلم بها عند جمهور المحدثين والأصوليين وعامة السلف وفقهاء الأمة، وطالما أنه يفيد العلم فهو أيضًا يوجب العمل بهذا العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أرسله الله عز وجل إلا ليبين للأمة ما تحتاج إليه، فإذا بلغنا خبر النبي صلى الله عليه وسلم وتأكدنا أنه كلامه، وجب علينا أن نأخذه، وأن نؤمن به، وأن نصدقه، وأن نعمل بما جاء فيه.

والدليل على ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون خبرَ الواحد العدل ويأخذونه ويعملون به، فإذا بلغهم شخص بخبر وكان ثقة، عمِلوا بهذا الخبر، والأدلة على ذلك من حياتهم وسيرتهم رضي الله عنهم متكاثرة؛ منها:

خبر تحويل القبلة، فبعض الصحابة كانوا يصلُّون وهم ركوع، وأخبرهم مخبر بأن القبلة قد تحولت من الاتجاه إلى بيت المقدس إلى المسجد الحرام، فقبلوا خبره، وتحولوا وهم ركوع، وهذا واضح غاية الوضوح؛ ولذلك قال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه الله-: “ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به ووجب العلم بصحته أيضًا”.

وقد ذكر ذلك الإمام ابن حزم في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام)، وهي عِبَارَةٌ في الحقيقة دقيقة منه -رحمه الله-.

يعني: اشترط أن يتصل السند، وأن يكون الراوي متصفًا بصفة العدالة، وقد أخذ بذلك عامة السلف -رحمهم الله تعالى.

النقطة الثانية:  الاحتجاج بخبر الواحد في مسائل الاعتقاد، أيضًا من نقاط هذا الفصل الاحتجاج بخبر الواحد في مسائل الاعتقاد، يعني: ما سبق بيانه بصورة عامة، أن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم، وإذا أفاد العلم لا شك أنه يعمل بهذا العلم، قد يقول قائل: بأن هذا في مسائل الشريعة أو في مسائل الأحكام الفقهية؛ لأن باب الاعتقاد باب خطير ومهم، ويقوم الدين عليه فهو الأساس والأصل لغيره؟!

نقول له: هذا حق، ومع هذا فإن الاحتجاج بخبر الواحد في مسائل الاعتقاد أيضًا من سبيل أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة الصالحين، كانوا يقبلون الاحتجاج بخبر الواحد.

والأدلة على هذا أيضًا متكاثرة في مسائل العقيدة:

 النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله إلى الآفاق كي يدعو  الناس إلى الله عز وجل فأرسل وبعث أشخاصًا إلى بعض الملوك في عصره صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى دين الله وإلى الدخول في الإسلام، وكانت الحجة تقوم بخبر هذا الصحابي الواحد الذي يذهب إلى مَلِك من الملوك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتب على ذلك الأحكام التي منها: إقامة الحجة لهؤلاء الناس بهذا الواحد، ويمكن أن يرسل إليهم السرايا أو ما إلى ذلك.

أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل رضي الله عنه على اليمن -وقد ذكره الإمام البخاري-رحمه الله-  في صحيحه في أول “كتاب التوحيد” من (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)- وهو شخص واحد، فماذا قال له صلى الله عليه وسلم؟ قال له: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يعبدوا الله -وفي رواية: ((أن يعرفوا الله)) يعني: يوحدوا الله عز وجل ويقوموا بدينه- ثم قال له: فإذا هم عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله افترضَ عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة؛ فإذا هم علموا ذلك، فأخبرهم أن الله عز وجل افترض عليهم زكاةً، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)).

الشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل رضي الله عنهوهو شخص واحد، وأمره أن يعلم الناس أولَ ما يعلمهم العقيدة الصحيحة، أن يعرفوا الله، ويعبدوه، ويوحدوه عز وجل . وهذا دليل على قَبول خبر الواحد في مسائل الاعتقاد.

وهذا هو في الحقيقة مذهبُ أهل السنة والجماعة، وكتب فيه كثير من العلماء وقرره كثير من الحفاظ، والحافظ ابن حجر -رحمه الله- ذكر ذلك في أكثر من موطن في (فتح الباري) في “باب الاعتصام بالسنة”، وكذلك في “كتاب التوحيد”، والشيخ الألباني -رحمه الله-  له رسالة -وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنها قيمة في هذا الباب- ذكر فيها قَبول خبر الواحد في مسائل الاعتقاد، وأن الحجة تقوم بخبر الواحد، وأن هذا الخبر يفيد العلم والعمل معًا، وأن جمهور الأمة من المحدثين والفقهاء على ذلك، كما كتب الدكتور محمد الشنقيطي رسالة خاصة في هذا الموضوع بعنوان (خبر الواحد، وحجيته).

ولكن بعض الفرق مثل المعتزلة في الحقيقة وكثير من علماء الكلام، خالفوا في ذلك، وقالوا: لا نأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد إلا إذا جاء موافقًا للعقيدة، وقد وافقهم في ذلك كثير من متكلمي الأشاعرة، وهذا لا شك يتنافى مع المعتقد السابق لدى أهل السنة والجماعة.

4.التعريف بالسلف:

بعد هذه الإشارة والتتمة، نبين أن المرجع في فَهم الكتاب والسنة هو ما سار عليه سلف الأمة، وهذا الموضوع مهم؛ لأنه يبين لنا كيف نفهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن خاطبنا الله عز وجل به، وهذا الموضوع لأهميته أيضًا قسم إلى نقاط شأنه شأن الموضوعات التي سبق الحديث عنها والتي سيأتي الحديث عنها، إن شاء الله تعالى.

النقطة الأولى: التمهيد لهذا الموضوع:

لعل من النقاط المهمة التي نبدأ بها هي أن نمهد لهذا الموضوع؛ لنبين الصلةَ الوثيقة بينه وبين الموضوع السابق الذي كان بعنوان: “وجوب تعظيم القرآن والسنة، وبيان أن الاعتماد عليهما في أمور الدين أمر واجب”. فقد يقول قائل: بأن الأمة مع تفرق الكثير منها واختلافها، كل منها يدعي أنه يرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما هو الصواب في هذا الباب؟

نقول: إنه يجب أن نفهم الكتاب والسنة على وفق ما فهمه سلف هذه الأمة الصالحين، وأنه لا خيارَ لنا في أن نأخذ بأقوالهم أو لا نأخذ؛ لأن هؤلاء القوم هم الذين نزل عليهم القرآن الكريم وعايشوا النبي صلى الله عليه وسلم.

النقطة الثانية: تعريف السلف لغةً واصطلاحًا:

بعد هذا التمهيد، نعرف في السلف في اللغة وفي الاصطلاح:

أ. في اللغة:

السلف في اللغة: كل مَن سبقك، وتقدم عليك، يعد سلفًا لك، وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن في الدلالة على هذا المعنى، كما قال عز وجل: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِين} [الزُّخرُف:56] أي: قومًا سابقين مَن جاء بعدهم.

أيضًا استُعملت في السنة النبوية للدلالة على نفس المعنى، وهو أن السلف مَن تقدم عليك، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: ((ونعم السلف أنا لكِ))، يعني: نعم مَن تقدم عليك. وهذا الحديث أخرجه البخاري -رحمه الله-  في صحيحه.

ب. في الاصطلاح:

كلمة السلف في اصطلاح علماء التوحيد: يطلق على الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وتابعيهم، وأئمة الإسلام العدول ممن اتفقت الأمة على إمامتهم في الدين، وعظم شأنهم، وتلقَّى المسلمون كلامهم خلفًا عن سلف بالقبول دون من لُقب ببدعة، أو لقب غير مرضي.

هذا في الحقيقة معنى كلمة السلف في الاصطلاح. 

والمقصود: قوم سلكوا مسلك الصحابة رضي الله عنهم الذين تلقوا العلم مباشرةً من النبيصلى الله عليه وسلم واتفقت الأمة كلها على إمامة هؤلاء الناس، وتلقوا قبولهم بالقبول، وبخلاف من لقب ببدعة أو لقب غير مرضي: كالقدرية، أو الرافضة، أو الخوارج، أو المرجئة، أو ما إلى ذلك.

ويظهر جليًّا بهذا التعريف أن مصطلح السلف يلتقي مع مصطلح: “أهل السنة والجماعة”، ويلتقي مع مصطلح: “أهل الحديث”، ويلتقي مع مصطلح: “الفرقة الناجية”، ويلتقي مع مصطلح: “الطائفة المنصورة”؛ لأن هذا التعريفَ يدخل أو ينطبق على كل هذه الكلمات. أي: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.

النقطة الثالثة:  هل السلفية مرحلة زمنية؟

هل السلفية مرحلة زمنية تقف عند حد محدود معين؟ أو أنها ليست مرحلة زمنية؟

قلنا: من التعريف السابق يظهر لنا أن السلف ليست مرحلة زمنية مؤقتة تطلق على أناس بأعيانهم؛ لأنها صفة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وسلوك منهج الصحابة رضي الله عنهم فمن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم في أي مكان وفي أي زمان، يمكن أن يكون امتدادًا لسلف هذه الأمة الصالحين،  فالتعريف يفهم منه أنها لا تطلق على أناس بأعيانهم، وإنما تمتد فتطلق على كل مَن اتصف بصفات السابقين.

ولذلك نقول: كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة السابقين، كان منسوبًا إليهم وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، كل من يقوم بهم بعقائدهم ويتأسَّى بهم، ويسير على المنهج الذي كانوا عليه في أي زمان ومكان، يعد منسوبًا إلى سلف هذه الأمة الصالح، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم؛ لأن الأمر -كما ذكرنا- مجرد صفات تقوم بالإنسان، فإذا اجتمعت أو وجدت هذه الصفات يطلق عليه بأنه من السلف الصالح، أو سلفي الاعتقاد، أما من خالف ذلك ولو عاش بين الصحابة أو بين التابعين، والمكان والزمان جمعه بهم، ولكنه مخالف لِمَا هم عليه من صفات، فليس هذا بسلفي.

ومما يدل على ذلك أو يمكن أن نستأنس على هذا بقول الله عز وجل في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة:100]، هذه آية عظيمة جدًّا يثني الله سبحانه وتعالى فيها على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم أتبع ذلك بمن اتبعوهم بإحسان، وأدخلهم في رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم، فدل ذلك على أن من اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فهو منهم سالك سبيلهم، متصف بصفاتهم، مرضي من الله سبحانه وتعالى عليه بذلك: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}.

النقطة الرابعة: هل الأمة بحاجة إلى الانتساب للسلف؟

والجواب على ذلك: نعم، لا شك أن الأمة بحاجة إلى الانتساب للسلف، وإلى فهم السلف؛ لأن الأمة في عصورها المتأخرة وبعد أن دَبَّ فيها الاختلاف وتعددت فيها الاتجاهات الفكرية خاصة فيما يتعلق بأصول الدين، وأصبحت كل فرقة تدعي انتسابًا للقرآن والسنة، تَطَلَّبَ ذلك أن يقوم العلماء الأثبات بتجريد الدعوة إلى القرآن والسنة، وما كان عليه الصدر الأول، أن يبينوه وأن يجردوه مما يمكن أن يلحقه، أو أن تدخله الفرق المخالفة للحق إليه، يجرد من كل ذلك، ويقوم هؤلاء العلماء بالدعوة إلى ما كان عليه الصدر الأول، وبيانه، وأن ينسبوا ذلك إلى السلف الصالح؛ لقطع الباب على كل مَن ابتدع بدعة اعتقادية وأراد نسبتها إليهم، حتى أصبحت النسبةُ إلى سلف الأمة الصالحين بعد هذا البيان، وبعد هذا التوضيح، رمزًا للافتخار، وعلامةً على العدالة في الاعتقاد.

النقطة الخامسة: حجية فهم الصحابة والسلف الصالح للنصوص:

إن فَهم الصحابة والسلف الصالح للنصوص، حجة أقامها الله سبحانه وتعالى على العباد بذلك.  ولتوضيح ذلك في محاور:

أ. مكانة الصحابة الكرام رضي الله عنهم:

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: “ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وحبهم دين، وإيمان، وإحسان”.

هذه كلمة دقيقة من هذا الإمام العالم الجليل -رحمه الله-  تبين توسط واعتدال أهل السنة والجماعة في صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فهم لا يفرطون ويبالغون في حب واحد فقط من الصحابة، أو في أحد من الصحابة بأن يرفعوه فوق المرتبة التي أنزله الله سبحانه وتعالى إياها، فهم معتدلون في هذا الجانب، كذلك كما أنهم لا يفرطون في الحب ويبالغون فيه، لا يتبرءون من أحد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

وجميع الصحابة رضي الله عنهم ثِقاتٌ عدولٌ، زكَّاهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه وأثنى عليهم سبحانه وتعالى، ورضي عنهم، قال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18] فهذا نص من الله عز وجل على أن الصحابة رضي الله عنهم ثقات، وعلى أنهم عدول، ويظهر ذلك من رضا الله سبحانه وتعالى عنهم، كما قال عز وجل أيضًا في وصفهم آياتٍ كثيرة؛ منها الآية التي سبق ذكرها آنفًا هي: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} [التوبة: 100].  ومنها أيضًا: قول الله سبحانه وتعالى:{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] وهذا في الحقيقة أيضًا ثناء من الله سبحانه وتعالى على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وصفهم أنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم وزكاهم ونهى عن الطعن فيهم صلى الله عليه وسلم وأخبر أن الواحد منَّا لو أنفق مثل جبل أحد في سبيل الله سبحانه وتعالى ما بلغ مُد الصحابة ولا نصف مد الصحابة رضي الله عنهم.

ولذلك قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- : “عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللهسبحانه وتعالى لهم، وإخبار الله عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى  {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]”.

وقال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-  والهيثمي وجَمْع من العلماء بمثل ما قال الخطيب وغيره، وهذا هو القول المعتد عند أهل السنة والجماعة بأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم ثقات، وكلهم عدول، وأن لهم مكانة عالية، وأن الله سبحانه وتعالى رضي عنهم، واصطفاهم؛ ليكونوا أصحابًا للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ولذلك نقول: إن مَن طعَنَ على الصحابة رضي الله عنهم أو تبرأ من واحد منهم، أو أبغض واحدًا منهم، هؤلاء كلهم خارجون عن إجماع الأمة، وعلى رأس هؤلاء الناس الروافض، الذين أطلقوا لسانَهم في الحديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل إن البعض منهم يتبرأ من الصحابة رضي الله عنهم أو من كثير منهم، ويبغضهم، وعلى رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهم ويبغضون كذلك سائرَ الصحابة.

وكذلك الخوارج أيضًا وقعوا في خطأ عظيم لَمَّا  كفروا بعض الصحابة حينما خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كل هؤلاء في الحقيقة مخالفون للمنهج الحق الذي عليه سادة الدنيا، ألا وهم أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة عرفوا فضلَ الصحابة وعرفوا مكانتهم عند الله سبحانه وتعالى وأنزلوهم رضي الله عنهم المنزلةَ اللائقةَ بهم عند ربهم سبحانه وتعالى .

ب. الصحابة تلقوا الدين كاملًا، وفقِهوه، وعمِلوا به:

وهذه المسألة مهمة للغاية؛ لأنه كما بينا أن فهم الكتاب والسنة ما سار عليه سلف الأمة، وهذا يستدعي أن نُبَيِّن أن الصحابة أولًا -وهم الانطلاقة الأولى لسلف هذه الأمة الصالحين، ومن تبعهم بإحسان- هم الذين تلقوا الدين كاملًا من النبي صلى الله عليه وسلم وفقهوه وعملوا به، بل إنه لم توجد طبقة في الدنيا فهمت الدين كما جاء من عند الله كما فهمه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وعملوا به؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم تلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم أحكامَ هذا الدين وتعاليمه وآدابه، ومعرفة الله سبحانه وتعالى وما ينبغي له من صفات الجلال والكمال، يعني: عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم كلَّ ذلك.

كما عرفهم أيضًا كيفية العبادة، وأداء الشعائر والمعاملات، وغير ذلك؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة جميع الأحكام الشرعية، وكل ما نزل عليه، وكان الصحابة رضي الله عنهم هم الذين يتلقون ذلك مشافهةً مباشرةً من النبي صلى الله عليه وسلم فهو صلى الله عليه وسلم صلى أمامهم، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلى))، وحَجَّ بهم صلى الله عليه وسلم في حَجة الوداع، وقال لهم: ((خذوا عني مناسككم)).

وأخذوا عنه صلى الله عليه وسلم أمور الدين كلها، وما يحتاجون إليه، وكان تلقيهم -كما ذكرنا- مشافهةً من النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم عاصروا الوحي وشاهدوا التنزيل.

وعليه نقول: إذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا، فإلى مَن يرجعون في الفهم إذا تنازعوا أو اختلفوا في قضية من القضايا، أو في معنى من معاني القرآن الكريم؟ خاصة أن القرآن الكريم حمال أوجه مختلفة؟

إذا اختلفوا أو تنازعوا فالمرجع يكون من بيان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  لما اختلف الناس فيه حجة وأمارة على الفهم الصحيح؛ لما سبق أن ذكرناه عنهم من تلقيهم الدين كاملًا من النبي صلى الله عليه وسلم والعمل به، والتطبيق العملي للقرآن والسنة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

ج. أفضل علم وعمل التابعين ما كانوا فيه مقتدين بالنبي الكريم:

إن أفضل علم وعمل لمن يتبع أو لمن يأتي بعد الصحابة رضي الله عنهم أن يقتدي في عمله وفهمه واعتقاده بما ذكره النبي أولًا صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قد حصل للتابعين علم كبير بمراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم هذا العلم حصل لهم أكثر من غيرهم؛ بسبب ملازمتهم للصحابة الكرام رضي الله عنهم فكما أن الصحابة رضي الله عنهم تلقَّوْا من النبي صلى الله عليه وسلم، فالتابعون أيضًا تلقوا من الصحابة ولازموا صحابةَ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

كما أنهم اشتغلوا بالقرآن الكريم أيضًا حفظًا وتفسيرًا وعملًا، وبالحديث روايةً ودرايةً، ولا شك أن ما ذكرته كتب التراجم عن هؤلاء التابعين في رحلاتهم المتكاثرة لتتبع العلم وطلبه، وخاصة الرحلة إلى الصحابة الذين تفرقوا في الأمصار، وطلب حديثهم وعلومهم هذه، مشهورة معروفة، وبناءً عليه قلنا: إن أفضل علم وعمل التابعين ما كانوا فيه مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم.

د. مجانبة الخلف للسلف وخطؤهم في أصول الدين:

إن الخلف جانبوا السلف وأخطئوا في مسائل من أصول الدين، ويشتمل هذا العنوان على النقاط التالية:

الأولى: كلمة الخلف في اللغة وفي الاصطلاح:

الخلف في اللغة: هو المتأخر في الزمن عمن قبله، يعني: من جاء في زمن متأخر عمن سبقه، يقال له: خلف، ولذلك بِناءً على هذا أكون أنا وأنت مثلًا من الخلف لآبائنا ولأجدادنا، وما إلى ذلك؛ لأننا أتينا بعدهم.

أما في الاصطلاح:  فهو اصطلاح يختلف تمامًا عما سبق أن قلناه عن السلف، السلف رضي الله عنهم والخلف في الاصطلاح: كل من رُمي ببدعة مكفرة أو مفسقة، وخالف السلف الصالح فيما كانوا عليه، وقد يأتي بعض الخلف فتكون عنده بدع مكفرة، وقد تكون عنده بدع مفسقة.

 البدع المكفرة مثل: مَن يعتقد مثلًا بإلهين اثنين؛ إله للخير أو إله للشر. أو من يقول: بأن المصحف الموجود بين يدي المسلمين اليوم، ليس هو المصحف الذي نزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الأقوال التي يذهب إليها بعضُ الباطنية، وفرق خرجت من هذه الباطنية قالت بهذه الأقوال.

قال الشاعر:

وكل خير في اتباع مَن سلَفَ

*وكل شر في اتباع من خلف

وبهذا الاصطلاح يعتبر لقب الخلف لَقَبُ ذَمٍّ، على مقتضى أيضًا ما قاله الشاعر.

الثانية: خروج الخلف عن منهج السلف أوقعهم في مجانبة الصواب في مسائل الاعتقاد:

المبتدعة من الخلف خالفوا منهجَ السبف الصالح في أصول الدين، وكان من أعظم المخالفات التي وقعوا فيها أنهم لم يسلموا لنصوص الوحيين -القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة- بل أَعْمَلُوا عقولَهم في هذا الباب، وتأولوا تأويلات أحيانًا تكون باطلة، وفتحت بابًا للباطنية وغيرهم أن يتأولوا القرآن، وأن يصرفوه عن ظاهره الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

هؤلاء الخلف لم يكتفوا بمنهج السلف في أصول الدين من التسليم لنصوص الوحيين كما جاءت من عند الله سبحانه وتعالى ولذلك نجد أنهم ردوا النصوص التي تخالف أهواءهم بالتأويل، وكذلك أيضًا تلاعبوا بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكانت لديهم جرأة عجيبة في رد الأحاديث الصحيحة، فهؤلاء الخلف لم يسلموا لنصوص الوحيين، ووقفوا أمام النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، جاءوا إلى القرآن الكريم، فإن كان النص القرآني يخالف ما هم عليه، فماذا يفعلون؟ يصرفوه عن ظاهره ويئولوه بتأويلات بعيدة عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ويذهبوا فيها مذاهب مختلفة متفرقة، وهذا في الحقيقة عدم تسليم للنص القرآني كما جاء من عند الله سبحانه وتعالى .

أما بالنسبة للسنة النبوية، فإن كانت الأحاديث متواترة أولوها، وإن كانت أحاديث آحاد ردوا هذه الأحاديث، ولم يقبلوها.

ومن أمثلة رد هؤلاء الناس للأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن أمثلة جرأتهم على السنة، وحجة أنها أحاديث آحاد: ما وقع من عمرو بن عبيد في قصة مشهورة له ذكرها الذهبي -رحمه الله-  وغيره، وكان إمامًا من أئمة المعتزلة، والمعتزلة لهم موقف في العقائد يختلف عن منهج أهل السنة والجماعة، ومنها مسائل القضاء والقدر التي يذكرون فيها بأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعالَ العباد، وأنه عز وجل يجب عليه أن يفعل الأصلح لعباده، وما إلى ذلك، وعمرو بن عبيد هذا لما سمع الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحديث المعروف بالصادق المصدوق؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يقول: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((بأن أحدنا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، إلى أن يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويأمره الله عز وجل بأربع كلمات: أن يكتب أجله، ورزقه، وشقي أو سعيد)).

هذا الحديث أصل عند أهل السنة والجماعة، وأصل في مسائل القدر التي اعتقدها أهل السنة والجماعة اعتقادًا صحيحًا من خلال الآيات القرآنية والسنة النبوية المطهرة.

هذا المعتقد يخالف ما عليه أهل الاعتزال، وهم خلف لهؤلاء السلف، ماذا كان موقفهم مثلًا من هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم، وجاء في كتب السنة المعتبرة؟

أُثر عن عمرو بن عبيد -وذكر بعض المؤرخين ذلك عنه- أنه قال لما سمع هذا الحديث: لو سمعتُ عبدَ الله بن مسعود يقول هذا الحديث لكذبته، ولو سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعتُ اللهَ يقول هذا لقلت: ما على هذا أخذْتَ مواثيقنا!!.

تأملوا موقف هؤلاء الناس من النصوص، وكيف أنهم ردوا النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنها فقط تخالف ما هم عليه، أو ما اعتقدوا هم من معتقدات باطلة.

وبالتالي لما خرجوا عن منهج السلف المتميز بالتسليم لنصوص الوحيين، جانبهم الصوابَ، ووقعوا في مسائلَ مختلفةٍ متعددة.

error: النص محمي !!