Top
Image Alt

بيان أن اليهود تركوا الحق واتبعوا السحر والشياطين، ونهى الله المؤمنين أن يتبعوا أقاويلهم

  /  بيان أن اليهود تركوا الحق واتبعوا السحر والشياطين، ونهى الله المؤمنين أن يتبعوا أقاويلهم

بيان أن اليهود تركوا الحق واتبعوا السحر والشياطين، ونهى الله المؤمنين أن يتبعوا أقاويلهم

أولًا: بيان أن اليهود تركوا الحق، واتبعوا السحر والشياطين:

الآثار: عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ} “وكان حين ذهب ملك سليمان، ارتدّ فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع الله إلى سليمان ملْكه، وقام الناس على الدين كما كان، وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان عليه السلام حدثَانَ ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه منا، فأخذوا به فجعلوه دينًا، فأنزل الله: {وَلَمّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، واتبعوا الشهوات التي كانت تتلو الشياطين، وهي: المعازف واللعب، وكل شيء يصدّ عن ذكر الله”.

وعن ابن عباس، قال: “كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال: فأكفره جهال الناس وسبّوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهّالهم يسبونه، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: {وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ}”.

وعن ابن عباس، قال: “كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة -وهي امرأة- خاتَمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان عليه السلام بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمَه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، قال: فجاءها سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فقالت: كذبْت لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتُلي به، قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفْر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب”.

قال: “فبرئ الناس من سليمان عليه السلام وأكفروه، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ}”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}، يقول: “لم ينزل الله السِّحر”.

وعن ابن عباس: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} “يعني: جبريل، وميكائيل، ببابل هاروت وماروت، يعلّمان الناس السِّحر”.

وعن القاسم بن محمد -وسأله رجل، عن قول الله تعالى: {يُعَلّمُونَ النّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}، “فقال الرجل: يُعلِّمان الناس ما أنزل عليهما، أو يُعلِّمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت”.

وأما قوله تعالى: {فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا}: فأخرج مسلم وغيره، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان ليضَع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس؛ فأقربهم عنده منزلة: أعظمهم عنده فتنة. يجيء أحدهم فيقول: مازلت بفلان حتى تركته وهو يقول: كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا! ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقت بينه وبين أهله، قال: فيقرِّبه ويُدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت!))، بفتح النون وكسرها.

وقال ابن كثير -رحمه الله-: “رجّح شيخنا أبو الحجاج المزي فتح النون، وراجعته فثبت على ذلك، والمشهور عند النحاة: كسْرها. واحتج به بعضهم على جواز كون فاعل “نعم”، مضمرًا، وهو قليل”.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “ما أبالي أفرّقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف”.

وأخرج ابن ماجه، عن أبي رهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفضل الشفاعة: أن يُشفع بين اثنيْن في النكاح)).

عن قتادة، في قوله: {فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}، قال: “يؤخّرون أحدهما عن صاحبه، ويبغِّضون أحدهما إلى صاحبه”.

وعن الحسن البصري، قال: {وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ}، قال: “نعم. من شاء الله سلّطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يُسلّط؛ ولا يستطيعون ضُرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى”.

وعن الحسن، أنه قال: “لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه”.

وعن قتادة: {مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، قال: “لقد علِم أهل الكتاب فيما يقرءون من كتاب الله، وفيما عُهد لهم: أنّ الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة”.

وعن ابن عباس، في قوله: {مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} قال: “قوام”.

وعن ابن عباس، ومجاهد، والسدي: {مِنْ خَلاَقٍ}: “من نصيب”.

وأخرج الطستي، في (مسائله) عن ابن عباس: “أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، قال: من نصيب، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أمية بن أبي الصلت، وهو يقول:

يَدْعُون بالويل فيها لا خَلاقَ لهم

*إلا سَرَابِيل من قَطْرٍ وأغلالِ”

وعن قتادة: “ما له في الآخرة من جهة عند الله”.

وعن الحسن: {مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} قال: “ليس له دِين”.

وعن السدي في قوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ} قال: “باعوا”.

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُواْ واتّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ خَيْرٌ لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.

عن ابن عباس قال: “كل شيء في القرآن “لَوْ”، فإنه لا يكون أبدًا”.

وعن قتادة، في قوله: {لَمَثُوبَةٌ}، قال: “ثواب”.

أقوال المفسرين:

قوله تعالى: {وَلَمّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ}: الضمير لبني إسرائيل، لا لعلمائهم فقط، والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم.

{مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ}: أي: من التوراة، من حيث إنه صلى الله عليه وسلم جاء على الوصف الذي ذُكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه موسى عليه السلام أو صدَّق ما فيها من قواعد التوحيد، وأصول الدين، وإخبار الأمم، والمواعظ والحِكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها.

{نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ}، أي: التوراة، وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد سليمان عليه السلام كما توهمه بعضهم من اللحاق؛ لأن النّبذ عند مجيء النبي صلى الله عليه وسلم لا يُتصوّر منهم.

{كِتَابَ اللّهِ}، المراد به: التوراة، وقيل: القرآن، وأيده أبو حيان بأن الكلام مع الرسول، فيصير المعنى: أنه يُصدّق ما بأيديهم من التوراة، وهم بالعكس يكذِّبون ما جاء به من القرآن، ويتركونه ولا يؤمنون به، بعدما لزمهم تلقّيه بالقبول.

{كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: جملة حالية، أي: نبذوه مُشَبَّهين بمن لا يعلم أنه كتاب الله تعالى، أو لا يعلمه أصلًا، أو لا يعلمونه على وجه الإتقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وهذا على تقدير أن يراد الأحبار، وفيه إيذان بأن علْمهم به رصين، لكنهم يتجاهلون.

وعن الشعبي: “هو بين أيديهم يقرءونه، ولكنهم نبذوا العمل به”.

وعن سفيان: “أدرجوه في الديباج والحرير، وحلّوْه بالذهب، ولم يُحلّوا حلاله ولم يُحرِّموا حرامه”.

ومَن فسّر كتاب الله تعالى بالقرآن، جعل متعلّق العلْم أنه كتاب الله، أي: كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله تعالى، مع ثبوت ذلك عندهم وتحقّقه لديهم. وفيه إشارة إلى أنهم نبذوه لا عن شبهة، ولكن بغيًا وحسدًا.

قال الآلوسي: “فاليهود أربع فَرَق: ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها، كمؤمني أهل الكتاب؛ وهم الأقلّون المشار إليهم بـ{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وفرقة جاهروا بنبذ العهود وتعدي الحدود؛ وهم المعنيّون بقوله تعالى: {نّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم}، وفرقة لم يجاهروا، ولكن نبذوا لجهلهم؛ وهم الأكثرون، وفرقة تمسّكوا بها ظاهرًا ونبذوها سرًّا؛ وهم المتجاهلون”.

قال ابن كثير: “فالقوم ذمّهم الله بنبْذهم العهود التي تقدّم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعْته وصفته وأخباره. وقد أُمروا فيها باتّباعه ومؤازرته ومناصرته، كما قال: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، وقال ها هنا: {وَلَمّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أي: اطَّرَح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم، مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}، أي: تركوها {كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، ما فيها، وأقبلوا على تعلّم السِّحر واتّباعه.

ولهذا أرادوا كيد الرسول صلى الله عليه وسلم وسحروه في مُشْط ومُشَاقة -وهو شعر من الرأس واللحية يسقط مع المَشْق، وهو: المَشْط- وجُفّ طَلْعة ذَكر -وهو: وعاء الطَّلع، وهو: قِشْره- تحت رَاعُوفَة بئر ذي أَرْوان -وهي بئر في المدينة، في بستان بني زُرَيق- ورَاعُوفَة البئر: صخرة تنزل في أسفل البئر إذا احتفرت تكون هناك؛ فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقِّي عليها”.

قال الآلوسي: “{وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ} الضمير للذين تقدموا من اليهود، أو الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام أو الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم أو ما يتناول الكلّ.

والمتبادر من الشياطين: مردة الجنّ، وهو قول الأكثرين. وقيل: المراد بهم: شياطين الإنس؛ وهو قول المتكلِّمين من المعتزلة.

وقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ}: ساق ابن كثير جملة كبيرة من الآثار المتقدّمة في تفسير الآية، ثم قال:

“فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة، والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم -والله الهادي-“.

قال: “فقوله تعالى: {وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ}، أي: واتّبعت اليهود، الذين أوتوا الكتاب -بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين. أي: ما ترويه وتخبر به، وتحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعدَّاه بـ{عَلَىَ} لأنه ضمن {تَتْلُواْ} تكذب”.

وقال ابن جرير: “{عَلَىَ} ها هنا بمعنى: “في”، أي: تتلو في ملك سليمان”، ونقله عن ابن جريج، وابن إسحاق.

قال ابن كثير: “والتضمين أحسن وأولى -والله أعلم”.

وقول الحسن البصري -رحمه الله-: “قد كان السِّحر قبل زمان سليمان بن داود، صحيح لاشك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بعده، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيّ لّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ}، ثم القصة بعدها، وفيها: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}.

وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام- لنبيّهم صالح: {إِنّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحّرِينَ}، أي: المسحورين، على المشهور”.

وظاهر قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ} إلخ: أنهم يُفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم.

وقيل: يدلّونهم على تلك الكتب؛ فأطلق على تلك الدلالة تعليمًا إطلاقًا للسبب على المسبب.

وقيل: يُعلِّمون، بمعنى: يُعلمون مِن “الإعلام”، وهو: الإخبار، أي: يُخبرونهم بما أو بمن يتعلّمون به أو منه السّحر.

وقوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّىَ يَقُولاَ إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}:

{وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} المراد: الجنس، وهو عطف على السحر، وهما واحد، إلا أنه نزّل تغايرَ المفهوم منزلة تَغايُر الذات.

وقد يراد بالموصول المعهود، وهو نوع آخر أقوى؛ فيكون من عطف الخاصّ على العامّ، إشارة إلى كماله.

وقال مجاهد: “هو دون السِّحر، وهو ما يفرّق به بين المرء وزوجه، لا غير”، والمشهور الأول.

{وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّىَ يَقُولاَ إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}، قال الآلوسي: “أي ما يُعلِّم الملَكان أحدًا حتى ينصحاه، ويقولا له: إنما نحن ابتلاء من الله عز وجل فمن تعلّم منا وعمل به كفَر، ومن تعلّم وتوقّى ثبت على الإيمان. فلا تكفُر باعتقاده وجواز العمل به! وقيل: فلا تتعلّم معتقدًا أنه حق حتى تكفر! وهو مبني على رأي الاعتزال من أن السحر تمويه وتخييل. ومن اعتقد حقيته يكفر”.

و{حَتّىَ} للغاية، وقيل: بمعنى “إلا”.

وقوله تعالى: {فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}، أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت -من علْم السِّحر- ما يتصرّفون به فيما يتصرّفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين، مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف؛ وهذا من صنيع الشياطين.

وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر: ما يُخيّل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.

وقيل: المراد ما يُفرِّق لكونه كفرًا؛ لأنه إذا تعلّم كفر فبانت زوجته، أو إذا تعلّم عمل، فتراه أناس فيعتقدون أنه حق، فيكفرون فتبِين أزواجهم.

وقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ}، قال سفيان الثوري: “إلا بقضاء الله”.

وقال محمد بن إسحاق: “إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد”.

{وَمَا هُم}: الضمير للسحرة الذين عاد إليهم ضمير {فَيَتَعَلّمُونَ}، وقيل: لليهود الذين عاد إليهم ضمير {وَاتّبَعُواْ}، وقيل: لـ{الشّيَاطِينُ} وضمير {بِهِ} عائد على {مَا} و{مِنْ} زائدة؛ لاستغراق النفي؛ كأنه قيل: وما يضرون به أحدًا.

وقوله تعالى: {وَيَتَعَلّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، أي: يضرّهم في دِينهم، وليس فيه نفع يوازي ضرره.

{وَيَتَعَلّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ}؛ لأنهم يقصدون به العمل قصدًا جازمًا، وقصد المعصية كذلك معصية، أو لأنّ العلْم يدعو إلى العمل ويجرّ إليه، لا سيما عمل الشر الذي هو هوى النفس.

{وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، عطف على ما قبله؛ للإيذان بأنه شر بحت وضرر محض، لا كبعض المضار المشوبة بنفع وضرر؛ لأنهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار بأكاذيب السحرة، ولا إماطة الأذى عن الطريق حتى يكون فيه نفع في الجملة.

{وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، أي: ولقد علم اليهود -الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسل- لَمَن فعَل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.

وقيل: الضمير لليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام.

وقيل: للملَكين؛ لأنهما كانا يقولان: فلا تكفر! وأتى بضمير الجمع على قول من يرى ذلك.

{لَمَنِ اشْتَرَاهُ}، أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله.

وقوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُواْ واتّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ خَيْرٌ لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}، يقول تعالى: {وَلَبِئْسَ} البديل: ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسل، لو كان لهم علْم بما وُعظوا به.

{وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُواْ واتّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ}، أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله، واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم ممّا استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: {وَقَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللّهِ خَيْرٌ لّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقّاهَآ إِلاّ الصّابِرُونَ} [القصص: 80].

{لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ خَيْرٌ}: أصله: لأُثيبوا مثوبة من عند الله، خيرًا ممّا شروا به أنفسهم.

ولم يقل: “لَمثوبة الله”، مع أنه أخصر، ليُشعر التنكير بالتقليل، فيفيد أنّ شيئًا قليلًا من ثواب الله تعالى في الآخرة الدائمة خير من ثواب كثير في الدنيا الفانية.

فكيف وثواب الله تعالى كثير دائم، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبيْن للمقام ما لا يخفى؟

وذهب أبو حيان، إلى أن: {خَيْرٌ} هنا: للتفضيل لا للأفضلية، على حد قوله:

… … … … … …

*فخيرُكما لشرِّكما فداءُ

{لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}: المفعول محذوف، بقرينة السابق، أي: إن ثواب الله تعالى خير، ونفْي العلْم لنفْي ثمرته الذي هو العمل، أو لترْك التّدبر.

ثانيا: نهى الله المؤمنين أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم كلمة “راعنا”، وبيان السبب في ذلك:                    

أقوال المفسّرين:                     

نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبّهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أنّ اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله- فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: راعِنا. ويُورُّون بالرعونة -وهي: الحمق والاسترخاء- كما قال تعالى: {مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء: 46]، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون: السَّام عليكم، والسام هو: الموت؛ ولهذا أُمرنا أن نردّ عليهم بـ “وعليكم”، وإنه يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا.

وقيل: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئًا من العلم: راعِنا. أي: راقبنا وانتظرنا، وتأنّ بنا حتى نفهمه ونحفظه! وكانت لليهود كلمة يتسابّون بها عبرانية، أي: شر ما فيه، وهي: راعِينا. فلما سمعوا بقول المؤمنين: “راعِنا” افترضوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك السبة؛ فنُهي المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها، وهو: انظرنا، مِن: النَّظِرة. أي: أمهلنا حتى نحفظ!.

{وَاسْمَعُواْ}: أي: وأحسنوا سماع ما يكلّمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل، بقلوب واعية وآذان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود.

قال ابن جرير: “والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم: “راعنا”، لأنها كلمة كرِهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم نظير الذي ذُكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تقولوا للعِنب: الكرْم، ولكن قولوا: الحَبَلة، ولا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي))، وما أشبه ذلك”.

وقوله تعالى: {مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ}، يُبيّن تعالى بذلك شدّة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين -الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم- للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم. ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول تعالى: {وَاللّهُ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}، قال ابن أبي حاتم: “يعني: قبضها: رفعها، مثل قوله: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة”. وقوله: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا”.

وقال ابن جرير: “{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}: ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدّله ونغيّره، وذلك أن يُحوّل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا؛ ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ مِن: نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى غيرها؛ فكذلك معنى: نسخ الحُكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبادة إلى غيره، وسواء نُسخ حكمها أو خطّها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة”.

وقوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، أي: في الحُكم بالنسبة إلى مصلحة المكلَّفين.

وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ}، يُرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلْقه بما يشاء؛ فله الخلْق والأمر، وهو المتصرِّف، فكما يخلُقهم كما يشاء، ويُسعد من يشاء ويُشقي مَن يشاء، ويُصحّ من يشاء ويُمرض مَن يشاء، ويُوفِّق مَن يشاء ويخذل مَن يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء؛ فيُحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء، ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء. وهو الذي يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.

ويختبر عباده وطاعتهم لرُسله بالنسخ؛ فيأمر بالشيء لِما فيه من المصلحة التي يَعلمها تعالى، ثم يَنهى عنه لِما يعلمه تعالى.

فالطاعة كلّ الطاعة في امتثال أمره، واتّباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترْك ما عنه زجروا.

قال الإمام أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-: “فتأويل الآية: ألم تعلم -يا محمد-: أنّ لي مُلكَ السموات والأرض وسلطانَهما دون غيري: أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدّل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذا أشاء، وأقرّ فيهما ما أشاء”.

error: النص محمي !!