Top
Image Alt

بيان أن للشارع مقاصد من التشريع وطرق إثبات المقاصد الشرعية عند ابن عاشور

  /  بيان أن للشارع مقاصد من التشريع وطرق إثبات المقاصد الشرعية عند ابن عاشور

بيان أن للشارع مقاصد من التشريع وطرق إثبات المقاصد الشرعية عند ابن عاشور

نحن نعلم أن الشريعة الإسلامية هي أعظم الشرائع على الإطلاق وأقومها، فلا بد لها من مقاصد ترمي إلى تحقيقها، فنقول إن المقاصد نوعان: مقاصد الخالق من الخلق، ومقاصده من التشريع. أما مقاصده من الخلق، فتنحصر في أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وهذا المقصد عام في جميع الرسالات السماوية، كما جاء ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَـَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]. فهذه الآيات وما في معناها صريحة في أن اللهَ تعالى خلق عبادَه ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، والعبادة تستلزم معرفة المعبود، فمعرفة الله هي الواجب الأول والغاية الحميدة التي يحصل بها كمال البشر وسعادتهم ونجاتهم، وهي حقيقة لا تصلح النفس ولا تزكو إلا بها، وإذا قصد الخالق من الخلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فإن القصد لا يستلزم عودة ثمرة المقصود إلى القاصد؛ ولذلك عندما نقول: قصد الشارع، فيجب ألا تتطرق إلى الأذهان أن ثمرة معرفة الله وعبادته دون غيره ستعود إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، بل إن جميع ثمرات التكليف العاجلة والآجلة تعود إلى المُكلَّفِ، وهذا أمر واضح لا ريب فيه؛ لأن الله تعالى غني عن العالمين، كما جاء في قوله: {يَأَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]. وهذا النوع من المقاصد لا كلام لنا فيه الآن، وإن كان يعتبر أصلًا لما نحن بصدد الكلام عنه. النوع الثاني من أنواع مقاصد الشارع هي: مقاصد الشارع من التشريع، ونعني بها الغاية التي يرمي إليها التشريع، والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم عند كل حكم من الأحكام، وبذلك تكون الشريعة مستهدفة تحقيق مقصد عام، وهو إسعاد الأفراد والجماعات وحفظ النظام، وتعمير الدنيا؛ لذا كانت ولا زالت رسالة الإسلام هدى ورحمة وعدلًا وإحسانًا تقوم على اليسر ورفع الحرج. ومن أجل الوصول إلى هذا المقصد العام، جاءت الشريعة الإسلامية بما يأتي من المبادئ، مثل: مبدأ رفع الحرج، ودفع الضرر، ووجوب العدل، والتشاور والاعتصام بحبل الله، ورعاية الحقوق، ونحو ذلك من الأسس التي نزلت الشرائع السماوية من أجل تحقيقها، فإن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا. فالقصد من التشريع هو تحقيق مصالح الدنيا أو الآخرة، فالعمل والسعي لا بد أن يكون في الدنيا، ولكن المصلحة التي هي ثمرة العمل ونتيجة، له لا يلزم أن تكون في الدنيا، والقرآن الكريم جاء فيه: {مّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نّرِيدُ ثُمّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مّدْحُوراً} [الإسراء: 18]، ثم قال: {وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً} [الإسراء: 19]، فهذه الآية تدل على أن السعي للآخرة لا بد أن يكون في الدنيا بمقتضى التشريع، وبذلك يستحق العامل عطاء ربه في الدنيا والآخرة. الأدلة التي تثبت أن للشريعة مقاصد: نستدل على ذلك بأدلة متنوعة، مثل: بعثة الرسل، واستقراء موارد الأحكام التي جاء بها القرآن والسنة، والقواعد الكلية التي حظيت بإجماع علماء الشريعة. أ. بعثة الرسل: فقد جاءت الآيات القرآنية العديدة التي توضح أن المقصود من بعثة الرسل، هو الرحمة بالعباد، وإرشادهم إلى الحق والخير؛ كقولهعز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقوله: {يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقولهعز وجل: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ} [النساء: 165]، وقولهعز وجل: {هَـَذَا بَصَائِرُ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20]. فهذه الآيات واضحة الدلالة في أن بعثة الرسل ما هي إلا رحمة من الله لعباده، فمن قبِلَ هذه الرحمة وشكر النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وهذا يدل على أن للشارع مقاصد. ب. استقراء موارد الأحكام التي جاء بها القرآن والسُّنَّة: فهي ترمي إلى تحقيق مقاصد للشارع من تشريع تلك الأحكام. أولًا: ما جاء في الكتاب، قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [النحل: 90]، وحقيقة العدل بين شيئين أو شخصين، التسوية والموازنة بينهما في أمر ما، فالمقصود به إذن مراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل شيء، فالعدل بين الناس مقصود للشارع، ويبرز هذا المعنى تصريح الآية بالمفهوم المخالف للعدل المأمور به، وهو النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه الثلاثة ما هي إلا جماع المفاسد المختلفة التي تعرقل تحقيق السعادة للناس. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال عن هذه: “هي أجمع آية في القرآن للخير والشر، ولو لم يكن فيه غير هذه الآية لكفت، في كونها تبيانًا لكل شيء وهدى”. وأيضًا هناك آيات كثيرة جاءت في معرض التعليل للأحكام الجزئية، ترشدنا أيضًا إلى مقاصد الشارع من تلك الأحكام وأمثالها، مثال ذلك قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَـَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6]، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ} [البقرة: 179] وقوله تعالى في الخمر: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا} [البقرة: 219]. فهذه الآيات توضح لنا مقصود الشارع من أحكام الشريعة؛ وذلك لأن رفع الحرج والعسر عن الناس، وإبعاد العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، مقصود للشارع، فهذه الآيات تدل على أن للشارع قصدًا من تشريعه للأحكام. ثانيًا: ما جاء في السُّنَّة النبوية الشريفة، قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الدين بين طرفين اثنين، بدأ أولهما بعقيدة التوحيد، منتهيًا بآخر الطرف الآخر، وهو أبسط نموذج لخدمة المقاصد العامة، كإماطة الأذى عن الطريق، وبذلك ندرك أن مقاصد الشرع محصورة بين وجوه المصالح؛ كبيرة كانت أو صغيرة. ويؤكد هذا المعنى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)). أيضًا، من الأحاديث النبوية التي تدل على المقاصد وتثبتها، قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، والضرر هو محاولة الإنسان إلحاق المفسدة بنفسه أو بغيره، والضرار أن يتراشق اثنان بما فيه مفسدة لهما. وهذه قاعدة كبرى أغلق بها النبي صلى الله عليه وسلم منافذ الضرر والمفاسد أمام المسلمين، فلم يبقَ في التشريع إلا كل ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم. جـ. الاستدلال ببعض القواعد الشرعية المُجمع عليها: القاعدة الأولى: انقسام المعاصي التي نهى عنها الشارع إلى صغائر وكبائر، وتفويت الإثم المترتب عليها حسب هذا التقسيم، وبيان أن طلب الشارع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد أو الحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها؛ إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد؛ ولذلك انقسمت الطاعات إلى الفاضل والأفضل، لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل. وانقسمت المعاصي إلى الكبير والأكبر؛ لانقسام مفاسدها إلى الرذيل والأرذل، فالطلب الجازم لا يتفاوت بذاته، مع أنه قد ثبت بصريح القرآن وصريح الحديث أن في الذنوب ما يعظم إثمه، كالسبع الموبقات، التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات))، وفي المعاصي ما دون ذلك، وهو ما سماه القرآن الكريم بالسيئات واللمم، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31]، وقوله تعالى: {الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللّمَمَ إِنّ رَبّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]. ومما تقدم ندرك انحصار سبب تفاوت الإثم في تفاوت أثر المعصية، وما تجلبه من الشرور والمفاسد للعباد، كما انحصر سبب تفاوت المثوبة على الطاعات في تفاوت نتائجها من المصالح العائدة إليهم، وعلى هذا الأساس قاس العلماءُ على السبع الموبقات المنصوص عليها ما يشبهها؛ إذ قارنوا مفسدة الذنب بمفاسد الكبائر المنصوص عليها، كما قاله العز بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام): إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر. ثم قال: فمن شتم الرب أو الرسول، أو استهان بالرسل، أو كذَّب واحدًا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وبهذه الطريقة ألحقوا المعاصي ذات المفاسد العظيمة والتي لم ينص على أنها من الكبائر وأعطوها حكم الكبيرة، وهذه القسمة بين المعاني تدل على أن مقاصد الشارع تتفاوت بحسب عظم المصالح وحقارتها. وهذا يدل على أن الشريعة جاءت للمحافظة على مصالح الناس، ودفع الفساد عنهم. القاعدة الثانية: ثبوت خطاب الوضع في الأحكام المتضمنة لما يسمى بالجوابر؛ لأن مناط التكليف إنما هو العقل والبلوغ كما هو معلوم، غير أن كل تصرف يصدر من فرد ما من شأنه تفويت مصلحة على أحد من الناس يصلح سببًا لحكم وضعي يتعلق به؛ لأن الغرض من مشروعية الجوابر، هو جبر ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثمًا، وكذلك شُرِع الجبر مع العمد والخطأ، والجهل والعلم، والذكر والنسيان، وعلى المجانين والصبيان؛ ولذلك قال العلماء: العمد والخطأ في أموال الناس سواء؛ لأنهما اشتركا في الإتلاف الذي هو عِلة للضمان، وهو مقتضى العدل التي لا تتم المصلحة إلا به. فكما أوجب الشرع على القاتل خطأ دية القتيل، وذلك لا يعتمد على التكليف فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال، وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها، فلو لم يضمنوا جناية أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض، وادعى الخطأ وعدم القصد، وهذا بخلاف أحكام الإثم والعقوبات، فإنها تابعة للمخالفة ومعصية العدل؛ ولذلك فرقت الشريعة في أحكام الإثم والعقوبات بين العامد والمخطئ. القاعدة الثالثة: في اختلاف شروط المعاملات: فشروط صحة المعاملات وصفاتها وآثارها تختلف بحسب اختلاف طرقها إلى تحقيق مصالح العباد، فاعتُبِر التوقيت في مثل عقد الإيجار والمساقاة والمزارعة، واعتبر الإطلاق في النكاح؛ لأن التوقيت طريق لتحصيل مصلحة تلك العقود بخلاف النكاح، فإن التوقيت يتنافى مع المقصود من عقد النكاح، وهو المحافظة على النسل، ومنع من بيع المعدوم وإجارته؛ لما في ذلك من الغرر، وغير ذلك من ألوان الاختلاف في العقود؛ لأن كل عقد يُقصد به تحقيق مصلحة معينة. القاعدة الرابعة: مراعاة الشريعة لأعراف الناس الصالحة: فالشريعة تراعي عرف الناس، بشرط ألا يجر عليه مفسدة، ولا يهدم لهم مصلحة، ومما يدل على ذلك إقرار الشارع الحكيم جملة من الأحكام التي كانت قد تعارف عليها العرب في جاهليتهم، كالقسامة، والدية على العاقلة، واشتراط الكفاءة في الزواج، والقيراط، وكسوة الكعبة، ونحو ذلك مما كان محمودًا في الجاهلية، ومتفقا مع مصالح العادات ومكارم الأخلاق. وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التقرير بقوله: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، وإذا ثبت هذا، فقد ثبت لنا أن الشارع الحكيم راعى في تقديره لعادات الناس وأعرافهم أو إلغائها بحسب ما تقضيه مصالحهم، وما يستدعيه السبيل إلى سعادتهم، وبذلك تكون أحكام الشريعة لها مقاصد ترمي إليها. فهذه أدلة متنوعة تجعلنا نقطع أن للشارع مقاصد وأهداف تتحقق بواسطة اتباع أحكامه. وقد توصل العلماء السابقون بعد البحث في النصوص الجزئية والكلية، والعموميات والمطلقات والمقيدات في جميع أبواب الفقه، فوجدوها كلها دائرة على حفظ مقاصد الشارع. طرق إثبات المقاصد الشرعية عند ابن عاشور: يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- في طرق إثبات المقاصد الشرعية: أحسبك قد وثقت مما قررته لك آنفًا بأن للشريعة مقاصد من التشريع، بأدلة حصل لك العلم بها، تحقق الغرض على وجه الإجمال، فتطلعت الآن إلى معرفة الطرق، التي نستطيع أن نبلغ بها إلى إثبات أعيان المقاصد الشرعية في مختلف التشريعات، وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصد ما من تلك المقاصد استدلالًا يجعله بعد استنباطه محل وفاق بين المتفقهين؛ سواء كان في ذلك من استنبطه ومن بلغه، فيكون ذلك بابًا لحصول الوفاق في مدراك المجتهدين، أو التوفيق بين المختلفين من المجتهدين. فاعلم، أننا لسنا بسبيل أن نستدل على إثبات المقاصد الشرعية المتنوعة بالأدلة المتعارفة التي ألفنا الخوض فيها في علم أصول الفقه، وفي مسائل أدلة الفقه، وفي مسائل الخلاف؛ لأن وجود القطع والظن القريب منه بين تلك الأدلة مفقود أو نادر؛ لأن تلك الأدلة وإن كانت من القرآن الكريم وهو متواتر اللفظ فمعظم أدلته ظواهر، وفي القرآن أدلة على مقاصد الشريعة قريبة من النصوص، سنذكرها في تقسيمها الآتي. وإن كانت الأدلة من السُّنة فهي كلها أخبار آحاد، وهي لا تفيد القطع ولا الظن القريب منه، فعلينا أن نرسم طريق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلغنا إليه بالتأمل وبالرجوع إلى كلام العلماء، ويجب أن يكون الرائد الأعظم الفقيه في هذا المسلك، هو الإنصاف ونبذ التعصب لبادئ الرأي، أو لسابق الاجتهاد، أو لقول إمام أو أستاذ، بحيث إذا انتظم الدليل على إثبات مقصد شرعي، وجب على المتجددين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف. الطريق الأول: استقراء الشريعة في تصرفاتهم: وهذا الطريق هو أعظم طرق إثبات المقاصد الشرعية، وهو نوعان: النوع الأول: وهو أعظمها، استقراء الأحكام المعروفة عِللها، الآيل إلى استقراء تلك العِلل المثبتة بطرق مسالك العِلة، فإن باستقراء العِلل حصول العلم من مقاصد الشريعة بسهولة؛ لأننا إذا استقرينا عِللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لأحكام متجددة أمكن أن نستخلص منها حِكمة واحدة، فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يستنتج من استقراء الجزئيات تحصيل مفهوم كلي حسب قواعد المنطق. مثاله: أننا إذا علمنا عِلة النهي عن المزابنة الثابتة بمسلك الإيماء في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر، فقال: ((أينقص الرطب إذا جف؟ قال: نعم، قال: فلا إذن))، فحصل لنا أن علة تحريم المزابنة، هي الجهل بمقدار أحد العوضين، وهو الرطب منهما المبيع باليابس، وإذا علمنا إباحة القيام بالغبن، وعلمنا أن علتهم نفي الخديعة بين الأمة بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: إني أخدع في البيوع. فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)). إذا علمنا هذه العلل كلها، استخلصنا منها مقصدًا واحدًا، وهو إبطال الغرر في المعاوضات، فلم يبقَ خلافٌ في أن كل تعارض اشتمل على خطر أو غرر في ثمن أو مثمن أو أجل فهو تعاوض باطل. النوع الثاني: استقراء أدلة أحكام اشتركت في عِلة بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العِلة مقصد مراد للشارع، مثاله: النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وعِلته: طلب رواج الطعام في الأسواق، والنهي عن الاحتكار في الطعام؛ لحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن معمر مرفوعًا: ((من احتقر طعامًا فهو خاطئ))، وعِلته: إقلال الطعام في الأسواق. فهذا الاستقراء يحصل العلم بأن رواج الطعام وتيسير تناوله، مقصد من مقاصد الشريعة، ومن هذا القبيل، كثرة الأمر بعتق الرقاب، الذي دلل على أن من مقاصد الشريعة حصول الحرية، وأن الشريعة تتشوف إلى عتق رقاب العبيد. الطريق الثاني: أدلة القرآن الكريم: وهي الأدلة الواضحة الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها، بحسب الاستعمال العربي؛ بحيث لا يَشك في معناها إلا مَن شاء أن يدخل على نفسه شكًّا، ألا ترى أنا نجزم أن معنى قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} [البقرة: 183]، أن الله أوجب الصيام، ولو قال أحد: إن ظاهر هذا اللفظ أن الصيام مكتوب في الورق لجاء خطأ من القول، فالقرآن لكونه متواتر اللفظ يحصل اليقين بنسبة ما يحتوي عليه إلى الشارع تعالى، ولكونه ظني الدلالة يحتاج إلى دلالة واضحة يضعف تطرق احتمال معنى ثانٍ إليها. فإذا انضم إلى قطعية المتن قوة ظن الدلالة تسنَّى لنا أخذ مقصد شرعي منه يرفع الخلاف عند الجدل في الفقه، مثل ما يؤخذ من قوله تعالى: {وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ} [البقرة: 205]، وقوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، ففي كل آية من هذه الآيات تصريح بمقصد شرعي، أو تنبيه على مقصد شرعي. الطريق الثالث: السُّنَّة المتواترة: وهذا لا يوجد له مثال إلا في حالين: الحال الأول: المتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة عملًا من النبي صلى الله عليه وسلم فيحصل لهم عِلمٌ بتشريع في ذلك، يستوي فيه جميع المشاهدين، وإلى هذا الحال يرجع قسم المعلوم من الدين بالضرورة، وقسم العمل الشرعي القريب من المعلوم بالضرورة، كمشروعية الصدقة الجارية المعبر عن بعضها بالحبس. فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم، وما حبسوا من أموالهم، وهذه صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حوائط، وينبغي للمرء ألا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرًا، وأمثلة هذا العمل في العبادات كثيرة، ككون خطبة العيدين بعد الصلاة. الحال الثاني: تواتر عملي يحصل لآحاد الصحابة من تكرر مشاهدة أعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يستخلص من مجموعها مقصدًا شرعيًّا، ففي (صحيح البخاري)، عن الأزرق بن قيس، قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فقام يصلي، وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها، فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس! فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت الفرس، لم آتِ أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى من تيسيره. فمشاهدته أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعددة استخلص منها أن من مقاصد الشريعة التيسير، فرأى أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه، ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشم مشقة الرجوع إلى أهله راجلًا. إن مقصد الشارع يُعرف من جهات: إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي، فإن الأمر كان أمرًا لاقتضائه الفعل، فوقوع الفعل عند الأمر مقصود الشارع، وكذلك النهي في اقتضاء الكفّ. الثاني: اعتبار علل الأمر والنهي كالنكاح تحقيقًا لمصلحة التناسل، والبيع تحقيقًا لمصلحة الانتفاع بالمبيع. الثالث: أن للشارع في تشريع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، فمنها ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مشار إليه، ومنها ما استقرئ من نصوص، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينصّ عليه مما ذلك شأنه، هو مقصود الشارع.

error: النص محمي !!