Top
Image Alt

بيان الحكم الشرعي في الاستفادة من الجيلاتين النباتي والحيواني

  /  بيان الحكم الشرعي في الاستفادة من الجيلاتين النباتي والحيواني

بيان الحكم الشرعي في الاستفادة من الجيلاتين النباتي والحيواني

كنا قد علمنا من التعريفات أن الجيلاتين مادة شبه زلالية، لينة، لزجة، غير قابلة للذوبان في الماء، وتُستخرج من عظم الحيوان وأنسجته، فهي مادة تشبه الدهون والزيوت، فإن كانت هذه المادة من الخِنزير فهي حرام؛ لأن الخنزير حرامٌ لحمُه وشحمُه وجميعُ أجزائِه، لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].

قال الألوسي صاحب (التفسير): خص اللحم بالذكر مع أن بقية أجزائه -أي: أجزاء الخنزير- أيضًا حرام؛ خلافًا للظاهرية. ونُصحح ذلك بأن الظاهرية نقلوا كغيرهم الإجماع على تحريم جميع أجزاء الخنزير؛ لأنه -أي: اللحم- معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه كالتابع له، فالخنزير بعينه رجسٌ، فهو كله رجس وبعضُ الرجس رجسٌ، والرجس حرام وواجب اجتنابه، فالخنزير كله حرام لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره.

إذًا: الجيلاتين لو كان من خنزير فهو حرام قولًا واحدًا، والعضو المبان -المفصول- من حيوان حي يعتبر كميتته فيحرم، إلا من السمك والجراد. والمبان من سائر الحيوانات البرية ذات الدم السائل لا يؤكل؛ سواء أكان أصله مأكولًا كالأنعام أم غير مأكول كالخنزير، فإن ميتة كل منهما لا تؤكل بلا خلاف، كذلك ما أُبِينَ منه حيًّا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما قُطع من البهيمة، وهي حية فهو ميتة)).

وقال الحنفية: يحرم من أجزاء الحيوان سبعة: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبل، والغدّة -الكلية- والمثانة، والمرارة.

وروى ابن حبيب من المالكية استثقال أكل عشرة، دون تحريم -أي: على الكراهة: الأنثيان -الخصيتان- والعسيب -الذكر- والغدة، والطحال، والعروق، والمرارة، والكليتان، والمثانة، وأذنَا القلب.

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عظم الآدمي طاهر، سواء كان حيًّا أو ميتًا، وسواء كان مسلمًا أو كافرًا، كما ذهبوا إلى أن عظم مأكول اللحم المذبوح شرعًا طاهر يجوز الانتفاع به، إلا أنهم اختلفوا في عظم الميتة أو المذبوح الذي لا يُؤكل لحمُه؛ فذهب الجمهور وهم المالكية والشافعية والحنابلة وإسحاق إلى أن عظام الميتة نجسة، سواء كانت ميتة ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل لحمه، وسواء في غير مأكول اللحم، ذُبح أو لم يذبح، وأنها لا تطهر بحال، ويحرم استعمالها لقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}، ولأن ابن عمر رضي الله عنه كره أن يدهن بعظم فيل؛ لأنه ميتة، والسلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم كما يقول النووي.

وكذا ما أُبين من حيوان نجس الميتة من العظام، سواء كان حيًّا أو ميتًا؛ لأنه جزء متصل بالحيوان اتصالَ خِلقةٍ، فأشبه الأعضاء، وكره عطاء وطاوس والحسن وعمر بن عبد العزيز } عظام الفِيَلة، ورخص في الانتفاع بها محمد بن سيرين وابن جريج.

ونحن نقول: لما كان أصل الجيلاتين عظمًا ونخاعًا والنخاع دم؛ فإن الأصل فيه النجاسة، إلا أنه بالاستحالة -أي: التحول من هذه المادة العظام والنخاع، إلى مادة أخرى غير العظم والدم- يصير طاهرًا، ويمكن الاستفادة منه.

وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله بن بيه: وانقلاب العين يعبّر عنه بالاستحالة، والاستحالة استفعالة من: حال يحول إذا تغيّر أو انقلب أو زال، وشرعًا: تغيّر يحصل في العين النجسة يؤدي إلى زوال أعراضها وتبدل أوصافها، يزول بسببه الاسم الأول لزوال الصفات القديمة، وهو من المطهرات؛ لأنها أزالت العلة التي وقع التحريم لأجلها اتفاقًا عند الأحناف والزيدية والظاهرية، وأبي محمد بن حزم، وعلى المشهور عند المالكية، وعلى إحدى الروايتين عند الإمام أحمد -أي: عند جمهور العلماء.

وتطبيقًا على ذلك ورد للشيخ عبد الله بن بيه هذا السؤال: يُكتب ضمن محتويات بعض المأكولات حرف “A” باللغة الإنجليزية، مضافًا إليه رقم، مثل: a4، a8، a2، وقيل: هذا معناه أنها تحتوي على مواد مصنعة من دُهن أو عظم الخنزير، فلو ثبت هذا الأمر؛ فما الحكم الشرعي في تلك المأكولات؟

أجاب فضيلته بقوله: هذه المواد المشار إليها بحرف “A” مضافًا إليها رقم، هي مركبات إضافية يزيد عددها على ثلاثمائة وخمسين مركبًا، وهي إما أن تكون من المواد الحافظة -الحافظات- أو الملونات أو المحسنات أو المُحليات أو غير ذلك.

وتنقسم هذه المواد المركبة التي تضاف بحسب المنشأ إلى أربع فئات:

الفئة الأولى: مركبات ذات منشأ كيميائي صنعي.

الفئة الثانية: مركبات ذات منشأ نباتي.

الفئة الثالثة: مركبات ذات منشأ حيواني.

الفئة الرابعة: مركبات تستعمل منحلّة في مادة الكحول. والحكم فيها أنها لا تؤثر على حلّ الطعام أو الشراب؛ وذلك لما يأتي:

أما الفئة الأولى والثانية -أي: المركب الكيماوي والمركب النباتي- فلأنها من أصل مباح، نبات أو تنشئة كيميائية من ماء ومركبات، فلأنها من أصل مباح ولا ضرر يقع باستعمالها.

أما الفئة الثالثة -وهي مركبات ذات منشأ حيواني- فإنها لا تبقى على أصلها الحيواني، وإنما تتحول وتطرأ عليها استحالة كيميائية تغير طبيعتها تغيرًا تامًّا، وانقلاب العين أو استحالتها يحوّل حكمها ويجعلها طاهرةً ويمكن الاستفادة منها، بحيث تتحول إلى مادة جديدة طاهرة، وهذا التغير مؤثر على الحكم الشرعي في تلك المواد؛ أي: يحولها من النجاسة إلى طهارة، فإنه لو كانت عينها محرمة أو نجسة فالاستحالة إلى مادة جديدة يجعل لها حكمًا جديدًا آخر، كالخمر مثلًا إذا تحولت خلًّا فإنها تكون طيبة طاهرة، وتخرج بذلك التحول عن حكم الخمر.

الفئة الرابعة: المركبات التي تستعمل منحلة في مادة الكحول، وهذه تكون غالبًا في المواد الملونة، وعادة يستخدم من محلولها كمية ضئيلة جدًّا تكون مستهلكة في المادة الكثيرة أو المادة النهائية، وهذا من العفو الذي عَفَا الله تعالى عنه.

إذًا: ننتهي إلى أن ما كان من الأطعمة أو الأشربة يتضمن في تركيبه شيئًا من هذه المواد؛ فهو باقٍ على الإباحة الأصلية، ولا حرجَ على المسلم في تناوله. والذي أرجّحه أن ما كان من الخنزير فهو حرام ولا يجوز استعمالُه، وما كان من غيره فحلال يُباح استعماله، والإفادة منه نباتيًّا كان أو حيوانيًّا.

هذا، والله ولي التوفيق.

error: النص محمي !!