Top
Image Alt

بيان العَلاقة بين توحيد الألوهية والربوبية، وما ينتهي إليه توحيد المتكلمين

  /  بيان العَلاقة بين توحيد الألوهية والربوبية، وما ينتهي إليه توحيد المتكلمين

بيان العَلاقة بين توحيد الألوهية والربوبية، وما ينتهي إليه توحيد المتكلمين

بعد أن ذكرنا مفهوم التوحيد وأقسامه عند المتكلمين، ونقدت هذه الأقسام أيضًا كان ولا بد أن أبيِّن أهمية أنواع التوحيد، وخاصة ما يتعلق بما أنَا بصدده الآن، ألا وهو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

لا بد أن أبيِّن ما هي العلاقة بين هذين النوعين من التوحيد، وإذا ظهرت لنا هذه العلاقة ظهر لنا فساد ما ذهب إليه المتكلمون، ثم ظهر لنا أيضًا أهمية توحيد الألوهية حتى لا يقع الناس في أي لون من ألوان الشرك؛ لأن البعض لمّا لم يفهم معنى هذا التوحيد، وأنه يوجب صَرف جميع أنواع العبادة لله وحده دون سواه، وقع في الشرك دون أن يشعر أو أن يدري بأنه مرتكب للون من ألوان الشرك.

ولذلك لا بد من بيان هذه العلاقة، فأقول فيها: علاقة أحد النوعين بالآخر تظهر في أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الألوهية والقيام به، فمن عرف وأيقن، وأقر أن الله ربه وخالقه، ومدبر أموره وجب عليه أن يعبده وحده دون سواه، وألا يشرك بالله أحدًا، إذًا العلاقة الأولى هي أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، فمن يقر بأن الخالق المدبر لجميع شئونه هو الله يستلزم ذلك، ويوجب عليه أن يصرف جميع أنواع العبادة لربه سبحانه وتعالى دون سواه.

أما توحيد الألوهية فهو يتضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية، فمن عبَدَ الله وحده ولم يشرك به شيئًا، فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه، فالذي يعبد الله عز وجل ويصرف ألوان العبادات إليه سبحانه دون سواه لا شك أنه يوقن ويعتقد أنه يفعل هذه العبادة لله؛ لأن الله هو الذي خلقه، وهو الذي يرزقه، وهو الذي يتولى أموره… وغير ذلك، ونحن نسترشد في هذا بما قاله خليل الرحمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقد ذكره القرآن الكريم عنه، قال لقومه الذين أشركوا، وعبدوا الكواكب والأصنام مع الله عز وجل : {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} [الشعراء: 75- 82].

والربوبية والألوهية تارة يُذكران معًا فيفترقان في المعنى، ويكون أحدهما قسيمًا للآخر، كما في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاس} [الناس: 1- 3] فيكون معنى الرب في هذه الآيات هو المالك المتصرف في الخلق، ويكون معنى الإله أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده.

وتارة يُذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى، كما في قول الملكين للميت في القبر: مَن ربك؟ ومعناه: مَن إلهك وخالقك؟ فقول الملك للميت: مَن ربك؟ لا يعني به الرب فقط الذي لا يجب أن تصرف العبادة له، أو يقتصِر على الرب فحسب، ولا يجيب بذكر الإله، وإنما يعتقد أن الرب هو الإله، فقوله: مَن ربك؟ يعني: مَن إلهك ومَن خالقك؟ وهذا كما في قول الله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40]، وكقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام: 164]، وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30].

فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية، والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية، وهذا أمر أركز عليه، ولا بد من أن أبينه؛ وذلك لأن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم، ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة، أنكروه في الظاهر فقط، والإقرار به وحده لا يكفي، فقد أقر إبليس بتوحيد الربوبية، قال: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} وأقر به المشركون الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87].

فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط لم يكن مسلمًا، ولم يَحْرُم دمه ولا ماله حتى يقر بتوحيد الألوهية، فلا يعبد إلا الله؛ وبهذا يتبين بطلان ما يزعمه علماء الكلام والصوفية من أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر، ومن أقر بذلك صار عندهم مسلمًا؛ ولهذا يعرِّفون التوحيد في الكتب التي ألَّفوها في العقائد بما ينطبق على توحيد الربوبية فقط، حيث يقولون مثلًا: التوحيد هو الإقرار بوجود الله، وأنه الخالق الرازق… إلى غير ذلك، ثم يوردون أدلة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “إن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له؛ وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا “لا إله إلا الله” حتى يجعلوا معنى الألوهية القدرة على الاختراع، ومعلومٌ أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدَر أيضًا، وهم مع هذا كانوا على الشرك ومن المشركين”.

هذا كلام الشيخ رحمه الله، وهو واضح في الرد على من اعتقد أن التوحيد المطلوب من الخلق هو الإقرار بتوحيد الربوبية، ويؤيد هذا ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] فالرسل لم يقولوا لأممهم أقروا أن الله هو الخالق؛ لأنهم يقرون بهذا، وإنما قالوا لهم: “اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت”.

ويقول شيخ الإسلام أيضًا: “التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يعبد إلا إياه”، إلى أن قال: “وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف؛ فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب -تبارك وتعالى- من الصفات ونزَّهه عن كل ما ينزَّه عنه، وما يجب أن ينزَّه عنه، وأقر بأن الله وحده هو الخالق لكل شيء، لم يكن موحِّدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ويقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله: هو المعبود المألوه الذي يستحق العبادة، وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع؛ فإنه إذا فُسِّر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد هذا المعنى فإنه يكون بهذا لم يفهم حقيقة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت أن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله وحده هو الخالق، وكانوا مع هذا مشركين، كما قال رب العالمين: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف: 106]”.

قال طائفة من السلف: تسألهم: مَن خلقَ السموات والأرض؟ سيكون الجواب: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره، ولعله من المناسب هنا أن أذكر قول الحق تبارك وتعالى: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُون * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون} [المؤمنون: 84- 89].

هذه الآيات بيَّنت أن هؤلاء المشركين أقروا بذلك لرب العالمين، ولكن ليس كل من أقر بأن الله رب كل شيء، وخالقه يكون عابدًا له دون ما سواه، داعيًا له دون ما سواه، يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وأود أن أبيِّن هنا أن الشرك الذي وقع في الأمة إنما كان بسبب عدم فهم توحيد الألوهية، والفرق بينه وبين توحيد الربوبية، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تكلم عن هذا كثيرًا، وذكر الخطأ الذي وقع فيه علماء الكلام في ذلك، وأن هذا في الحقيقة أثَّر تأثيرًا كبيرًا في أن بعض الناس قد وقع في بعض ألوان الشرك والعياذ بالله -تبارك وتعالى- دون أن يشعر ودون أن يعلم أنه ارتكب أفعالًا شركية؛ لأن فهمه أنه إذا قال بأن الله هو ربي، فقد سلم من أي لون من ألوان الشرك، حتى ولو استغاث بغير الله أو دعا غير الله، وغير ذلك، في حين أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب الذي يستحق الإلهية؛ لأنه متصف بصفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى وحده دون سواه.

في نهاية الكلام هنا كلمة جميلة لابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- تُبين فساد ما ذهب إليه هؤلاء، وتبين أثر هذا: “إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف، ظنَّت أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحُسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولم يفرِّقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات، وبين كلماته الكونية التي لا يجاوزها بَرٌّ ولا فاجر؛ لشمول القدَر لكل مخلوق، وكلماته الدينيات التي اختُص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه، فالعبد مع شهود الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر عليه أن يشهد ألوهية الله -تبارك وتعالى- التي اختص بها عبادَه المؤمنين الذين عبدوه، وأطاعوا أمره، واتبعوا رسله، قال الله -تبارك وتعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار} [ص: 28]، وقال جل ذكره: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون} [الجاثية: 21].

ومن لم يفرق بين أولياء الله -تبارك وتعالى- وأعدائه، وبين ما أمر الله به وأحبه من الإيمان والأعمال الصالحة، وما كرهه ونهى عنه، وأبغضه من الكفر والفسوق والعصيان، مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء، وإلا وقع في دين المشركين والعياذ بالله -تبارك وتعالى-: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148].

إذًا لا بد من فهم أنواع التوحيد على منهج صحيح، وأن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم لا شك أنه مطلوب، وبعض هذه الأقسام من الأهمية بمكان.

error: النص محمي !!