Top
Image Alt

بيان المبادئ التي دعت إليها جماعة الديوان، وأمثلة من شعرهم

  /  بيان المبادئ التي دعت إليها جماعة الديوان، وأمثلة من شعرهم

بيان المبادئ التي دعت إليها جماعة الديوان، وأمثلة من شعرهم

سنتحدث عن المبادئ التي دَعَا إليها شعراء ما يعرف باسم “مدرسة الديوان”: وهم عباس محمود العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم عبد القادر المازني:

هؤلاء الأعلام الثلاثة ذكرت أنه كانت تجمعهم أوجه شبه، وأنهم كانوا نقادًا وشعراء، وأصحابَ ثقافة عربية وثقافة غربية، وأنهم أرادوا أن يثبتوا ذواتهم وأن يقدموا أنفسهم إلى المجتمع الفكري والثقافي والأدبي، وأنهم كانوا يرون في الشعراء والأدباء المحافظين من أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومصطفى صادق الرافعي، والمنفلوطي، كانوا يرون في هؤلاء المحافظين عائقًا يحول بينهم وبين الظهور؛ فأرادوا -خاصة العقاد، والمازني- أن يهدموا هؤلاء المحافظين، وأن يزحزحوهم عن المكانة التي كانوا يحتلونها في نفوس الناس وفي الصحافة وفي عالم الثقافة والأدب؛ فأراد هؤلاء الثلاثة أن يشقوا طريقهم نحو القمة التي يعتليها المحافظون؛ فسلكوا في سبيل ذلك مسلكين:

أولهما: الكتابات النقدية العنيفة في بيان جوانب القصور في أدب المحافظين، وكشف مساوئه؛ استنادًا إلى المذاهب الحديثة في النقد والتي استقاها هؤلاء المجددون من إلمامهم بالثقافة الغربية.

ثانيهما: الشعر الذي أبدعه هؤلاء المجددون الثلاثة على ضَوْء ما اعتقدوا من قيم ثقافية، وما دعوا إليه من أساليب فنية.

وقد تعرض الثلاثة الداعون إلى التجديد بهذه الكتابة النقدية للأعلام المبرَّزين من المحافظين في مجالي النثر والشعر، والتزموا في نقدهم الحق حينًا، وحملتهم الرغبة في إثبات وجودهم على مجاوزة هذا الحق في كثير من الأحيان.

ذكرت أن النقد الذي خص العقاد به أمير الشعراء أحمد شوقي فيه كثير من التعنت والتحامل، وكذلك فيما خَص به مصطفى صادق الرافعي، والأمر مثل ذلك فيما كتبه المازني من نقد لشعر حافظ إبراهيم.

وكان الثلاثة المجددون -أول الأمر- متفقين في الهدف والوسيلة بعد أن توافقت أمزجتهم وتشابهت ثقافتهم، ثم انفصل شكري عن زميليه بعد أن كتب مقالاتٍ وبحوثًا في النقد تحمل وجهة نظره في التجديد، وبعد أن صدرت له عدة دواوين تمثل التطور الذي يريده ويدعو إليه.

ومن كتابات هؤلاء الثلاثة وأشعارهم يستطيع الباحث أن يستجمع ملامح الصورة التي دعوا إليها؛ لتكون مثال الشعر الجيد والأدب المتطور من وجهة نظرهم.

وقد راحوا يحاولون تطبيقَ هذه الصورة فيما كتبوه من شعر ونثر، وقد وُفِّقوا في ذلك إلى درجة كبيرة وإن لم يحققوا في إبداعهم كلَّ ما دعوا إليه في نقدهم؛ لكن شعرهم -على أي حال- جاء مختلفًا في موضوعاته وأفكاره ومعانيه وبناء القصيدة عن شعر المحافظين، كما سأبين ذلك عند الدراسة التحليلية المتأنية لبعض أشعارهم.

لكن الدعوة إلى التجديد التي حملوا لواءها بنيت على أسس، هذه الأسس هي:

أولًا: الدعوة إلى الابتكار وترك المحاكاة والتقليد.

ثانيًا: تحقيق الصدق الفني والصدق الشعوري في الشعر.

ثالثًا: استقلال شخصية الشاعر، وظهور ملامح في شعره تدل عليه، وتشير إليه، وتميزه عن غيره.

رابعًا: الشعر لغة العواطف والخيال والذوق.

خامسًا: المناسبات العابرة لا تصلح موضوعًا للشعر الصادق الجيد.

سادسًا: على الشاعر أن يوفر لشعره الفكرة العميقة، وأن يغوص إلى أعماق الأشياء والزمن والكائنات والنفس الإنسانية.

سابعًا: للصور والتشبيهات وظيفة نفسية تدل على أثر الصورة في نفس الشاعر، وتنقل هذا الأثر إلى المتلقي.

ثامنًا: وجوب توافر الوحدة العضوية في القصيدة؛ لأن القصيدة تشبه الكائن الحي؛ فإذا لم تتوافر لها الوحدة؛ كانت أشبه بالكائن المشوه أو الممزق.

تاسعًا: نبذ المبالغات والصور القائمة على علاقات متوهمة؛ فهناك فرق بين الخيال الصحيح والوهم الفاسد.

عاشرًا: يستطيع الشاعر الجيد أن يجد في أحداث الحياة اليومية موضوعات يتفاعل معها ويتأثر بها، ويخرج منها بفلسفة خاصة تعينه على الإبداع الشعري. ومن هنا جاء الارتباط في شعرهم بين الفكر والعاطفة وأحيانًا غلبة الطابع الفكري الفلسفي عليه.

وعلى هذا النحو الجديد ظهرت دواوين هؤلاء الثلاثة تحمل موضوعات جديدة، وصورًا مبتكرة، وأسلوبًا في الشعر يختلف عن أسلوب المحافظين، وراح هؤلاء المجددون يبثُّون في أشعارهم نفثات صدورهم، ونبضات قلوبهم، ووخزات قلقهم، وظهر في شعرهم هديرُ الثورة أحيانًا، واستلهم هؤلاء المجددون الطبيعة ومشاهد الكون وتعمقوا في أسرار النفس، وظهرت التشبيهات والصور في شعرهم على نحو غير مألوف، وتغير المعجم الشعري إلى حد كبير عندهم، وأكثروا من شعر التأمل في المجرَّدات والغيبيات، وحاولوا تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة؛ تلك الوحدة التي تُحَتِّم أن تخلص القصيدة لموضوع واحد من بدايتها إلى نهايتها، وأن يمثل موضوع القصيدة فكرة حية متنامية في غير نقص ولا زيادة ولا تناقض ولا اختلاف؛ كما حملت تجاربهم كثيرًا من دلائل الصدق الفني والشعوري، وعبَّرت عن ذواتهم وشخصياتهم في كثير من الأحيان.

وقل في شعرهم شعر المناسبات، وكثرت فيه الموضوعات الفكرية والنفسية والفلسفية، ودعا هؤلاء المجددون إلى التحرر من وَحدة القافية، ونظموا على صور جديدة تتعدد فيها القافية، وتتنوع في القصيدة الواحدة، وكان لهم محاولات تجديدية فيما يتعلق ببناء القصيدة؛ فدعا عبد الرحمن شكري إلى الشعر المرسل ونَظَم فيه بعض القصائد؛ كما إن بناء القصيدة عند العقاد وعند المازني يختلف أحيانًا عن البناء التقليدي المتعارف والمتوارث والذي نجد نماذجه في شعر الشعراء المحافظين.

كما اهتم هؤلاء الثلاثة بوضع عناوين لقصائدهم، هذا العنوان يكون دليلًا ومشيرًا إلى مضمون القصيدة؛ بل إنهم وضعوا عناوين لدواوينهم، وهذا أمر غير مألوف؛ لأن العقاد، وشكري، والمازني مثلًا نجد كل ديوان عندهم يحمل عنوانًا، هذا العنوان يكون مشيرًا إلى ما يحمله هذا الديوان من قصائد؛ كديوان العقاد: (عابر سبيل)؛ فقصائد هذا الديوان كلها تتعلق بالمشاهدات اليومية التي يراها عابر السبيل أو عابر الطريق: كعسكري المرور، وواجهات الدكاكين يوم البطالة، ككوَّاء الثياب… كل هذه الملاحظات التي يراها عابر السبيل جعل منها العقاد موضوعات لشعره، وجعل هذه القصائد في ديوان بهذا العنوان (عابر سبيل)؛ فإذن عنوان الديوان يدل على محتواه؛ كذلك أيضًا ديوانه (وحي الأربعين).

فمسألة العنوان الدال على مضمون القصيدة، والعنوان الدال على ما يجمعه الديوان الواحد، هذه مسألة جديدة لم تكن معروفة عند الشعراء المحافظين.

error: النص محمي !!