Top
Image Alt

بيان انقسام الناس في نصوص الصفات إلى ستة أقسام

  /  بيان انقسام الناس في نصوص الصفات إلى ستة أقسام

بيان انقسام الناس في نصوص الصفات إلى ستة أقسام

القسم الأول: من يجريها على ظاهرها كما يليق بجلال الله:

وهم سلف هذه الأمة الصالحون ومن تبعهم من أئمة الدين ممن عرفوا بالفقه فيه والتمسك بالسنن والآثار والسير على منهاج النبوة ومخالفتهم للمبتدعة في كل ما أدخلوه على أصول الديانة، وهذا العنصر يشتمل على نقاط متعددة؛ لأني أود أن أجلي موقف السلف القويم من صفات رب العالمين من خلال هذا العنصر، خاصة وهم خلاصة الناس ألا وهم السلف، وهو القسم الأول الذي سأتحدث عنه من خلال بيان انقسام الناس في نصوص الصفات:

أ. بيان موقف السلف من الصفات:

موقف السلف من الصفات يتحدد في ضمن قواعد نص عليها وأحكموا القول فيها، وذلك من خلال معرفتهم بالنصوص واستقرائهم لها، ومن ذلك ما قاله الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق الأمة وأئمتها، يقول -رحمه الله-: ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن أن يؤمن به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا عليه في الكتاب والسنة، ومتفقًا عليه بين سلف الأمة، وهذا أمر واضح للغاية، والمراد بقوله -رحمه الله-: ما جاء في الكتاب والسنة، يعني ما جاء فيهما مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم  عن ربه من أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى.

والمراد بأن لم يفهم معناه يعني: إن لم يعلم ويدرك المعنى المراد من اللفظ على وجه البيان التام والإيضاح الكامل لجميع أجزاء المعنى؛ لأن هذا النوع من الفهم من فروض الكفايات.

ولكن عليه أن يفهم فهمًا مما يفهمه من اللفظ المتبادر منه إن لم يدرك في الحقيقة كل كلمة فيه، وإن لم يفهم هو فليسلم بما ثبت في النص وليكِل ما لم يعلمه إلى من يعلمه ويفهمه من أهل العلم.

ولذلك أقول بناء على هذا الأصل -وهو كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن أو السنة وجب الإيمان به-: إن هذا مما اتفقت عليه كلمة المسلمين، اتفقت كلمة المسلمين على اعتبار القرآن الكريم والسنة النبوية هما المعتمدان في التشريع، فإليهما المرجع والمآل في جميع مناحي الشريعة أصولها العقدية وفروعها العملية، واستدامة لهذا الأصل وعملًا به وجب الإيمان في باب الأسماء والصفات بكل ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم عنه بما يجب إثباته للرب جل جلاله وتقدست أسماؤه إجمالًا وتفصيلًا، إجمالًا وذلك في الأخبار المجملات، وتفصيلًا وذلك في الأخبار المفصلات، فعلم بهذا أن الإيمان بإخبار الله وإخبار رسوله صلى الله عليه وسلم يقع على مرتبتين:

المرتبة الأولى: الإيمان المجمل:

وهو من فروض الأعيان، وهذا هو مقصد شيخ الإسلام حينما قال: كل ما جاء في الكتاب والسنة وجب الإيمان به وإن لم يفهم معناه، يعني يؤمن إيمانًا مجملًا، وهذا واجب على كل مسلم أن يؤمن ويصدق بما يدل عليه النص، سواء ظهرت له حقيقة المعنى المدلول عليه باللفظ الإلهي والنبوي أو لم تظهر.

المرتبة الثانية: الإيمان المفصل:

وهذا مختص بكل ما وضحت دلالته، وبان معناه، وظهر مدلوله من نصوص الكتاب والسنة، فهو فرض عين على من وضحت عنده مفاهيمه وبرزت إلى عقله حقيقته، وأما البحث عنه على من وجدت عنده القدرة عليه فهو من فروض الكفايات، فيجب على من قدر عليه أن يحصلها طلبًا لحماية الدين، وكفاية المسلمين بتعليمه وتفهيمه، وهذا بحر تتفاوت فيه همم الطالبين، وتتطاول فيه أعناق الراغبين، فبقدر المعرفة به تكمل المعرفة بالله ودينه، وهذا مشاهد بين مسارعة طلبة العلم في تحصيل العلوم، والناس يتفاوتون في الفهم والإدراك والتحصيل، وقد مدح الله عز وجل من ينتفع بالعلم ويسعى إليه فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11.

ب. التأكيد على أن القرآن الكريم يجب أن يؤخذ على ظاهره:

لأن هذا هو موقف السلف عمومًا مما جاءهم من التشريع، وأئمة أهل السنة على ذلك: أنهم يقبلون القرآن على ظاهره؛ لأن الله خاطبهم به وخاطبهم بما يعقلون وبما يعرفون، وقد نص على ذلك الإمام الأشعري -رحمه الله- في أكثر من موطن في كتابه (الإبانة) وهذا الكتاب ثابت له ويعد من آخر ما كتب -رحمه الله-، وقد ذكره ابن عساكر -رحمه الله- في (تبيين كذب المفترى) ونقل منه بعض النصوص، نجد الأشعري -رحمه الله- يقول مثلًا وهو يرد على نفاة الرؤية من المعتزلة وغيرهم، فبعد ما رد عليهم ورد تأويلاتهم الباطلة التي نفوا بها صفة الرؤية الثابتة لله عز وجل قال -رحمه الله-: والقرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة وإلا فهو على ظاهره.

وقد قال أيضًا مثل ذلك فيمن أنكر صفة اليدين لله عز وجل قال نفس العبارة بعد أن ذكر أن صفة اليدين ثابتة لله سبحانه -وقد سبق الحديث عنها- ثابتة في القرآن الكريم وثابتة في السنة النبوية، ورد على من تأول اليد بالقدرة أو النعمة، وأبطل قولهم، أكد في رده عليهم ليبين أنهم قد ذهبوا إلى الباطل حينما أولوا الصفات؛ لأنهم خالفوا ظاهر القرآن.

قال أيضًا بأن القرآن على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن هذا الظاهر إلا بحجة وإلا فهو على ظاهره.

النقطة الثانية: ذكر ما يلزم من اللوازم الباطلة لو حمل كلام الله عز وجل على غير ظاهره:

اللازم الأول: أن يكون الله سبحانه وتعالى قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل، وهذا في الحقيقة أيضًا لا يليق بجلال الله وكماله.

اللازم الثاني: أن يكون قد نزّل الله عز وجل لهم بيان الحق والصواب، ولكنه لم يفصح به لهم، بل رمز إليه رمزًا، وألغزه إلغازًا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد، وهذا أيضًا باطل.

اللازم الثالث: أن يكون الله عز وجل قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تدل على ذلك أو تفهم خطابه.

اللازم الرابع: أن يكون دائمًا متكلمًا في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، يعني يكون الله عز وجل في باب الأسماء والصفات تكلم بما ظاهره خلاف الحق، يعني أراد شيئًا وتكلم بشيء آخر، ومع ذلك لما تكلم بما تكلم به نوّع الخطاب فيه، ومع هذا التنويع والتفصيل والإخبار والبيان ما أراد هذا الظاهر، هذا لا يمكن أن يكون.

اللازم الخامس: أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ينافي العلم، وإما كتمان ينافي الحق، والذي يظن ذلك في سلف هذه الأمة يكون قد أساء الظن بخيار هذه الأمة، ونسبهم إلى ما لا يليق أيضًا بهم، وهم مَن هم من الفهم والوعي والإدراك، والنصرة لدين الله عز وجل وقائل ذلك ما قدر هؤلاء السلف، بل عكسوا هذا الأمر، فالتزموا تجهيل السلف، وأنهم كانوا أُميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولكنهم لم يفهموا الحقائق، ولم يعقلوا مراد الله عز وجل أو اعتقدوا في الله ما لا يليق به؛ لأن السلف الذين آمنوا وصدقوا بهذه النصوص ما قالوا مثل ما قال هؤلاء المؤولة المعطلة.

اللازم السادس: أن ترك الإنسان من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب، يعني الناس لو تُركوا دون هذه النصوص كان أحسن لهم وخيرًا لهم؛ لأنهم ما استفادوا بنزولها إلا أن عرضوا أنفسهم للضلال إن أخذوها على ظاهرها كما يقول هؤلاء المعطلة، ولا شك أن هذا باطل، وبالتالي ما يؤدي إليه أيضًا باطل.

بيان أن الله سبحانه وتعالى يستحيل أن يريد بكلامه خلاف الظاهر:

لأنه مع كمال علم المتكلم، وفصاحته، وبيانه، يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقة ما أخبر به، يمتنع عليه طالما أنه كامل البيان وطالما أنه على كل شيء قادر وعليم، والفصاحة والنصح هو ديدنه، وما يمكن أن يخاطب عباده به -أعنى رب العزة والجلال- ما يريد أن يخاطبهم به يريد منهم أن يعقلوه وأن يفهموه وأن يعملوا به، يستحيل مع ذلك أن يريد بكلامه خلاف هذا الظاهر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الكلام مع أصحابه يعلمهم ما نزل عليه من عند ربه سبحانه وتعالى ودلهم على ذلك وأراد منهم أن يعتقدوه وأن يفهموه في رب العزة والجلال سبحانه وتعالى. 

القسم الثاني من أقسام الناس في نصوص الصفات هم المشبهة:

 والحديث حول هذا العنصر ينتظم في النقاط التالية:

أ. التعريف بالمشبهة:

المشبهة، ويقال لهم أيضًا المجسمة هم: الذين فهموا من صفات الله تعالى مثل ما للمخلوقين منها، وظنوا أن لا حقيقة لها سوى ذلك، ولذلك فالمشبهة سووا بين الخالق والمخلوق فيما يختص بأحدهما، فصار للتشبه بهذا طرفان:

الطرف الأول: تسوية الخالق بالمخلوق فيما هو من خصائص المخلوق، سووا بين الخالق والمخلوق فيما هو من خصائص المخلوق.

الطرف الثاني: تسوية المخلوق بالخالق فيما هو من خصائص الخالق.

ولا شك أن هذا كله باطل؛ لأن الأول يوجب أن نصف الله عز وجل بما يضاد كماله المقدس، والثاني يوجب أن نرفع المخلوق عن منزلته، ونصفه بصفات الخالق، وكلاهما باطل، ولذلك، قبل أن أسترسل في الحديث عن التشبيه أبين ضلال هؤلاء المشبهة، وأن الأمر كما قال نعيم بن حماد شيخ البخاري -رحمه الله-: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى ما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ربه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا فيما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربه تشبيه، فكما أن نفي الصفات مذموم، كذلك أيضًا تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه مذموم، نفي الصفات مذموم ليس من معتقد السلف، كذلك التشبيه أيضًا، والإنسان يعجب غاية العجب حينما تظهر هذه الطوائف المنحرفة عن الحق، وتخالف الطريق القويم، ولا يسلموا للنصوص الواردة في القرآن والسنة، ويفهموا منها غير ما أراده الله سبحانه وتعالى منها، كل ذلك بسبب البعد عن التمسك بالوحيين.

ب. أول ظهور التشبيه:

أول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة، الروافض أساس كل بلية، فهم أول الطوائف قولًا بالتشبيه، وأول طائفة يقال لها البيانية نسبة إلى بيان بن سمعان، حيث قد زعم هؤلاء أن معبودهم إنسان من ثور على صورة إنسان في أعضائه، وأنه يفنى كله إلا الوجه.

تعالى الله عن قول هؤلاء الظالمين علوًّا كبيرًا، وقيل: إن أول من قال بالتشبيه هم طائفة السبئية المنتسبين إلى عبد الله بن سبأ بن وهب الحميري، اليهودي الأصل، الذي خرج من اليمن وألب الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه حتى قتل، ثم بعد ذلك وقع هذا الرجل في التشبيه حينما سمى عليًّا إلهًا، وشبه عليًّا بذات الإله.

ولكن أول من نشر هذا التشبيه في الملة المحمدية هو هشام بن الحكم الرافضي الذي تنتسب إليه طائفة الهشامية من الرافضة، وفي الحقيقة الرافضة أمرهم عجيب، فهؤلاء الروافض قالوا أولًا بالتجسيم والتشبيه، ثم بعد ذلك قالوا بقول الجهمية والمعتزلة في الصفات بعد أن زرعوا هذا الشر المستطير.

ج. براءة أهل السنة من التشبيه:

بعد أن ذكرت المشبهة وشيئًا من أقوالهم وبينت أن الروافض كانوا من أسبق الناس إلى التشبيه، وأن أصل هذا التشبيه مأخوذ من اليهود، أود أن أبين أن أهل السنة والجماعة الذين تحدثت عنهم في اللقاء السابق.

وهم الذين يثبتون كل ما جاء عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم برآء من التشبيه، والذي يدعوني إلى ذلك هو للأسف الشديد، أن كل من نفى صفة من صفات الله عز وجل سمى من أثبتها على وجه الكمال اللائق بالله عز وجل سماه مشبهًا.

وهذا واقع من المعطلة المؤولة، تجد في كتبهم هذه العبارة كثيرًا “المجسمة الحشوية”، ويعنون بذلك أهل الحديث، وينبذونهم بذلك، ويقولون عن أهل السنة بأنهم حينما سلموا للنصوص الواردة في القرآن والسنة أنهم مشبهة.

وفي الحقيقة أهل السنة والجماعة بإثباتهم لصفات الرب جل جلاله على ما يليق بجلاله وكماله سلموا من أمرين، وإن صح التعبير، أقول سلموا من مرضين: مرض التشبيه، ومرض التأويل والتعطيل، وتمسكوا بقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]، وفهموا ذلك غاية الفهم، وعرفوا المراد من هذه الآية، وأدركوه غاية الإدراك.

 النفاة المعطلة: الجهمية:

أ. الجهمية: نسبة للجهم بن صفوان السمرقندي المعطل، ويقال ذلك لأنه هو الذي أظهر مذهب النفي للصفات والأسماء ونشره بين المسلمين، وهو أول من أظهر هذه البدعة وكان قد أخذها عن الجعد بن درهم، والجعد أخذها عن أبان بن سمعان، وأبان أخذها عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وطالوت أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نقول: بأن بدعة نفي الصفات استقت روافدها أيضًا من اليهود، كما أن المشبهة والمجسمة أخذوا أيضًا تشبيههم وتجسيمهم من اليهود، فهذه سلالة تتصل إلى اليهود؛ والجعد كان يسكن حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة من بقايا دين أهل النرمود والكنعانيين، ولذلك كما ذكرت بأن سند هذه المقالة يتصل باليهود ويتصل أيضًا بالمشركين ويتصل بضلال الصابئة.

ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي قالها جهم، وأطلق عليها السلف مقالة الجهمية، انتشرت في حدود المائة الثالثة من القرن الثالث الهجري بسبب بشر المريسي وهو بشر بن غياث المتكلم شيخ المعتزلة، وهذا الرجل أحد من أضل المأمون، هذا الرجل كان سببًا في أن تنتشر مقالة الجهمية في القرن الثالث الهجري، والجعد بن درهم الذي هو شيخ جهم مع ضلالته كان يحمل السلاح ويقاتل مع السلطان ويخرج معه، وأنا أذكر ذلك لأبين للناس أنه يجب عليهم ألا ينخدعوا بشيء من مظاهر الورع مثلًا، أو ما يطلق عليه الزهد أو ما إلى ذلك حينما يتلمسه هؤلاء الناس أو يقومون به؛ لأن صحة المعتقد أساس لقبول العمل، فشيخ جهم ذُكِر عنه أنه كان يخرج ويقاتل مع السلطان وما إلى ذلك، وهو الجعد بن درهم، ولكنه كان على ضلال مبين، ولذلك أراح الله عز وجل الأمة منه حينما ضحى به خالد بن عبد الله القسري -رحمه الله- بواسط في العراق؛ لأنه خطب في يوم الأضحى وقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه، وكان هذا بعد استفتاء علماء زمانه، يعني لم يفعل ذلك أو يتخذ هذا القرار من رأسه، وإنما استفتى أهل الحل والعقد، وهم سلف هذه الأمة الصالحين -رحمهم الله تعالى.

وجهم أخذ هذه المقالة من الجعد، وجهم أيضًا كان ضالًّا، لأنه كان في خراسان وأظهر مقالته هناك، وتبعه على ذلك بعض الناس، وقد ذُكر في ترجمته أنه ترك الصلاة على سبيل الشك أربعين يومًا.

ب. انقسام الناس في نصوص الصفات:

أود أن أبين معتقد الجهمية في أسماء الله الحسني وصفات الله سبحانه وتعالى العلى، فالجهمية تنقسم في معتقدها بالنسبة للأسماء والصفات إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: غلاة الجهمية، هؤلاء يصفون الله بالسلوب؛ يعني بالعدم المحض الذي هو ليس بشيء ألبتة، يعني لا يثبتون لله شيئًا أبدًا، ما عندهم إلا سلوب، كل عقائدهم سلوب سلبية وعدم محض، فيقولون مثلًا: ليس بعالم، وليس بسميع، وليس ببصير، وليس بمتكلم، وهؤلاء لو تأملت تجدهم أنهم ينفون عن الله سبحانه وتعالى حتى ما يتصف به المخلوق.

الطائفة الثانية: طوائف من الفلاسفة وأتباعهم، ولعلي أشير فيما بعد إشارة يسيرة إلى طائفة الفلاسفة إن شاء الله تعالى، وأذكر أيضًا ما هم عليه من ضلال في ذلك، لأن الجهمية اتبعوا في ذلك الفلاسفة وسلكوا مسلكهم، هؤلاء الناس قالوا: إن الله هو الوجود المطلق، ولذلك يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات، ولم يفرق هؤلاء بين الصفة والموصوف، فجعلوا العلم عين العالم والسمع عين السميع والبصر عين البصير وهكذا، فكبر هؤلاء الناس بذلك بديهيات العقول، وجعلوا كل صفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين السمع والبصر ولا العلم ولا القدرة ولا المشيئة ولا الحكمة، مما يُعلم فساد ذلك بالضرورة من دين الإسلام، وخلاصة القول أن كلا الطائفتين -وهي الطائفة الأولى الغلاة التي تميزت بوصف الله بالسلب والعدم المحض، والطائفة الثانية التي تقول بأن الله هو الوجود بشرط الإطلاق الوجود المطلق، كلا الطائفتين- قد اتفقتا على نفي الأسماء والصفات.

جـ. أصول الجهم في باب الأسماء والصفات:

الأصل الأول: أن علم الله حادث وليس في محل، وهذا باطل، فالله عز وجل بأسمائه وصفاته مازال قديمًا قبل خلقه، لأنه كما أخبر عن نفسه في كتابه بأنه هو الأول، وهم بهذا في الحقيقة لا يثبتون علم الله عز وجل على ما يليق بالله.

 الأصل الثاني: أن الله لا يعلم الأشياء قبل خلقها، وهذا أيضًا من الضلال المبين الذي وقع فيه هؤلاء الجهمية، وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الأشياء قبل خلقها، وقد أخذ الجهمية هذا القول من الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة سبقوهم إلى هذا وأنكروا علم الله سبحانه وتعالى بالجزئيات.

الأصل الثالث: نفي الأسماء والصفات جملة عن الله سبحانه وتعالى، فهو لم يثبت لله عز وجل أي صفة، وكان يقول: أنا لا أثبت لله سبحانه وتعالى ولا أطلق عليه لفظًا يشترك فيه مع المخلوق، حتى ولو كان إثبات الوجود بناء على قوله، ولذلك نفوا كلام الله سبحانه وتعالى ورؤيته وغير ذلك من الصفات الثابتة لرب العزة  والجلال سبحانه وتعالى.

6. النفاة المعطلة: المعتزلة:

أ. التعريف بالمعتزلة:

المعتزلة كما ذكر عنهم ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في شرحه للطحاوية، عرَّفهم ببعض الأشخاص الذين اشتهر عنهم هذا المذهب وأسسوه وقاموا ببنائه، فقال -رحمه الله-: والمعتزلة هم: عمر بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال، وأصحابهما، سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري -رحمه الله- وكان ذلك في أوائل المائة الثانية وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره أولئك المعتزلة.

وقد ذكرت بعض كتب المقالات أيضًا أن الحسن البصري -رحمه الله- هو الذي أطلق عليهم هذا اللقب، وذلك لما اختلف مع واصل بن عطاء في مسألة الحكم على مرتكب الكبيرة وخالف واصل شيخه الإمام الحسن البصري -رحمه الله- فاعتزل إلى سارية من سواري المسجد، فقال الحسن البصري عنه: اعتَزَلَنا واصل فسموا بالمعتزلة، ولذلك قيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد، وكلاهما كان تلميذًا للحسن البصري -رحمه الله-، وبدءوا ينشطون في ترويج بدعهم وانحرافاتهم وضلالتهم حتى كان زمن هارون الرشيد -رحمه الله- صنف لهم أبو الهذيل العلّاف كتابين وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على أصولهم الفاسدة. ولهم مؤلفات وكتب ودعاة إلى يومنا هذا، ولذلك وجب على طالب العلم أن يعرف شيئًا من أوزارهم حتى يعرف أيضًا أنهم مخالفون للحق الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى.

ب. بيان أصول مذهب المعتزلة:

المعتزلة بنوا مذهبهم على الأصول الخمسة التي سموها: العدل، التوحيد، إنفاذ الوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 وهذا بيان قول المعتزلة في هذه الأصول الخمسة:

الأصل الأول: العدل:

قالوا هذه الكلمة ولكنهم أرادوا من ورائها أن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد، وابتدعوا وشاركوا المبتدعة في نفي القدر، وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يخلق الشر ولا يقضي به إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جَوْرًا، والله سبحانه وتعالى عادل لا يجور.

الأصل الثاني: التوحيد:

التوحيد كلمة جميلة، ولكن ماذا عنوا وأرادوا بكلمة التوحيد الذي هو أصل عندهم؟ أرادوا به أن الله عز وجل لا يتصف بصفات الجلال والكمال، وأعظم وأعلى صفة تطرق للحديث عنها بتفصيل هي صفة الكلام لله عز وجل ولذلك ابن أبي العز -رحمه الله- وهو يتحدث عن هذه الأصول قال: وأما التوحيد فستروا تحته القول بخلق القرآن، ستروا تحت كلمة التوحيد القول بخلق القرآن؛ لأنهم لا يؤمنون بأن الله متكلم ولا يتصف بصفة الكلام، ولذلك قالوا بأن القرآن الكريم مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى منفصلًا عنه، وسيأتي أيضًا تفصيل القول في ذلك إن شاء الله تعالى وبيان ضلالهم والرد عليهم في صفة الكلام، وقالوا ذلك، قالوا بأن القرآن مخلوق، قالوا لأنه لو كان القرآن غير مخلوق لزم من ذلك تعدد القدماء، وهذه لوازم أدخلوها على أنفسهم باطلة؛ لأنه نقول لهم يلزم على ذلك أيضًا على ما ذكرتم من أصول أن علم الله وقدرة الله وسائر صفات الله مخلوقة، وهذا في الحقيقة تناقض ولا يقول به عاقل.

الأصل الثالث: الوعيد:

قالوا في الوعيد: إن الله عز وجل إذا أوعد بعض عبيده وعيدًا فلا يجوز أن يخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، ويلزم على ذلك أن الله سبحانه وتعالى، تعالى عن قولهم- لا يعفو عمن يشاء ولا يغفر لمن يريد سبحانه وتعالى عندهم.

الأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين:

ومعنى المنزلة بين المنزلتين أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان بارتكابه إياها ولا يدخل في الكفر.

الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوا القول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جواز الخروج على الأئمة، وقتالهم بالسيف إذا جاروا.

ج. ذكر معتقد المعتزلة في الأسماء والصفات:

أولًا: نفي الصفات جملة عن الله سبحانه وتعالى وقد ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (التدمرية) وغيرها في مواطن متعددة من كتبه، ثم هم لما نفوا الصفات في الجملة أثبتوا أحكام هذه الصفات، وسأبين بعد طريقتهم في ذلك، وذكروا أن هذه الصفات راجعة إلى اسم الله سبحانه وتعالى العليم القدير، أيضًا من بدع المعتزلة في الأسماء والصفات أنهم قالوا بأن أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام محضة لا تدل على معنى كمال، وقد سبق أن تحدثت عن ذلك بتفصيل، وبينت بطلان مذهب المعتزلة في ذلك.

كما أن المعتزلة من بدعهم الضالة أنهم اتفقوا على أن كلام الله سبحانه وتعالى محدث مخلوق قالوا ذلك بأن الله عز وجل لم يتكلم ولا يتكلم، وبالتالي قالوا عن القرآن بأنه مخلوق، ومن الأمور التي ذكروها من البدع في مسألة الصفات: أنهم وصفوا الله بالقديم، وقالوا بأن القدم أخص وصف ذاته، وقد سبق أيضًا وأنا أتحدث عن أسماء الله الحسنى وضوابطها أن أشرت إلى أن القديم ليس من أسماء الله الحسنى؛ لأنه ليس من أحسن الأسماء، وقد ذكرت ذلك فيما مضى فلا داعي للإعادة، وقلت أن الله عز وجل ذكر اسمه الأول بدلًا من القديم.

ولتوضيح هذه المسألة أكثر أقول بأن المعتزلة اتخذوا لنفي الصفات طريقين: الطريق الأول: إثبات الأسماء دون ما تضمنته من الصفات -هذا عند بعضهم- إثبات الأسماء طريق من الطرق التي ذكروها في أسماء الله وصفاته، وقد ذكرها أيضًا ابن تيمية -رحمه الله- في (التدمرية) قال: بأنهم أثبتوا الأسماء دون ما تضمنته من الصفات فيقولون: هو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وقدير بلا قدرة وهكذا..

ثانيًا: ليس هو إثبات الأسماء، وإنما إثبات الترادف بين الأسماء، قالوا: الأسماء مترادفة كل اسم منها يقوم مقام الآخر، وذلك لدلالتها على الذات، فيقولون مثلًا عن اسم الله العليم هو عليم بذاته سميع بذاته بصير بذاته قدير بذاته، وعند التحقيق تجد أن كلا الطريقين ترجع إلى نفي الصفات، وإثبات الأسماء على أنها أعلام محضة لا دلالة فيها على الصفات.

 7.المفوضة:

أ. تعريف التفويض:

التفويض هو: رد العلم بالصفات إلى علم الله سبحانه وتعالى بها إما معنًى أو كيفية، وعلى هذا التعريف فالتفويض نوعان:

النوع الأول: تفويض العلم بحقيقة الصفات وماهيتها إلى الله رب العالمين، وهذا أصل عظيم من أصول السلف الصالح، فالسلف -رحمهم الله تعالى- يعرفون معاني الصفات وما تدل عليه، ولذلك يثبتونها لله سبحانه دون تمثيل أو تشبيه أو تأويل أو تفويض، ومع إثباتهم للصفات وفهمهم لمعانيها المتبادرة إلى الذهن والتي تدل عليها بمقتضى الخطاب العربي يفوضون بعد ذلك في الكيفية، هذا تفويض صحيح، وهذا هو النوع الأول من أنواع التفويض في الصفات، ألا وهو تفويض العلم بحقيقة الصفات وماهيتها إلى الله رب العالمين.

النوع الثاني: تفويض العلم بمعاني الصفات إلى الله تعالى، وهذا بدعة في الشرع تناقض القول الأول الصحيح، فالقول الأول الصحيح: يثبتون الصفة ويعرفون معناها وما تدل عليه، ويفوضون في الكيفية والحقيقة، أما النوع الثاني: فيفوضون في العلم بمعاني الصفات، ويقولون بأنها ألفاظ لا معاني لها، تُقرأ دون أن يكون لها معنى تدل عليه.

ب. عقيدة المفوضة في الصفات:

أولًا: وجوب الإيمان بألفاظ الأسماء والصفات الواردة، يعني قالوا: نحن نؤمن بالألفاظ التي وردت في الأسماء والصفات ونقرأها ونتعبد الله سبحانه وتعالى بها، فأول أمر عندهم وجوب الإيمان بألفاظ الأسماء والصفات الواردة، أين التفويض إذًا؟ أو أين الخطأ في ذلك؟ ي

تبين في الأمر الثاني حينما قالوا بأنه يجب التفويض فيما عدا هذا، سواء قيل لها معنى أو لا، يعني قالوا: نؤمن بألفاظها ونفوض بعد ذلك فيما عدا ذلك سواء كان لهذه الأسماء أو لهذه الصفات معانٍ أو لم تكن لها معانٍ.

ويوضح وجوب التفويض عندهم قصدهم في ذلك، وهو ماذا قصدوا من وراء إخفاء معاني الصفات؟ لماذا أن الله عز وجل ذكر في كتابه ألفاظًا فيها أسماؤه الحسنى وصفاته العلى ثم أخفى معانيها عن الخلق؟

قالوا هذا لاختبار الخلق بالتسليم لما يؤمرون به، لأن الخلق جميعًا على زعمهم يجهلون معاني أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، فقالوا: بأن هذه الأسماء وهذه الصفات لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد ألبتة.

8. الواقفة:

الواقفة في أسماء الله وصفاته، أتحدث عنهم أولًا وأبين أقسامهم وأذكر معتقدهم الباطل، ثم أتناول بعد ذلك الرد عليهم، والرد عليهم هو رد أيضًا على المفوضة.

لأن الواقفة والمفوضة كلاهما يشتركان في بدعة متقاربة، وأفصل الحديث في النقاط التالية:

أ. بيان أقسام هذه الفرقة:

القائلون بالوقف في صفات الله سبحانه وتعالى ينقسمون إلى قسمين، وأقول هذا لأن من بين مفردات المنهج أنهم تحدثوا في انقسام الناس في نصوص الصفات إلى أقسام، ذكروا هاتين الفرقتين، كل فرقة على حده، وكان هذا هو ختام بيان انقسام الناس في نصوص الصفات، وفي الحقيقة أن كلا الفرقتين ترجعان إلى القول بالتوقيف، ولذلك الواقفة إذًا ينقسمون إلى قسمين:

الطائفة الأولى: الذين يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها هو المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون صفة لله، وهذه طريقة كثير من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، إذًا الفرقة الأولى من فرق الواقفة الذين يقولون: قد يكون ظاهر الصفات هو المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون صفة لله، وبالتالي قالوا: نحن نتوقف، وهذا عليه كثير من الفقهاء والمتكلمين، وظنوا بذلك أيضًا أنهم قد سلموا لما قرءوا آيات ونصوص الصفات ولم يثبتوا معانيها.

الطائفة الثانية: هم الذين يمسكون عن هذا كله، لا يقولون ظاهرها مراد ولا غير مراد، ولا يجوز أن تكون لها صفة أو لا يجوز، وإنما لا يتكلمون في هذا أبدًا، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضون بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التخييرات، في الحقيقة تنظرون في هاتين الفرقتين ستجدون أن هؤلاء يلتقون في نقطة قريبة جدًّا من هؤلاء المفوضة، ولا شك أيضًا أن هذا باطل.

ب. الرد على معتقدهم:

الرد الأول: أن نقول: إن السلف الصالح رحمهم الله تعالى ثبت عنهم تفسير معاني أسماء الله وصفاته وفق ما تفهمه العرب من كلامها ولم يثبت عنهم خلاف ذلك، فكيف يقول قائل إذًا بأن معاني أسماء الله وصفاته غير معلومة وقد تكلم فيها السلف الصالح وثبت عنهم تفسير هذه الأسماء ومعاني هذه الصفات؟، ومما يدلك على هذا أن الإمام مالك -رحمه الله- قال في الإجابة عندما سئل عن كيفية الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فقوله: الاستواء معلوم يعني معلوم المعنى، ومعنى استوى يعني: علا وارتفع. كما ذكر ذلك مجاهد وأبو العالية وغيرهما، وأخرج كل ذلك البخاري في صحيحه -رحمه الله-، فالاستواء معناه معلوم أما المجهول فهو الكيف كيفية الاستواء، حقيقة الاستواء، هذا أمر وراء الإيمان به، ونحن لم نكلَّف ذلك، ولم نؤمر به، واللهعز وجل فوق أن يعلم العباد عنه ذلك.

الرد الثاني: أن نقول: لو كانت الأسماء ألفاظًا لا معاني لها لم تكن حسنى، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى، والله عز وجل قد أخبر أن أسماءه حسنى، إذًا تدل على معان ولها معان، ودالة هذه الأسماء على مدح وكمال، فأسماء الله عز وجل تدل على مدح الله سبحانه وتعالى وجلاله وكماله؛ لأن حسنها باعتبار معانيها، فإن لم تكن لها معنى ولم يعرف لها معنى كيف نقول عنها بأنها حسنى؟ فالله عز وجل حين يصف وينعت أسماءه بأنها حسنى نفهم من ذلك أن لها معاني عظيمة تدل عليها، ومن هذه المعاني أنها صفات كمال، إثبات صفات الكمال والجلال، ومدح الله سبحانه وتعالى بما يليق به.

الرد الثالث: أن نقول: لو كانت نصوص الأسماء والصفات ألفاظًا لا معاني لها لساغ وقوع أسماء الغضب والانتقام في مقام الرحمة والإحسان، وبالعكس، يعني لو كانت هذه الأسماء والصفات ليس لها معنى؛ لساغ لنا أن نضع صفة الرحمة مكان صفة الغضب، وصفة الغضب مكان صفة الرحمة، وهكذا، وما كان لقائل أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وإنما يقول فاغفر لي إنك أنت الجبار المنتقم، أو أعطنِي إنك أنت الضار المانع وهكذا، لا يجوز ذلك، فإذا بطل هذا دل على أن أسماء الله لها معان نعبد الله سبحانه وتعالى بها، ونثبت الصفات من ورائها.

9. وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أدركه العقل أم لم يدركه:

يعني يجب علينا أن نؤمن بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلمعقله العقل أم لم يعقله، أدركه أم لم يدركه.

10. العقل، ودوره في مسائل الاعتقاد:

أ. ذكر مكانة العقل في الإسلام:

أقول: لا شك أن العقل نعمة أكرم الله بها الإنسان، وميزه على سائر المخلوقات، فبالعقل أعطاه الله المفتاح الذي يفتح به أبواب الملكوت، ويدخل ساحة الإيمان بالله الذي سخر الله عز وجل هذا الكون للإنسان بما فيه من سماء وأرض ينظر ويتأمل ويعي ويفهم ويعقل، والله عز وجل قد من على العباد بكل ذلك، وجعل العقل موضوع المسئولية ومناط التكليف وسببًا له، فالخطاب الشرعي لا يتوجه إلا للعاقل؛ لأن العقل أداة للفهم والإدراك وبه تتوجه الإرادة إلى الامتثال، ومن هنا جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ترفع القلم أي التكليف والمؤاخذة عمن فقدوا مناط التكليف وهو العقل بسبب الجنون، أو ما يأخذ حكمه ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)).

والشاهد من كلامي هذا وما أود أن أبينه أن العقل نعمة عظمى، وهبة من الله سبحانه وتعالى لمن خلق من البشر، وله مكانة كبيرة، وقد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك وذكرت أنت أن العقل هو مناط التكليف وأنه نعمة من الله على العباد ألا يكون إذًا له دور في مسائل الاعتقاد؟.

ب. دور العقل في مسائل الاعتقاد:

لأن قولي بأن العقل نعمة عظمى ومنة كبرى وجعله الله عز وجل سببًا للتكليف قد يدفع هذا القول بعض الناس ليظن أن هذه العناية بالعقل والإعلاء لمكانته تبيح لنا أن نجعل منه مصدرًا نستقي منه العقيدة، أو نجعله حاكمًا عليها يقبل منها ما يدركه ويرفض منها ما لا يدركه أو ما لا يحيط به، والله سبحانه وتعالى هو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها، يعلم أن العقل البشري الذي وهبه له هو مناط التكليف ولا يكفي بعد ذلك في أن يبلغ به الهدى لنفسه، أو المصلحة لحياته في دنياه وآخرته ولو كان العقل يستقل بذلك ويعرف أن يبلغ إلى الهدى بنفسه لأوكله الله عز وجل إلى هذا العقل، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم أن العقل الذي أتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط، وأيضًا قاصر كذلك عن رسم منهج الحياة الإنسانية التي تتحقق من خلالها المصلحة الصحيحة للإنسان.

ومن هنا قضت رحمة الله عز وجل بعباده أن يبعث الرسل للناس، وألا يؤاخذهم إلا بعد الرسالة والتبليغـ وقبلها لا يؤاخذ كما قال عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] فالله عز وجل لم يوكل العباد إلى عقولهم ولا يحاسبهم ويجازيهم بمقتضى ما أودعه فيهم من العقل، وإنما رتب الحساب والجزاء والثواب والعقاب على بعثة الأنبياء والمرسلين؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة الأحكام التي توصله إلى الطريق الصحيح الذي أراده الله سبحانه وتعالى لعباده.

جـ. العقل يقضي ضرورةً بتصديق الصادق:

أود من خلالها أن أخاطب هؤلاء العقلاء، فأقول لهم: كيف تحتكمون إلى العقل؟ والعقل نفسه هو الذي يلزمكم أن تتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم سواء فهمتم وأدركتم معنى ما قاله وما جاء به أو لم تفهموه، لماذا؟ لأن العقل يقضي ضرورة بتصديق الصادق واتباعه طالما أنه ثبت صدقه فوجب على العاقل أن يتبعه.

11. الرد على من يقول: إن دلالة النصوص ظنية في العقيدة سواء كانت متواترة أو آحادًا:

يقول هؤلاء بأن نصوص الصفات ظنية سواء كانت متواترة أو آحادًا وبالتالي يضربونها في صدورها إن كانت متواترة إما بالتأويل وإن كانت آحادًا إما بالرد؛ ولذلك أود أن أرد على هؤلاء وأيضًا أسير في نقاط متعددة لتوضيح هذا، وهي كما يلي:

أ. المراد بالمتواتر والمراد بالآحاد:

المتواتر: عرفه الخطيب البغدادي وغيره من علماء أصول الحديث، واخترت هنا تعريف الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- الذي يقول فيه: المتواتر هو الخبر الذي جمع أربعة شروط وهي:

الأول: عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب.

الثاني: رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.

الثالث: كان مستند انتهائهم الحس.

الرابع: أن ينضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه.

هذا هو المتواتر الذي قال به وعرفه العلماء. أما حديث الآحاد فعُرف بأنه الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر، لم يبلغ حد التواتر، ولم يقصر عن درجة الاحتجاج به وإن روته جماعة، وبناء على ذلك يُعَدُّ الحديث المشهور من أحاديث الآحاد؛ إذ لا واسطة بين المتواتر والآحاد.

ب. بيان ما يفيده الخبر المتواتر:

 الخبر المتواتر يفيد ما يلي: الخبر المتواتر يفيد العلم النظري: وهو ما كان عن نظر واستدلال. هذا قول لبعض العلماء، ونقل عن الكعبي وأبي الحسين البصري.

القول الثاني فيما يفيده الخبر المتواتر هو القول الصواب وهو قول الجمهور: أنه يفيد العلم الضروري وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه وهذا هو المعتمد، وبه قال الجمهور.

المعتزلة قالوا: الخبر المتواتر يفيد العلم النظري، وهذا غير صحيح. أما جمهور أهل العلم من المحدّثين والفقهاء وهو القول الصحيح المعتمد فقد قالوا إنه يفيد العلم الضروري، وهو الذي يضطر الإنسان إليه إذا سمعه بحيث لا يمكنه دفعه بحال، هذا ما يفيده الخبر المتواتر على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا هو قول الجمهور عامة.

وقد احتج الجمهور على كون العلم الحاصل بخبر التواتر ضروريًّا بأنه لو كان نظريًّا لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين وكثير من العوام، ما حصل لهم هذا العلم الضروري ولكنه في الحقيقة حصل لهم هذا العلم وهم في سن وعقول بسيطة، فدل ذلك على أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري.

ج. بيان ما يفيده خبر الآحاد:

 بعد أن تحدثت عن الخبر المتواتر أود هنا أن أتحدث عن خبر الآحاد وما يفيده خبر الآحاد؛ لأن هذا الموضوع بالذات تناوله من لم يُسَلِّم لنصوص الصفات بالرد؛ لأنها ثابتة بأحاديث الآحاد؛ ولذلك أقول بأن خبر الآحاد يفيد العلم والقطع إذا صح.

وقد ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه -رحمه الله- واختاره جماعة من أصحابه، ونصره القاضي في (الكفاية) وهذا القول هو قول جمهور أهل الظاهر وجمهور أهل الحديث.

يقول ابن حزم -رحمه الله- تعالى: وقد يضطر الإنسان إلى خبر الواحد وأنه يفيد العلم بصحته، يعني أن خبر الواحد إذا كان صحيحًا أفاد العلم يقينًا فما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا، هذا كلام ابن حزم.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله-: أن من نص على أن خبر الواحد يفيد العلم -الإمام مالك والإمام الشافعي وأبي حنيفة وداود بن علي- وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه غيرهم.

وأسوق هنا بعض أدلة القائلين بإفادة خبر الواحد العدل العلم، ذكروا أدلة كثيرة منها ماذا أنه لو لم يفد العلم؟ لما جاز اتباعه لنهيه تعالى عن اتباع الظن بقوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]. والله عز وجل ذم متبعي الظن فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [الأنعام: 116]. وقال: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [البقرة: 169].

وقد انعقد الإجماع على وجوب الاتباع على ما تبين فيستلزم ذلك إفادة العلم لا محالة، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا من اتباع الظن فيما ثبت عنه، في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)). وأيضًا يتبين لنا أن خبر الواحد موجب للعلم والعمل أيضًا بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122].

أقول: أمر الله تعالى في هذه الآية بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم وذلك يقتضي وجوب قبول إنذارها ولفظ الطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعدًا، وطائفة من الشيء بمعنى بعضه هذا مما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، وإذا أمر الله عز وجل أن تنفر طائفة لتتفقه في الدين وتأتي بعد ذلك لتعلم من بعدها وجب على المستمع إذًا أن يقبل من هؤلاء الناس، ولو كانوا واحدًا.

وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- حيث قد ذكر أن البخاري يريد من سياق قوله تعالى في صحيحه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [التوبة: 122]. أن لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين، قال: وهو منقول عن ابن عباس وغيره، كالنخعي ومجاهد نقله عن الثعلبي وغيره.

وأيضًا من الأدلة على قبول خبر الواحد وأنه يفيد العلم والعمل، قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]. وقال الله له: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين} [النور: 54]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((بلغوا عني ولو آية)). وقال لأصحابه في الجمع الأعظم في يوم عرفة: ((أنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت صلى الله عليه وسلم. )).

ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العباد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم، وقد قامت الحجة على الناس كلهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واحد، فقد يقول قائل: النبي صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغ عن الله وأنه لو خالفه لنزل الوحي ببيان ذلك، أقول: الأمر ليس مقصورًا على ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ بخبر الواحد وأوجب العلم به يعني أنه يوجب العلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه الدين ومسائل الاعتقاد، وكانت الحجة تقوم على من بلغه خبر هذا الواحد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل رسله وأمراءه إلى البوادي والقرى والبلاد والزعماء والملوك يدعوهم إلى الله عز وجل وكان يرسل رجا واحدًا بذلك، وكانت الحجة تقوم بهذا الذي أرسله نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم ولعل من أوضح ما نستدل به على ذلك حديث معاذ بن جبل لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)). وفي رواية: ((أن يوحدوا الله)) وذهب معاذ وبلغ الناس ذلك وأقيمت الحجة على العباد بخبر هذا الواحد.

error: النص محمي !!