Top
Image Alt

بيان حقيقة الجماعة

  /  بيان حقيقة الجماعة

بيان حقيقة الجماعة

وأما الجماعة: فيقال: جمعت الشيء جمعًا، وجمَّعته بالتثقيل مبالغة، والجمْعُ أيضًا الجماعة سُمي بالمصدر، ويجمع على جموع، مثل فلْس، وفلوس، والجماعة من كل شيء يطلق على القليل والكثير، واجتمع القوم واستجمعوا، بمعنى: تجمعوا، واستجمعت شرائط الإمامة، واجتمعت، بمعنى حصلت، فالفعلان على اللزوم.

وتُطلق الجماعة على الطائفة أو الفرق أو الأمة الذين يرتبطون بمنهج واحد وهدف واحد، ولم يتفرقوا في الاعتقاد والسلوك، وتطلق تسمية أهل السنة والجماعة -وهو المراد- على السلف الصالح من الصحابة، وأتباعهم إلى يوم الدين -كما تقدم- وأطلقها بعضهم على أهل الحديث، ولا ريب أن اقتران اسم أهل السنة بالجماعة يفيد مزيةً خاصة لأهل السنة؛ إذ هم الجماعةُ التي حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الانضمام إليهم والسير في منهجهم، حينما أخبر صلى الله عليه وسلم عن هلاك الطوائف إلا واحدة وهي الجماعة، وهذا هو الحق والاعتقاد، مهما كان من الخلاف.

ولفظ الجماعة مأخوذٌ من قوله صلى الله عليه وسلم في بيان الفرقة الناجية في حديث الافتراق: هي الجماعة، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)). رواه ابن ماجه، وصححه الأئمة.

وجاءت نصوص الكتاب والسنة بالأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن الفرقة، وذلك كقوله عز وجل: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ} [ال عمران: 103] وقوله: {إِنّ الّذِينَ فَرّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية))، والأحاديث في ذلك كثيرة.

وقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة التي ورد الأمر بلزومها على أقوال نذكرها باختصار:

الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، يدل له رواية: “كلها في النار إلا السواد الأعظم”.

الثاني: أنها جماعة العلماء المجتهدين؛ لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبعٌ لهم في أمر الدين. وهذا قول غيرِ واحد من الأئمة، منهم الإمام البخاري حيث قال في (صحيحه): باب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً} [البقرة: 143]. وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم.

وقال الإمام الترمذي: “وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث”. وروي عن ابن المبارك أنه قيل له: من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر. وقيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان، وفلان. قيل له: قد مات فلان، وفلان، قال: أبو حمزة السكري جماعة.

الثالث: أن الجماعة هي: الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا؛ يدل لهذا القول في رواية: ((ما أنا عليه وأصحابي)). ويشهد لمعنى هذه الرواية نصوص الكتاب والسنة العامة.

الرابع: أن الجماعةَ هي جماعةُ أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمرٍ فواجب على غيرهم من أهل الملل اتّباعهم. قال الإمام الشاطبي عقب هذا القول: “وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، أو يرجع إلى القول الأول، وهو الأظهر”.

الخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين، إذا اجتمعوا على أمير، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، فمن نكث بيعته خرج من الجماعة، وهو اختيار الإمام الطبري.

السادس: أن المراد بالجماعة موافقة الحق ولزومه. كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: “الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك”، وفي رواية: “إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك”.

قال أبو شامة: “وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم”.

وكل هذه المعاني متلازمةٌ في الدلالة، متقاربةٌ في المعنى، ويرجع الاختلاف فيها إلى التنوع لا إلى التضاد.

فالتزام الحق والعمل به هو الذي يجب أن تكون عليه الجماعة، كما أمر الله بذلك حيث قال: {يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ} [التوبة: 119] وبيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، فهذه هي الحقيقةُ الشرعيةُ لِمَا يَجِبُ أن تكون عليه الجماعة.

وما سار عليه الصحابة الكرام، وجاء عليه هديهم من الاعتقادات والأقوال والأفعال، هو الحق لا ريب فيه؛ فهم خير القرون، وأفضل الناس بعد الأنبياء والرسل، والاهتداء بمنهجهم حق لازم: {وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَىَ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّىَ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115] ((فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)).

ومن اقتدى بهم من العلماء، واتبعهم بإحسان فهو في حكمهم. ولا يتم لهذه الأمة أمرٌ، ولا يتحقق لها تمكينٌ ولا نصرٌ إلا إذا اجتمعوا على إمام، يقيم فيهم حكمَ الله -تعالى- ويسوسُهُم بالعدل، فتنتظم شئونهم الدينية والدنيوية تحت لوائه، وينفي الله عنهم الميتةَ الجاهلية، وتنالهُم البركة والخيرية، والنعمة بالجماعة. 

error: النص محمي !!