Top
Image Alt

بيان طريقة تنصيب الإمام، والدلالة على ذلك تفصيلًا

  /  بيان طريقة تنصيب الإمام، والدلالة على ذلك تفصيلًا

بيان طريقة تنصيب الإمام، والدلالة على ذلك تفصيلًا

الطريقة الأولى: الاختيار:

والذين يقومون به هم أهل الحل والعقد، وهي الطريقة التي تمت بها تولية أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما كما هو معلوم.

أهمية الاختيار: إن الإمامة وسيلة لا غاية، وسيلة إلى إقامة الدين، وإصلاح الناس، ودرء الفساد عنهم، وهذا يجب أن يتعاون عليه، ويشترك فيه جميع أفراد الأمة، وحيث إنه لا يمكن القيام به على وجهه الأكمل إلا بعد تنصيب إمام للمسلمين يقودهم، وينظم لهم طريق الوصول إلى القيام بهذا الواجب العام؛ لذلك فالأمة مسئولة عن اختيارِ من يقوم بذلك عنها، وتسلِّم له زمام الإذعان والانقياد؛ ليقودها إلى تحقيق هذه الغاية الشريفة التي هي واجب على المسلمين عمومًا، فالإمام ما هو إلا نائبٌ، ووكيل عن هذه الأمة.

فمسئولية الاختيار لهذا النائب راجعةٌ إلى الأمة نفسها؛ لأنه النائب عنها، وحيث إن الأمة متفرقة في الأصقاع والأمصار، فيها القوي والضعيف، والعالم بالمصلحة والجاهل، والعاقل وغيره، وصاحب الهوى والغرض، إلى غير ذلك من الاختلافات التي يصعب معها التمييزُ بين الصالح والطالح، والذي يُتَوَسَّمُ فيه حمل هذه الأمانة وغيره.

ولذلك تكون المسئولية في هذا المجال واقعةً على أعناق عقلاء الأمة وعلمائها وفضلائِهَا، فهم الذين يختارون من يرونه أهلًا للقيام بهذا الواجب الشرعي الذي أوجبه الله عليهم، وهو إقامة شرعِ الله في أرضِهِ، جريًا على تحقيق المصالح، ودرء المفاسد عن الناس.

لذلك تبدو أهمية الأمة في اختيار من تلزمه عنانها ليسير بها إلى أداء ما أوجبه الله عليها، والقيام بأعباء الخلافة الآدمية على هذه الأرض. كما تبدو أهمية عقلاء الأمة -أهل الحل والعقد- الذين تثق فيهم وتسلمهم مسئوليتها، وتحملهم الأمانة؛ ليختاروا لهم من يقودهم بكتاب الله إلى ما يُرضي الله.

فهذه الفئة -أهل الحل والعقد- تتحمل المسئولية من جهة اختيارها من تُسلِّم له قيادها باعتبارهم أفرادًا من أفراد المسلمين. ومن جهةِ إنابةِ الأمة لهم، وثقتهم فيهم ليختاروا من يكون أهلًا لمثل هذا المنصب العظيم، ومن جهة ثالثة أنهم شركاء فيمن يختارونه في الإثم أمام الله إذا لم يجهدوا أنفسهم في اختيار الأصلح.

ومن شعورهم بثقل هذه المسئوليات مع أنهم أفاضل الأمة، وعقلاؤها وعلماؤها؛ فإن اختيارهم سيكون بعد تروٍّ وتحرٍّ بعيدًا من أن تدنسه أهواء شهوانية، أو مطامع شخصية، أو تعصبات قبلية أو مذهبية، وسيكون موفقًا وصائبًا إن شاء الله خاصةً إذا شعروا إزاء ذلك بأن الذي سيختارونه، سيترتب على المسلمين عمومًا له من الواجبات والحقوق الشيء الكثير، وستكون طاعته في غير معصية واجبة على جميع أفراد الأمة، وإذا قصر في شيء من ذلك فإن الفئة التي اختارته سيكون عليها من وزْرِهِ نصيب إذا لم تكن أجهدت نفْسَهَا في اختيارِ مَن تَرَاهُ مُنَاسِبًا.

كل ما سبق يدلنا على أهمية هذا الطريق، وأنه أقرب الطرق بل هو الطريق الأصل لاختيار الإمام في الشريعة الإسلامية؛ على اعتبار أن الاستخلاف مشروطٌ بموافقة أهل الحل والعقد على المستخلف، كما ذهب إلى ذلك بعضهم، وهذه الطريقة ثابتة المشروعية بالسنة والإجماع:

فمن السنة:

أولًا: فعل النبي صلى الله عليه وسلم: فقد توفي ولم ينص نصًّا صريحًا على الخليفة من بعده، وإنما أَخْبَرَ بِمَن سيتولى -كما رأينا- والذي يدلّ على ذلك قول عمر -الآنف الذكر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ مِنِّي -يعني: أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوجيه الدلالة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب تنصيب الإمام -كما مر- وقد توفي، ولم يعهد إلى أحد بعده؛ فكان لا بد من الاختيار فدل على مشروعيته.

ثانيًا: ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له من تؤمر بعدك؟ فقال: ((إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا لا تأخذه في الله لومة لائم، وإن تولوها عليًّا تجدوه هاديًا مهديًّا)). وفيه كلام. ووجه الدلالة: أنه لو لم يجز الاختيار لم يقل: إن تؤمروا فلانًا فكذا، أو تؤمروا فلانًا فكذا، أو تولوها فلانًا فكذا.

ثالثًا: ومنها فعل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كما سبق، وقد أمرنا باتباع سنتهم والاقتداء بأبي بكر، وعمر -كما مرّ- وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “من بايع رجلًا من غير مشورةٍ من المسلمين؛ فلا يتابع هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّة أن يُقْتَلَا”.

ومن الإجماع: رأينا فيما سبق في العرض التاريخي كيفية اختيار الصحابة لأبي بكر، ثم لعلي رضي الله عنهما ولم تذكر الروايات أحدًا اعترض على هذه الطريقة وخالف فيها، فدلّ على إجماعهم، ومن حكى هذا الإجماع من العلماء النووي وغيره، فقال النووي في شرحه لـ(صحيح مسلم): “وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادِهَا بعقد أهل الحل والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلف الخليفة”. ولم يخالف في هذا إلا الرافضة؛ لأنه يتنافى مع عقيدة النص عندهم الباطلة ولذلك وجهوا إليه نقدًا مريرًا، ولكن لا عبرة بمخالفتهم.

بيان من هم أهل الحل والعقد:

أهل الحل والعقد هم فئة من الناس على درجة من الدين والخلق والعلم بأحوال الناس، وتدبيرهم الأمور، ويُسَمَّوْنَ أهل الاختيار، وأهل الشورى، أو أهل الرأي والتدبير، كما حددهم بعض العلماء بأنهم: العلماء والرؤساء ووجهاء الناس، الذين يتيسر اجتماعهم إلى غير ذلك من المسميات التي أُطلقت على هذه الجماعة.

وهذه الفئة يُوكل إليها النظر في مصالح الأمة الدينية والدنيوية، ومنها اختيار الإمام نيابة عن الأمة جميعًا، ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحلّ والعقد الإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة. ومشروعية اعتبارها ورد بها القرآن والسنة.

فمن القرآن قوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ}. وهم العلماء والولاة، كما قرّره المفسرون. ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] الآية.

أما من السنة فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا؛ ليكونوا على قومهم بما فيهم)). وذلك للأنصار في بيعة العقبة الثانية.

الطريقة الثانية: العهد:

أي: الاستخلاف: ومن طرق انعقاد الإمامة العهد من الخليفة السابق إلى من يختاره من المسلمين، ويراه لائقًا بهذا المنصب من بعده، فإذا أحس الخليفة بقرب أجله وأراد أن يستخلفَ على القوم أحدهم؛ فإنه يقوم بمشاورة أهل الحل والعقد فيمن يختار، فإذا وقع رأْيُهُ على شخص معيَّن يصلح لهذا المقام، ووافقه أهل الحل والعقد؛ فإنه يعهد إليه من بعده؛ وعليه فلا بد من معرفة حقيقة العهد الذي تترتب عليه هذه المصلحة العظيمة للأمة.

تعريف العهد لغة: العهد كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، والعهد الوصية كقول سعد حين خاصم سعد بن زمعة في ابن أمته فقال: إن أخي عهد إلي فيه أي: أوصى، ومنه الحديث: ((تمسكوا بعهدِ ابن أم عبد)) أي: ما يوصيكم ويأمركم، وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والعهد التقدم إلى المرء في الشيء، والعهد الذي يكتب للولاة مشتقٌّ منه، والجمع عهود، والعهد الموثق واليمين يحلف بهما الرجل، وقيل ولي العهد؛ لأنه ولي الميثاق والذي يؤخذ على من بَايَعَ الخليفة إلى غير ذلك من المعاني الأخرى كالوفاء والأمان وغيرها مما ليس له صلة بموضوعنا.

والعهد في الاصطلاح: هو اختيار العاهد إنسانًا معينًا لعمل معين من أعمال الدولة يبدأ من رئاستها وينتهي إلى أدنى درجة من درجاتها، ويُسمى هذا الاختيار عهدًا، ثم انتقل المصدر عهد إلى الوثيقة المكتوبة التي يمليها أو يكتبها العاهد لغيرِهِ، فإذا ما قيل عهد انصرف المفهوم إلى أحد المعنيين؛ وفقًا لسياق العبارة أو لكليهما معًا.

أدلة مشروعيته: الاستخلاف جائز شرعًا، ومن الطرق المشروعة لانعقاد الإمامة إذا كان مكتمل الشروط. ومن الأدلة على ذلك ما يلي:

1. قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: ((لقد هممتُ أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه؛ فأعهد؛ أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنُّونَ، ثم قُلْتُ: يأبى الله، ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)).

وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: في مرضه: ((ادعِ لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). رواه مسلم.

ففي هذين الحديثين دلالةٌ واضحةٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم هَمَّ أن يعهد، ثم تركه لعلمه أن الناس لن يختاروا غير أبي بكر رضي الله عنه فدلّ على جوازه.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تعليقًا على هذا الحديث في (منهاج السنة) فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يكتب كتابًا خوفًا، ثم علم أن الأمرَ واضحٌ ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه قال: وتركه -أي: العهد والكتابة- لعدم الحاجة إليه، وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه، وهذا أبلغ من العهد.

2. ومن الأدلة على مشروعيته أيضًا فعل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فقد استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب، وعهد عمر بالأمر إلى الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ لاستخلاف من يرونه منهم، وقد قال عمر رضي الله عنه: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد تقدم كيفية استخلاف كل من أبي بكر لعمر، ثم عمر للستة رضي الله عنهم وقد سبق هذا الاستخلاف مشاورات طويلة مع كبار المهاجرين والأنصار.

3. ومن الأدلة على جواز الاستخلاف إجماع الصحابة، فلم تذكر الروايات أحدًا خالف، واحتج بأن العهد لا يجوز حينما عهد أبو بكر إلى عمر، ثم حينما عهد عمر بالأمر شورى إلى الستةِ من بعدِهِ؛ فدل ذلك على الجواز.

وقد حكى هذا الإجماع كثير من العلماء فقال الماوردي في (الأحكام السلطانية): وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته.

وقال النووي في شرحه لـ(صحيح مسلم): حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدماتُ الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تَرْكُهُ، فإن تركه؛ فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر رضي الله عنه وأجمعوا على انعقادِ الخلافة بالاستخلاف.

واعْتَبَرَ ابن حزم أن هذه الطريقة هي أحسن الطرق وأفضلها فقال: فوجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه؛ أولها وأفضلها وأصحها: أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إمامًا بعد موته، وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته؛ إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه بدليل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر. وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز قال: وهذا هو الوجه الذي نختارُهُ، ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصالِ الإمامةِ، وانتظامِ أمرِ الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيرِهِ من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشارِ الأمرِ، وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع.

والمراد بالإجماع فيما سبق هو إجماع أهل السنة فقط؛ لأن المعتزلة قد خالفوا أهل السنة في هذه الطريقة -الاستخلاف، أو العهد- حيث قصروها على الاختيار فقط، ونسب الشوكاني هذا القول إلى الأشعرية أيضًا، ولكن في هذه النسبة نظر؛ لأن أكثر الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذا المقام.

وبناء على ما سبق فإن طريقة الاستخلاف مشروعة بدلالة الكتاب والسنة، وإجماع السلف، ولا عبرة بما ذهب إليه بعض المُحدثين من محاولة الطعن في هذه الطريقة الشرعية، وزعمهم أنها تؤدي إلى الاستبداد والظلم ونحوها. وما علموا أن الكفاءة شرط أساسي في المستخلف، وأنه لا يتم إلا بعد مشاورةِ أهل الحل والعقد ومبايعتهم له، وأنه يشترط في المعهود له أن يكون مستكملًا لشروط الإمامة. 

error: النص محمي !!