Top
Image Alt

بيان مذهب أهل السنة، وأقوال المخالفين

  /  بيان مذهب أهل السنة، وأقوال المخالفين

بيان مذهب أهل السنة، وأقوال المخالفين

إيضاح الحق في الهداية والإضلال، وبيان مراتب الهدى:

أ. ذِكْر مراتب الهدى:

الكلام في الهداية والإضلال -وهو مبحث من مباحث القدر- من أهم المسائل التي يجب أن يعتني بها العبد المؤمن؛ لأن أفضل ما يقدم الله لعبده وأجلّ ما يقسمه له هو الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه هو الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال.

وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضالّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعلُه سبحانه وتعالى وقدرُه، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبُه.

هذه كلمة موجزة عن الهدى والضلال وأهمية معرفة هذا المبحث، والتأكيد على أن الأمر كله بيد الله عز وجل؛ فهو يضل من يشاء ويهدي مَن يشاء.

أما مراتب الهدى؛ فهي أربع مراتب:

المرتبة الأولى: الهدى العام، وهو هداية الله عز وجل كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مراتبه؛ لأن هذه المرتبة تشمل كلَّ مخلوق، فقد هدى الله عز وجل ما خلقه من كائنات إلى ما يقوم به حياتها، وما يتمكن به من الحصول على معاشه.

المرتبة الثانية: هي بمعنى الهدى والدلالة والتعليم، والدعوة إلى مصالح العبد في ميعاده، وهذا خاص بالمكلفين.

فالمرتبة الأولى أو القسم الأول هو الهداية بالمعنى العام، وهذه أخص من الأمر الأول؛ لأن الأمر الأول يشمل كل كائن، أما هذا فهو يتعلق بالمكلفين الذين بُيِّن لهم الحق، ونزلت عليهم الكتب، وأرسلت لهم الرسل.

المرتبة الثالثة: هي الهداية المستلزمة للاهتداء، وهذه هي هداية التوفيق والمشيئة، أي: مشيئة الله بعبده الهداية، وخلق دواعي الهدى، وإرادة الهدى له، وما إلى ذلك.

المرتبة الرابعة: هي هداية المؤمنين إلى الجنة, والكافرين إلى النار.

والمرتبة الأولى هي أعم المراتب، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1- 3] فهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر بعضَ أمور عامة؛ هي: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، وهذه هي الهداية العامة لكل الكائنات.

ب. تفصيل القول في مرتبتي الهداية والإرشاد والبيان، وهداية التوفيق والإلهام:

هاتان المرتبتان هما صلب الحديث في هذه المسألة، فمرتبة الهداية والإرشاد والبيان للمكلفين، هذه مرتبة لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرطًا فيها أو جزءَ سبب، وذلك لا يستلزم حصول المشروط المسبب، بل قد يتخلف عنه المقتضي؛ إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع، وهذا واضح من بعثة الأنبياء والمرسلين، وإنزال الكتب من عند الله رب العالمين.

ولا يشترط عندما يبين النبي أو الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتبع الناس الحقَّ ويسلكوا طريق الرشاد، بل قد يتخلف ذلك وإن كان البيان شرطًا لا بد منه؛ كي تقوم الحجة على العباد، ولكي يكون الكلام سليمًا حينما نقول: وإن كان البيان شرطًا في حصول وتحقيق هذا التوفيق واتباع الحق؛ ولذلك قال الحق -تبارك وتعالى- في بيان هذا النوع من الهداية: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] وقال -جل ذكره-: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] فهداهم هدى البيان والدلالة، فلم يهتدوا، فأضلهم؛ عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه.

وهذا فعله سبحانه في كل مَن أنعم عليه بنعمة فكفرها، فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] فقال -جل ذكره-: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [آل عمران: 86].

وهذه الهداية التي ذكرناها وذكرنا الأدلة عليها الآن -هداية الإرشاد والبيان للمكلفين, والدلالة إلى طريق الحق والصواب- هي التي أثبتها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى: 52], ونَفَى عنه تلك الهداية الموجبة -هداية التوفيق والإلهام- وذلك كما جاء في قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56].

وهذه المرتبة أخص من التي قبلها؛ لأن التي قبلها هداية عامة، وهذه هداية تخص المكلفين، وهي حُجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُول} [الإسراء: 15] وقال -جل ذكره-: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وقال سبحانه: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِين * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِين} [الزمر: 56، 57].

فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى، وحال بينهم وبينه؟

قيل في الجواب على ذلك: حجته سبحانه وتعالى قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه إعلانًا، وقد أقام لهم أسباب الهداية ظاهرة وباطنة، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومَن حال بينهم وبينها بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله؛ فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته، فلم يمنعهم من هذا الهُدى ولم يحل بينهم وبينه.

نعم، يقال: قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم، والإقبال بقلوبهم إليه، ولم يحل مع ذلك بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه -وهو فعله ومشيئته وتوفيقه- فهذا غير مقدور لهم، وهو الذي منعوه وحِيل بينهم وبينه، فتأمل هذا الموضع واعرف قدره؛ لأنه يحل إشكالات كثيرة متعددة.

إذًا: هذه الهداية -هداية البيان والإرشاد والدلالة إلى طريق الحق والخير والصواب- خاصة بالمكلفين، ثابتة للأنبياء والمرسلين، كما أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه لأنبيائه ورسله، وآخرهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله له في كتابه: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}.

المرتبة الأخرى: مرتبة هداية التوفيق والإلهام، وخلق المشيئة المستلزمة للفعل:

فالهداية بمعنى الضلالة لا تستلزم حصول المراد، فالناس جميعًا قد يسّر الله لهم هذه الهداية ببعثة أنبيائه ومرسليه، ولكنهم لم يوفقوا جميعًا لاتباعهم؛ لأنها لا تستلزم حصول الهداية لجميع الناس؛ أما هداية التوفيق والإلهام وخَلْق المشيئة في القلب -أي: خلق الإيمان في القلب ومشيئته- فهذه تستلزم وجودَ الفعل المراد، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها؛ لأن هداية البيان والإرشاد والدلالة عامة للمكلفين جميعًا، أما هداية التوفيق والإلهام وخلق الإيمان في القلب، فهذه خاصة بصفوة من الناس رضي الله عنهم؛ ولذلك هذه المرتبة أخص من المرتبة التي سبق ذكرها.

وهذه المرتبة هي التي ضل جُهال القدرية بإنكارها، وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم مِن نواحي الأرض عصرًا بعد عصر إلى وقتنا هذا. ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم، كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى الجبرية -وهم مبتدعة أيضًا- ظلموا القدرية -وهم مبتدعة- وما أنصفوهم.

وهؤلاء الجبرية أنكروا فعل العبد وقدرته، وأن يكون له تأثير في الفعل ألبتة، بخلاف القدرية المعتزلة، ولما رد الجبرية على القدرية ردوا بمنكرٍ وضلال، وهذا شأن مبطل إذا دعا مبطلًا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل، فإنه يقع أيضًا في ضلال، فإن القدرية والجبرية في طرفي نقيض؛ فالقدرية تقول بأن العبد يخلق فعل نفسه، ولا دخلَ لإرادة الله فيه ولا لمشيئته، والجبرية تقول: العبد مجبور على فعله، فكلاهما في طرفي نقيض، والحق وسط بينهما -كما سيتبين ذلك في مناقشتنا للقدرية والجبرية إن شاء الله تعالى-.

وأهل السنة والجماعة شهدوا أن هذه المرتبة -وهي مرتبة الهداية والتوفيق والإلهام، وخلق الإيمان في القلب- تستلزم أمرين؛ أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى، والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه وتعالى؛ فالله عز وجل هو الهادي والعبد هو المهتدي، قال تعالى: {مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي} [الأعراف: 178] ولا سبيلَ إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل لا شك فعل العبد؛ ولهذا قال تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} [النحل: 37] وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرِص عليه، فالهداية بمعنى خلق الإيمان في القلب والتوفيق خاصة برب العزة والجلال، ومنتفية عن غير الله عز وجل, فهي منتفية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليها كما قال الله له، ولا تكون لأحد غير الله -تبارك وتعالى- فالله عز وجل إذا أضلّ عبدًا لم يكن لأحد سبيل بحال من الأحوال إلى هدايته، كما قال تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186], وقال تعالى: {مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الأنعام: 39], وقال تعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8].

وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون} [الجاثية: 23] .

والقدرية ترد هذا كلَّه وتجعله من متشابه القرآن، وتتأوله على غير تأويله؛ بل تتأوله بما يقطع ببطلانه، وعدم إرادة المتكلم له، وتأويلهم في الحقيقة لهذا النوع من الهداية تأويل باطل، ولا يتم عن فكر أو عقل أو اتباع.

ماذا قالت القدرية في معنى: أن الله يهدي من يشاء ويضل مَن يشاء؟ وبأي شيء أوَّلوا هذه الآيةَ؟ وماذا قالوا في الهدى والضلال؟

قال بعضهم: المراد بقوله: {يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} تسمية الله العبد مهتديًا وضالًّا, فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعًا أنه لا يصح حمل هذه الآية عليه، ونحن إذا تأملناها وجدناها لا تحتمل ما ذكروه ألبتة؛ فليس في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها، أن جاءت كلمة “هداه” بمعنى سماه مهتديًا، أو “أضله” بمعنى سماه ضالًّا، وهل يصح أن يقال: عِلمه إذا سماه علمًا، وفهمه إذا سماه فَهمًا؟! وكيف يصح هذا في مثل قول الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [البقرة: 272]؟! فهل فَهِمَ أحدٌ غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا: ليس عليك تسميتهم مهتدين، ولكن الله يسمي من يشاء مهتديًا؟!

وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تسميته مهتديًا, ولكن الله يسميه بهذا الاسم؟! وهل فهم أحد من قول الداعي: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم} [الفاتحة: 6] أو اللهم اهدنِي من عندك، ونحو ذلك أن معناه: اللهم سمنِي مهتديًا؟! وتأول بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف, لا خلق الهدى في القلب، فهكذا تأول بعضهم معنى: {يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} بصرف هذا النوع من الهداية -وهو هداية التوفيق وخلق الإيمان في القلب- للمرتبة الأخرى وهي هداية البيان والدلالة، وقالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على ذلك، وهذا من أبطل الباطل، فإن الله عز وجل أخبر أنه قسَّم هدايته للعبد قسمين؛ قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعبد، وقال في القسم المقدور للغير: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} وقال في غير المقدور للغير: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} وقال سبحانه: {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}.

error: النص محمي !!