Top
Image Alt

بيان مذهب أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات

  /  بيان مذهب أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات

بيان مذهب أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات

أ. توضيح الكلام بأن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات لله عز وجل بلا تكييف وينزهونه بلا تعطيل:

وهذا كلام يحتاج إلى تفصيل أكثر، ولكنني هنا بادرت بشيء منه؛ لأبيِّن أنني عندما ذكرت في الفقرة السابقة أن الله عز وجل يتصف -كما هو منهج أهل السنة والجماعة- بالصفات على ما يليق بجلاله وكماله، أريد أن أبيِّن هنا منهج أهل السنة والجماعة في هذا الإثبات، وهو أنهم يثبتون الصفات بلا تكييف، كما أنهم ينزِّهون ربهم عن أن يكون شبيهًا أو مثيلًا لمخلوقاته بحال من الأحوال.

ومنهج أهل السنة في ذلك منهج متميز يجمع بين إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، مع تنزيه الله عز وجل عن صفات المخلوقين، فإثباتهم إثبات بلا تكييف، وتنزيههم تنزيه بلا تعطيل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مقدمة كلامه فيما يعرف بـ (العقيدة الواسطية) وهو يبيِّن منهج الفرقة الناجية في ذلك فيقول رحمه الله: “أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}.

فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِين} [الصافات: 180- 182].

فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين بسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم، وهو الصراط الذي أنعم الله عز وجل به على النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد * اللَّهُ الصَّمَد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 1- 4].

وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول سبحانه: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم} [البقرة: 255] ولهذا من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.

وهذه الآيات فيها من صفات الله وأسمائه ما فيها، وأهل السنة والجماعة يثبتون كل ذلك بلا تكييف، مع التنزيه الكامل لرب العالمين الخالي من التعطيل”.

الإثبات المفصَّل والنفي المجمل عند أهل السنة والجماعة:

وهذه قاعدة عظيمة من القواعد التي ذكرها كثير من أهل العلم، ممن فقهوا منهج سلف هذه الأمة، وهي طريقة الكتاب والسنة، وتقوم على أساسين مهمين:

الأول: الإثبات على سبيل التعيين لكل فرد من أفراد الأسماء والصفات، وضده الإثبات المجمل لها.

الثاني: النفي على سبيل العموم والشمول لكل فرد من أفراد ما يضاد الكمال من النقائص والعيوب، وضده النفي المفصل لها، وسأفصل هنا معنى هذه القاعدة في كلمات أقول فيها:

إن مما علم بالاستقراء والضرورة عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ممن نهج نهجهم أن عقيدتهم في الأسماء والصفات قد بنيت على أصلين:

الأول: منهما الإثبات لكل اسم أو صفة سمى الله أو وصف بها نفسه في كتابه، أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

الثاني: نفي ما يضاد كماله الذي أثبته لنفسه، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما بنوا عقيدتهم على هذين الأساسين اتباعًا لكتاب ربهم الذي هو خبره عن نفسه، واقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم التي هي بلاغه عن ربه.

فقد جمع الله عز وجل فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، كما في قوله جل شأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}[الشورى: 11] ولقد جرى القرآن الكريم في بيان هذين الأصلين على طريقة مستقرة ومستمرة، دل عليها تتبع آياته واستقراء نصوصه، وهي استعمال الإثبات معينًا بأفراده على وجه الخصوص، ولذلك نجد أن الله عز وجل ينص على السمع والبصر والعلم، والإرادة، والقدرة والوجه واليدين، وغير ذلك ينص على كل صفة بذاتها في سياقها التي وردت فيه.

أما الأمر الثاني: فهو أنه ينفي عن نفسه سبحانه كل ما يضاد كماله، في سياق شامل لأفراد العيب والنقص، صارفًا النظر عن تعيين أفراده، أو تخصيصها بلفظ يدل عليها بذاتها، فالإثبات المفصل كما في قوله سبحانه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}، وكقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير} [الأنعام: 18]، وأما النفي المجمل فكما في قوله جل جلاله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وكقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد}.

وأما ما ورد في القرآن الكريم مما يدل على أن الإثبات يأتي مجملًا، كما في قوله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]، وقوله جل شأنه: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60]، فهو مخرج على وجوه:

أولًا: أن ما ذكر من أن طريقة الكتاب والسنة الإثبات المفصل، فإنه جار على الغالب والإثبات المجمل من غيره، والمراد به إجراء قاعدة عامة لما يسمى الله به أو يوصف.

ثانيًا: أن الإثبات المفصل هو القاعدة المستمرة المستقرة، وأن الإثبات المجمل أُتي به على سبيل تنويع طريق الاستدلال، فيثبت الكمال إذًا بطريقين: تفصيلي وهو المعول عليه، وإجمالي يراد به التنويع لا التقعيد، والأمر فيما ورد من النصوص القرآنية على طريقة النفي المفصل، كما في قوله جل جلاله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد} وكقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} مخرج على أحد علتين أيضًا:

الأولى: حمله على سياق خاص بأحد أمرين:

أ. أنه أريد به توسيع دائرة الإثبات بإثبات أضدادها من صفات الكمال، فنفي السِّنة والنوم إثبات لكمال حياته، وإحاطه علمه، وكمال قدرته، ونفي الصاحبة والولد إثبات لصمديته وعظمته.

ب. أنها في مقابلة حوادث خاصة، وأمور كبرى قوبلت بالإنكار أو الإثبات من بعض الطوائف، فيأتي نفيها مفصلًا لتقرير الرد عليهم، ولتأخذ الحجة مأخذها، ففي آية الإخلاص رد على العرب الطالبين من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربه في آية الكرسي، رد على اليهود الذين نسبوا لله السنة والنوم.

أما العلة الثانية: فنقول فيها: كون ما جاء من أن طريقهم النفي المجمل جرى مجرى الغالب، ومظاهر النفي المفصل جاءت على غير الغالب، فكان الأول على سبيل التقعيد والآخر على سبيل الندور، ولكل من الجوابين وجه، وإن كان الأول أولى.

وبهذا يعلم أن طريقة السلف الصالح هي الإثبات المفصل، والنفي المجمل، وما جاء على خلاف هذا الأصل فله مخرج، إذ ما كان على خلاف القواعد المستقرة، فلا بد له من علة أخرجته عن أصله إلى غيره، وهذه القاعدة العظيمة تبين لنا أمورًا متعددة، أذكر منها ما يلي:

أولًا: أن ركني توحيد الأسماء والصفات، من جهة المعنى اثنان: هما الإثبات لصفات الكمال، والنفي لما يضاد هذا الحال.

ثانيًا: أن الإثبات والنفي يأتيان في القرآن والسنة مفصلان ومجملان، كما في حديث: ((أسألك بكل اسم هو لك)).

ثالثًا: أن القاعدة المستمرة في النفي والإثبات هي التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي، وهذا في الحقيقة يشعر به، ويلحظه كل تالٍ لكلام رب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه، فما أكثر الآيات القرآنية التي ختمت بأسماء رب البرية، وقد اشتملت على صفات علية لله عز وجل أما النفي فنجده في القرآن الكريم مجملًا.

ثم أقول بعد ذلك أيضًا في الأمر الرابع : إن ما ورد على خلاف هذه القاعدة، يعني: أن يأتي النفي مفصلًا والإثبات مجملًا، فهذا يكون لعلة اقتضت ذلك؛ لأن الإثبات مقصود لذاته، والنفي مقصود لغيره، وكيفية الإثبات المفصل أن تقول وتعدد أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، فتقول: الله سميع، الله بصير، الله حي، الله قدير، يحب أولياءه، ويبغض أعداءه، ويمكر بالكافرين وهكذا.

أما كيفية النفي المجمل، فكأن يقول العبد: “سبحان ربي العظيم” أو أن يخبر بأن الله لا مثل له ولا شبه له، ولا كفء له، ولا ند له، وهذه طريقة علمية صحيحة عرفها وفقهها أهل السنة والجماعة، وبالتالي أكثروا من صفات الكمال الثابتة لله عز وجل ومدحوا ربهم سبحانه وتعالى بها، وأما النفي فكان منضبطًا في كلامهم بما أتى في القرآن الكريم أو السنة النبوية، بمعنى أنهم لم يتوسعوا فيه كتوسع غيرهم. وبهذا يظهر مكانة وصحة اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

error: النص محمي !!