Top
Image Alt

بيان معنى “الفاء” وأحكامها

  /  بيان معنى “الفاء” وأحكامها

بيان معنى “الفاء” وأحكامها

يقول ابن هشام: وأما الفاء فللترتيب والتعقيب نحو: {أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَه} [عبس: 21]، وقال: وكثيرًا ما تقتضي أيضًا التسبُّب إن كان المعطوف جملة، ومثَّل لذلك بقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15]، إن المعنى الغالب للفاء هو الترتيب بنوعيه المعنوي والذكري، مع التعقيب فيهما، وإفادة التشريك، والمراد بالترتيب المعنوي أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف متأخرًا عن زمن تحقُّقه في المعطوف عليه، والمراد بالترتيب الذكري: أن يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدُّث عنهما في كلام سابق وترتيبهما فيه، لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما، والمراد بالتعقيب: عدم المهلة، ويتحقق بقصر المدة الزمنية التي تنقضي بين وقوع المعنى على المعطوف عليه، ووقوعه على المعطوف كقولك: “وصلت الطائرة فخرج المسافرون، وأول من خرج النساء فالرجال”؛ فخروج المسافرين في المثال هذا يجيء سريعًا بعد وصول الطائرة، وخروج الرجال يكون بعد خروج النساء مباشرة من غير انقضاء وقت طويل في الصورتين، وقصر الوقت متروك تقديره للعرف الشائع؛ إذ لا يمكن تحديد الوقت القصير أو الطويل تحديدًا عامًّا يشمل كل الحالات؛ فقد يكون الوقت قصيرًا في حالة معينة، ولكنه يعد طويلًا في أخرى.

وتفيد الفاء كثيرًا مع الترتيب والتعقيب: التسبُّب -كما يقول ابن هشام- أي: الدلالة على السببية، ولكنها لا تُسمَّى اصطلاحًا في هذه الحالة فاء السببية، إلا إذا دخلت على مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة، التي تنصبه بشروط معينة؛ فالدلالة على السببية أن يكون المعطوف متسبِّبًا عن المعطوف عليه، ويغلب هذا في عطف الجمل، كما يقول ابن هشام: إن كان المعطوف جملة كقولك: “رمى الصياد الطائر فقتله”. ويغلب أيضًا في المعطوف المشتقِّ نحو: “أنتم أيها الجنود واثقون بأنفسكم، فهاجمون على عدوكم، ففاتكون به، فمنتصرون عليه”.

أحكام الفاء:

وللفاء أحكام يشاركها فيه غيرها من الحروف في باب عطف النسق، كما تختصُّ بأحكام أخرى لا يُشاركها فيه حرف آخر؛ فمن أحكامها: أنها لا تنفصل من معطوفها بفاصل اختيارًا، فلا بد من اتصالهما في غير الضرورة الشعرية.

أولًا: أحكام الفاء التي قد يُشاركها فيها بعض الحروف الأخرى:

  1. أنها تعطف المفردات، وتعطف الجمل.
  2. أنه يجوز حذفها بقرينة كالواو، وأو، تقول: قطعت سنوات التعلم الأولى الثانية، الثالثة، الرابعة، وأنت تعني: الأولى، فالثانية، فالثالثة، فالرابعة.
  3. أنها قد تحذف مع معطوفها كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، والتقدير: فمن كان منكم مريضًا، أو على سفر، فأفطر فعدِّة من أيام أخرى.

ثانيًا: الأحكام الخاصة بالفاء:

وتختصُّ الفاء بأحكام؛ منها: أنها تعطف جملة لا تصلح صلة، ولا خبرًا، ولا نعتًا، ولا حالًا على جملة تصلح لذلك، والعكس بأن تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء على جملة لا تصلح، وسبب عدم الصلاحية خلوُّ الجملة من الرابط، ووجوده في الجملة الصالحة؛ لذلك يقول ابن هشام: وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة ما لا يصح كونه صلة؛ لخلوه من العائد، وعكسه، قال: ومثل ذلك جارٍ في الخبر، والصفة، والحال. فمثال عطفها جملة لا تصلح صلة على جملة أخرى: “الذي عاونته، ففرح الوالد مريض”. ومثال ذلك أيضًا: “اللذان يقومان، فيغضب زيد أخواك”. ومثال العكس -أي: عطف جملة تصلح على أخرى لا تصلح-: “التي وقف القطار فساعدتها على النزول عجوز ضعيفة”، ومثال آخر: “الذي يقوم أخواك، فيغضب هو زيد”. ومثال عطفها جملة لا تصلح خبرًا على أخرى تصلح: “الحديقة يرعاها البستانيُّ، فيكثر الثمر”. ومثال العكس -أي: عطف جملة تصلح على أخرى لا تصلح خبرًا-: “الحديقة أهمل البستانيُّ، فقلَّ ثمرها”.

وقد مثّل ابن هشام بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] لاحظ قوله: { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء } ولاحظ { فَتُصْبِحُ الأَرْضُ }، وراقب الجملتين، وانظر إلى اسم “أن” وهو لفظ الجلالة {أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} فعطف بالفاء ما لا يصلح خبرًا على ما يصلح، كما ساق شاهدًا شعريًّا على عطف جملة تصلح لَأَن تكون خبرًا عن مبتدأ، على أخرى لا تصلح لأن تكون خبرًا بسبب خلوِّها من الضمير؛ حيث قال الشاعر ذو الرمة:

وإنسان عيني يحسر الماء تارة

*فيبدو وتارات يجمُّ فيغرق

 

قوله: “إنسان عيني” هو مثال العين، وهي النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد، وقوله: “يحسر” أي: يكشف حسر يحسر. “يبدو” أي: يظهر. “يجم” أي: يكثر.

يتضح الشاهد من خلال إعرابه كاملًا، “إنسان”: مبتدأ، وهو مضاف و”عين” من “عيني” مضاف إليه، و”عين” مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. “يحسر الماء”: يحسر فعل مضارع، والماء فاعله. “تارة”: مفعول مطلق. قوله: “فيبدو” الفاء عاطفة، “يبدو” فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى قوله: “إنسان عيني”. “وتارات”: الواو عاطفة، و”تارات” معطوف بالواو على قوله: تارة، منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. وقوله: “يجمّ” فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو، يعود إلى الماء. قوله: “فيغرق” الفاء عاطفة، “يغرق”: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو، يعود إلى قوله: “إنسان عيني”.

والشاهد في البيت: أنه عطف الجملة التي تصلح لأن تكون خبرًا عن المبتدأ، وهي قوله: “فيبدو”؛ لأنها مشتملة على ضمير يعود إلى المبتدأ، الذي هو قوله: “إنسان عيني”، عطفها على جملة لا تصلح لأن تكون خبرًا، بسبب خلوِّها من ذلك الضمير، وهي جملة “يحسر الماء تارة”. يقول ابن مالك:

واخصص بفاء عطف ما ليس صلة

*على الذي استقر أنه الصلة

يريد: تختصُّ الفاء بأنها تعطف جملة لا تصلح أن تكون صلة؛ لخلوِّها من الرابط على أخرى تصلح صلة لاشتمالها على الرابط، والأمر نفسه ينطبق أيضًا على الخبر، كما مثَّل ابن هشام.

error: النص محمي !!