Top
Image Alt

بيان مقالات المرجئة في الإيمان والرد عليها

  /  بيان مقالات المرجئة في الإيمان والرد عليها

بيان مقالات المرجئة في الإيمان والرد عليها

بيان مقالات المرجئة في الإيمان والرد عليها:ذكر الخلال بسنده قال: سئل إسحاق بن راهويه، هذا الاسم ينطقه المحدِّثون على صورتين؛ الصورة الأولى: راهويه على وزن سيبويه ونفطويه ومسكويه… إلى آخر هذه الأسماء المركبة تركيبًا إضافيًّا بويه، ومنهم مَن ينطقه على صورة راهويه.

فقال: سئل إسحاق بن راهوية عن المرجئة لم سموا مرجئة، وهم لا يرجئون الذنوب إلى الله -تبارك وتعالى-؟ فقال: قال النضر بن شميل: إنهم سموا بهذا الاسم؛ لأنهم يقولون بخلافه، بمنزلة المحكمة -أي: الخوارج- وهم يقولون: لا حكم إلا لله، وبمنزلة القدرية وهم يقولون بخلاف القدر.

هنا يقول: لماذا إذا سموا مرجئة مع أن المرجئة لا ترجئ الذنوب إلى الله؟

فقال النضر بن شميل -رحمه الله-: هذا من باب اشتهارهم بضد الاسم، كما اشتهرت الخوارج بأنها رفضت التحكيم، لما حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الحكمين؛ حيث رضي علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم ورضي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بـعمرو بن العاص حكمًا من عنده.

فمع ذلك لما رفض الخوارج هذا التحكيم سموا محكمة، يعني: سموا بضده، وكذلك القدرية وهم غلاة في القدر الذين يقولون: إن الإنسان خالق فعله، سموا قدرية أشرارًا كما ورد في الأثر: ((القدرية شرار أمتي)) سموا بذلك مع أنهم لا يقولون بالقدر، لا يوكلون فعل الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى وإنما يقولون: إن الإنسان خالق فعله. فهم ينكرون ويقولون بخلاف القدر ومع ذلك سموا قدرية.

إذًا نستطيع أخذًا مما سبق أن نختصر مقالات المرجئة في الإيمان إلى ثلاث؛ وهي:

  • أن الإيمان مجرد التصديق الذي في القلب، ثم منهم مَن يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة.
  • ومنهم من يقول: الإيمان هو مجرد قول اللسان، وهذا لم يقله أحد قبل الكرامية.
  • أن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهو الذي يعبر عنه في كتب المقالات والعقائد بإرجاء الأحناف.

وروى الخلال في (السنة) عن الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- أن الإمام أحمد قال: المرجئة وهم الذين يزعمون أن الإيمان مجرد النطق باللسان، وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقًّا.

هذا كله قول المرجئة، وهو أخبث الأقاويل.

وقال في موضع آخر: وأما المرجئة فيسمون أهل السنة شُكاكًا، وكذبت المرجئة، بل هم بالشك أولى وبالتكذيب أشبهُ. انتهى كلامه.

ومن ردود الإمام أحمد -رحمه الله- على المرجئة في قولهم: إن الإيمان هو المعرفة فقط، أو المعرفة والإقرار فقط. ما نقله الخلال عن أبي عبد الرحيم الجوزجاني قال: كتب إليَّ أحمد بن حنبل: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما أقر؟.

قال محمد بن حاتم: وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرًّا ومصدقًا بما عرف؛ فهو من ثلاثة أشياء؛ فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال عظيمًا، ولا أحسب أحدًا يدفع المعرفة. قال المروزي: ولا أحسب امرأً يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء.

انتهى كلامه -رحمه الله-.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رده على المرجئة: فهؤلاء غلطوا في أصلين:

أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية للقلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات، أو منازل السائرين إلى الله، أو مقامات العارفين أو غير ذلك كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب.

فالأول لا بد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين. قال تعالى: {هَـَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوّابٍ حَفِيظٍ}(32) {مّنْ خَشِيَ الرّحْمَـَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مّنِيبٍ} [ق: 32، 33]. ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله.

الوجه الثاني من خطأ المرجئة: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والنقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار،فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه، فيكذبون الرسل ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، فإبليس وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق.  انتهى كلامه -رحمه الله.

وقال في موضع آخر: والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه عمل، لا على إيمان خالٍ عن عمل، فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعًا لفظيًّا مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة، وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح، وبعض الناس يحكي هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.

لكنى ما علمت معيَّنًا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله. وقد يكون قول من لا خلاق له، فإن كثيرًا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا.

ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية: {أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ} [البقرة: 177] فقوله: {صَدَقُوآ} أي: في قولهم آمنوا كقوله: {قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـَكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] إلى قوله: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحجرات: 15] أي: هم الصادقون في قولهم: آمنا بالله، بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].

والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق والمنافقين بالكذب؛ لأن الطائفتين قالتا بألسنتهما: آمنا، فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق، ومن قال بلسانه ما ليس في قلبه فهو كاذب منافق. انتهى كلامه.

ونقل السفاريني -رحمه الله- أقوال بعض السلف في ذم الإرجاء والرد على المرجئة. ومن ذلك قوله: “قال إبراهيم النخعي: لفتنهم -يعني: المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة، يعني: الخوارج. وقال الزهري: ما ابتدع في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء. وقال شريك القاضي: المرجئة أخبثُ قومٍ، حسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابِري، أي: ثوب رقيق جدًّا. وقال وكيع: المرجئة الذين يقولون: الإقرار يجزي عن العمل. ومن قال هذا فقد هلَك،ومن قال: النية تجزي عن العمل فهو كفر، وهو قول جهم.

error: النص محمي !!