Top
Image Alt

بَابُ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وبَابُ مَن اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ، وبابُ أَنَّ مَنْ شَرَطَ الْوَلَاءَ أَوْ شَرْطًا فَاسِدًا لَغَا وَصَحَّ الْعَقْدُ

  /  بَابُ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وبَابُ مَن اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ، وبابُ أَنَّ مَنْ شَرَطَ الْوَلَاءَ أَوْ شَرْطًا فَاسِدًا لَغَا وَصَحَّ الْعَقْدُ

بَابُ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وبَابُ مَن اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ، وبابُ أَنَّ مَنْ شَرَطَ الْوَلَاءَ أَوْ شَرْطًا فَاسِدًا لَغَا وَصَحَّ الْعَقْدُ

. باب اشتراط منفعة المبيع وما في معناها:

أولًا: الحديث:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ((أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: ولحقني بي صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسِر مثله، فقال صلى الله عليه وسلم: بعنيه، فقلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي)) هذا حديث متفق عليه، وفي لفظ لأحمد والبخاري: ((وشرطت ظهره إلى المدينة)) أي: اشترط أن أركبه إلى المدينة.

ثانيًا: شرح الحديث:

قوله: ((أعيا)) الإعياء: هو التعب والعجز عن السير.

((فأردت أن أسيبه)) أي: يتركه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له، أي: لهذا الجمل، فسار صحيحًا معافى.

و((سار سيرًا لم يسر مثله من قبل)) طالب النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع هذا الجمل فقال: جابر في أول الأمر لا، فأعاد صلى الله عليه وسلم السؤال مرة ثانية؛ فقبل جابر ولكنه استثنى.

قوله: ((بعنيه)) هنا مطلقه لم يظهر في الحديث بكم يكون البيع؟ لكن جاء في رواية متفق عليها: ((بعنيه بأوقية)) وفي أخرى: ((بخمس أواقٍ)) وفي أخرى أيضًا: ((بأوقيتين ودرهم أو درهمين)) وفي بعضها: ((بأربعة دنانير)). وفي بعضها: ((بثمانمائة درهم))، وفي بعضها ((بعشرين دينارًا)) وقد جُمِع بين هذه الروايات بما له لا يخلو عن تكلف.

واستُدل بهذا على جواز طلب البيع من المالك قبل عرض المبيع للبيع.

قوله: ((واستثنيت حملانه))، “استثنيت” أي: طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلني أركب عليه وأن يحملني إلى أهلي، وكان أهله في المدينة كما جاء ذلك واضحًا في رواية الإمام البخاري. وقوله: ((حُملانه)) بضم الحاء المهملة والمراد الحمل عليه، وتمام الحديث في (الصحيحين): ((فلما بلغت)) يعني: لما وصل إلى المدينة سيدنا جابر بجمله. ((أتيته)) أي: أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالجمل. ((فنقدني ثمنه، ثم رجعت؛ فأرسل في أثري فقال: أتراني ماكستك لأخذ جملك؟! خذ جملك ودراهمك فهو لك)) أي: وهب النبي صلى الله عليه وسلم الجمل وثمنه لسيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

وللحديث ألفاظ فيها اختلاف كثير، وفي بعضها طول، وهو يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه قال: الجمهور، وجوز مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة محددة بثلاثة أيام.

وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلَّت المسافة أو كثرت، واحتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط، وحديث النهي عن الثنية يعني استثناء، وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها الاحتمالات.

ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط -مع ما فيه من المقال- هو أعم من حديث الباب مطلقًا، فيبنى العام على الخاص، وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده بقوله: ((إلا أن يعلم)) وللحديث فوائد مبسوطة في مطولات كثيرة في شروح الحديث.

ثالثًا: هذا الحديث له روايات متعددة ذكرها الإمام مسلم في (صحيحه):

الرواية الأولى: ((عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قال: بعنيه بأوقيه، قلت: لا، ثم قال: بعنيه؛ فبعته بأوقية، واستثنيت عليه حُملانه إلى أهلي، فلما أن بلغتُ أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه -يعني: أعطاني ثمن الجمل- ثم رجعت -رجع إلى بيته- فأرسل في أثري صلى الله عليه وسلم فقال: أتراني ماكستك)) يعني: أنا أخذت جملك منك أو طلبت منك البيع. ((لآخذ جملك؟! خذ جملك ودراهمك فهو لك)).

الرواية الثانية: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي وتحتي ناضح لي -يعني: جمل- قد أعيا ولا يكاد يسير -وهنا تظهر معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم عندما يدعو للجمل فيسير سيرًا لم يسر مثله من قبل- قال: فقال لي: ما لبعيرِك؟ قال: قلت عليل، يا رسول الله. قال: فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير، قال: فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير؛ قد أصابته بركتك، يا رسول الله. قال: أفتبيعنيه؟ فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت: نعم، فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة -يعني: أتمتع بظهره حتى أصل إلى المدينة- قال: فقلت له: يا رسول الله، إني عروس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت؛ فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرت بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته: ما تزوجت أبكرًا أم ثيبًا؟ فقلت له: تزوجت ثيبًا. قال: أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ فقلت له: يا رسول الله، توفي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن؛ فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن وتؤدبهن، قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه ورده عليَّ)).

الرواية الثالثة: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتلَّ جملي… )) وساق الحديث بقصته، وفيه: ((ثم قال: بعني جملك هذا، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال: لا، بل بعنيه. قال: قلت: لا؛ بل هو لك، يا رسول الله. قال: لا، بل بعنيه، قال: قلت: فإن لرجل عليَّ أوقية ذهب، فهو لك بها. قال: قد أخذته. فتبلَّغ عليه إلى المدينة -يعني النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: له تمتع به إلى المدينة- قال: فلما قدمت المدينة، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: أعطه أوقية من ذهب وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكان في كيس لي فأخذه أهل الشام يوم الحرة)) يعني: احتفظ جابر بالزيادة سنوات في كيسه تبركًا بأثر من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرواية الرابعة: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتخلف ناضحي)) وساق الحديث، وقال فيه: ((فنخسه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: أركب باسم الله)) وزاد أيضًا قال: ((فما زال يزيدني ويقول: والله يغفر لك)).

الرواية الخامسة: وعن جابر رضي الله عنه قال: ((لما أتى عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعيا بعيري قال: فنخسه فوثب –يعني: أسرع- فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه؛ فما أقدر عليه –يعني: يمسك زمام الجمل ليسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والجمل يحاول الوثوب والمشي بسرعة ولا يقدر عليه جابر- فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بعنيه. فبعته منه بخمس أواقٍ، قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره إلى المدينة، قال: فلما قدمت المدينة أتيت به، فزادني أوقية، ثم وهبه لي)).

الرواية السادسة: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره؛ أظنه قال: غازيًا)) واقتص الحديث وزاد فيه: ((قال: يا جابر، أتوفيت الثمن؟ قال: نعم، قال: لك الثمن، ولك الجمل، لك الثمن ولك الجمل)). انظر إلى كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرواية السابعة: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((اشترى مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا بأوقيتين ودرهمٍ أو درهمين، قال: فلما قدم سرارًا أمر ببقرة؛ فذبحت فأكلوا منها، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين، ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي)).

الرواية الثامنة: وعن جابر رضي الله عنه وعن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة، غير أنه قال: ((فاشتراه مني بثمن قد سماه))، ولم يذكر الأوقيتين والدرهم والدرهمين، وقال: ((أمر ببقرة فنحرت ثم قسم لحمها)).

الرواية التاسعة: وعن جابر رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((قد أخذت جملك بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة)).

هذه الأحاديث برواياتها كل رواية تعطي معنى جديدًا، وكلها تدل على سماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه، وعلى كرمه وجوده، وعلى حرص الصحابة على إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يماكس من أجل أخذ الثمن وإنما من أجل أن يحل مشكلة لجابر، وفيها أيضًا معجزة ظهرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: أنه نخس الجمل فإذا بالجمل تعود عليه عافيته.

رابعًا: المعنى العام لهذه الأحاديث:

صورة إسلامية مشرقة، صورة الإمام القائد الأعظم مع جنده أو صغار جنده، وكيف يتتبع أحوالهم ويساعدهم، ويتفقد أمورهم الخاصة، ويسامرهم ويرشدهم إلى مصالحهم، صورة القائد الذي يتصدر الجند في المعارك ولا يتصدرهم في طريق العودة، بل يسير أمامهم أحيانًا، وفي وسطهم أحيانًا وفي مؤخرتهم أحيانًا، يعين الضعيف وينجد ذا الحاجة، صورة الإمام الأعظم الذي يعطي دون أن يمنَّ، ودون أن يجرح المعطي.

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود من غزوة ذات الرقاع في السنة الخامسة للهجرة يعود بجيشه بعد نصر الله، وفي الجند جابر بن عبد الله الصحابي المشهور، يركب جملًا له عليلًا؛ يشتد به الإعياء حتى لا يكاد يسير، فتخلف جابر عن آخر القوم، وكاد يترك الجمل في الصحراء، ويسير على أقدامه، وبينما هو يتدبر أمره فوجئ بمن يناديه من خلفه: جابر! فالتفت، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لبيك يا رسول الله، قال: مالك تأخرت، ما لبعيرك؟ قال: بعيري عليل لا يكاد يسير.

فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ناقته، ونزل جابر عن جمله أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلف بعير جابر، فنخسه في عجزه بعصاه كانت معه، فقفز البعير من النخسة.

فسمع جابر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يدعو للبعير بالبركة، ثم قال: يا جابر، اركب بعيرك باسم الله، فركب جابر بعيره وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته، وتجوّل بين الجند، ركب جابر بعيره فإذا هو غير البعير، بعير يسير سيرًا لم يسِر مثله قبل، بل لا يسير مثله بعير بين الجمال، إنه يسابق إبل القوم، إنه يسبقهم ويسير قدامهم، ومرة أخرى يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواره يقول له: يا جابر! قال: لبيك يا رسول الله، قال: كيف ترى بعيرك؟ ماذا فعل؟ قال: حصلت له بركتك يا رسول الله، ها هو كأحسن بعير بفضل دعائك، ها هو ذا يحاول سبق ناقتك، أشده من خطامه لأمنعه من الإسراع لتتقدم عليَّ، يا رسول الله.

قال: يا جابر! أتزوجت بعد وفاة أبيك؟ قال: نعم، وأنا عروس؛ لهذا استأذنك في أن أسبق الجيش إلى المدينة. قال: لا بأس؛ فماذا تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا. قال: لمَ لم تتزوج بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ لِمَ لم تتزوج عذراء تضاحكاها وتضاحكك؟ قال: لقد مات أبي شهيدًا في “أُحُد”، وترك تسعًا من البنات منهن الصغيرة، فكرهت أن أتزوج بكرًا في سن بعضهن، فلا تستطيع خدمتهن وتمشيطهن وجمعهن والقيام عليهن، فتزوجت امرأة تقوم مقام أمهن، وتدير شئونهن، قال: أصبت، فبارك الله لك، يا جابر، العقل العقل والحكمة الحكمة في معالجتك لأمور زوجك مع أخواتك؛ فما أصعب هذه العلاقة.

ثم قال: يا جابر أتبيعني جملك هذا؟ واستحيى جابر؛ بماذا يجيب؟ وليس لهم جمل يستاقون عليه إلا هذا، قال: هو لك يا رسول الله هديةً لا بيعًا. قال: لا، بعنيه، قال: هو لك هدية لا بيعًا، يا رسول الله. قال: لا، بعنيه بأوقية من الذهب، فقال: لا أبيعه، قال: بعنيه بأوقية من ذهب، والله يغفر لك. قال: بعتك إياه، وقد كان لرجل عليَّ أوقية من الذهب، فهي تسد الدين، لكن أتبلَّغ عليه حتى المدينة. قال: تبلغ عليه إلى المدينة، وسبق جابر الجيش.

وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم خيام الجيش قرب المدينة على ثلاثة أميال منها، حتى يصل خبر الجيش، وتستعد النساء للقاء الأزواج، وأصبح جابر بجمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده على باب المسجد، فسلمه الجمل، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال -خازن بيت المال: زن له أوقية من ذهب وزده. فوزن له أوقية وقيراطًا، ونقده، فرجع جابر إلى بيته، وقبل أن يجلس، جاءه من يقول له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوك إليه، قال: سمعًا وطاعة، وأخذ يقلب الأمور؛ لماذا يطلبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كنت معه منذ قليل؟ أخشى أن يكون قد غضب لترددي في الموافقة على البيع، أو أن يكون سيرد علي الجمل ويسترد الثمن وهو غير راضٍ عني.

ووصل جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتظن أنني ساومتك على ثمن الجمل وبيعه لآخذه منك؟ الثمن لك، والجمل مني هدية لك. وقف جابر مشدوهًا للمفاجأة، وأعاد صلى الله عليه وسلم: لك الثمن ولك الجمل، ومرة أخرى وقف جابر مشدوهًا لا يصدق نفسه، ومرة أخرى يقول صلى الله عليه وسلم: لك الثمن ولك الجمل؛ فصدق الله العظيم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 128].

خامسًا: ما يستفاد من هذا الحديث:

جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع؛ فإن جابر لم يعرض الجمل للبيع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من جابر أن يبيعه الجمل، فيستفاد من هذه النقطة: أنه يجوز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع.

سيدنا جابر امتنع عن البيع أولًا؛ أخذ العلماء من ذلك أنه تجوز المماكسة في البيع، أي: الامتناع عن البيع أولًا، رجاء ارتفاع الثمن مثلًا.

ولما عاد جابر والصحابة بدءوا بالمسجد، ومن هنا قال: العلماء يؤخذ من هذا الحديث استحباب بالابتداء بالمسجد عند العودة من السفر، وصلاة ركعتين فيه -أي في المسجد.

أُخِذ أيضًا أن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين كصلاة الليل، وهو مذهب الشافعية ومذهب الجمهور.

واستفيد أيضًا: استحباب الدلالة على الخير.

وفيه: تقدم بعض الجيش الراجع بإذن الأمير، يعني: عند العودة يجوز لبعض الجيش أن يسير ويقدم الأمير، ولكن بشرط أخذ الإذن من الأمير.

أيضًا يؤخذ من هذا الحديث: بيان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نخس الجمل فشفاه الله وصار يسير سيرًا حثيثًا يسبق كل النوق.

2. من اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه:

عن عائشة رضي الله عنها: أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق؛ فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله فقال: ((اشتريها وأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن اعتق)) حديث متفق عليه، ولم يذكر البخاري لفظة: ((أعتقيها)).

ومعنى ((ولاءها)) أي: أنها بعد أن تعتق يكون ارتباطها بمن أعتقتها، والولاء: إما ولاء بالنسب أو ولاء بالعتق؛ والولاء بالعتق: هو أن يعتق السيد عبده، فبعدما يصير حرًا ينسب لمن أعتقه، وعلى من أعتقه أن يدافع عنه وأن يحميه. في مقابل ذلك إذا مات العبد وليس له وارث عاد المال إلى من أعتقه. هذا هو الولاء، وهو ما يعرف بولاء العتق.

أما ولاء النسب: فكان عندما يدخل رجل من خارج الجزيرة العربية الإسلام ينضم إلى قبيلة ينتسب إليها لتحميه حتى لا يكون فريدًا فينسب أيضًا إلى هذه القبيلة.

بريرة طلبت من السيدة عائشة أن تساعدها في المكاتبة التي كانت كاتبت عليها أهلها تدفع كل سنة شيئًا، ثم تصير حرة بعدما تدفع كل المكاتبة، قالت لها السيدة عائشة رضي الله عنها: أعطيكِ كل ما عليكِ ويكون ولاؤك لي؟ فإذا بأهل بريرة يقولون: لا، تعتق عائشة، والولاء يكون لنا، فقال صلى الله عليه وسلم لما جاء وعلم ذلك: ((أعتقيها يا عائشة، والولاء لك)) لأنهم شرطهم شرطًا باطلًا: ((كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل وإن كان مائة شرط)).

ونذكر ما جاء في (نيل الأوطار) شرحًا لهذا الحديث:

يقول الإمام الشوكاني:

قَوْلُهُ: “بَرِيرَةَ”: هِيَ -بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِرَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ- بِوَزْنِ “فَعِيلَةٍ” مُشْتَقَّةٍ مِنْ “الْبَرِيرِ” وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ، وَقِيلَ: إنَّهَا “فَعِيلَةٌ” مِنْ “الْبِرِّ” بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ: أَيْ مَبْرُورَةٍ، وبِمَعْنَى “فَاعِلَةٍ”: كَرَحِيمَةٍ، أَيْ: بَارَّةٍ، وَكَانَتْ لِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ؛ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَقِيلَ: لِنَاسٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَاهُنَا هَذَا الطَّرَفَ مِنْ الْحَدِيثِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ.

وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ أَقْسَامٌ:

أَحَدُهَا: يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الْعَقْدِ كَشَرْطِ تَسْلِيمِهِ.

الثَّانِي: شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ كَالرَّهْنِ، وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا.

الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِهَذَا الْحَدِيثِ.

الرَّابِعُ: مَا يَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي؛ كَاسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ.

3. من شَرَط الولاء أو شرط شرطًا فاسدًا لغى الشرط وصح العقد:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ((دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ: اشْتَرِينِي فَأَعْتِقِينِي، قُلْت: نَعَمْ، قَالَتْ: لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي، قُلْت: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ بَلَغَهُ ذلك، فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟ فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا، قَالَتْ: فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنْ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي لَفْظٍ آخَرَ: ((خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).

الثاني: عَنْ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ مُسْلِمٌ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ عَائِشَةَ جَعَلَهُ مِنْ (مُسْنَدِهَا).

الثالث: وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقَهَا؛ فَأَبَى أَهْلُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)).

الرواية ذكرها أيضًا الإمام الصنعاني في كتابه (سبل السلام) وفيها بعض الزيادات التي لا تخلو من فوائد، وهذه الفائدة من كثرة الروايات التي تأتي في الكتب والتي نرويها كما جاءت في (سبل السلام):

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((جاءتني بريرة إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ)) كل الروايات السابقة لم تبين على ما كانت المكاتبة، يعني: كم كان مقدارها، ولم تبين كيفية الدفع في كل شهر أم في كل عام؟ هذه الرواية بينت- والمراد بأهلي: أي: الذين يملكونني، على تسع أواقٍ في كل عام أوقية، ((فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت)) يعني: أعطيها لهم مرة واحدة، ((فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها))، يعني: امتنعوا عن أن يوافقوا على ذلك؛ فجاءت من عندهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا أن لا يكون الولاء لهم؛ فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((خذيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ففعلت عائشة رضي الله عنها.

ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد؛ فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)) حديث متفق عليه واللفظ للبخاري، وعند مسلم قال: ((اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء)).

ثانيًا: الشرح:

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((جاءتني بريرة)) -بفتح الباء الموحدة ورائين بينهما مثناه- سبق ذلك.

((قالت: إني كاتبت)) من المكاتبة، وهي العقد بين السيد وعبده.

((أهلي)) هم ناس من الأنصار أو من غيرهم -كما سبق.

((على تسع أواقٍ)) هنا ظهر العدد -القيمة- التي تعاقدت معهم عليها.

error: النص محمي !!