Top
Image Alt

بَابُ شَرْطِ السَّلَامَةِ مِن الْغَبْنِ، وبابُ إثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ

  /  بَابُ شَرْطِ السَّلَامَةِ مِن الْغَبْنِ، وبابُ إثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ

بَابُ شَرْطِ السَّلَامَةِ مِن الْغَبْنِ، وبابُ إثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ

. شرط السلامة من الغبن:

الغبن هو الغرر وإلحاق الضرر بالبائع أو المشتري.

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، فقال له صلى الله عليه وسلم: من بايعت؛ فقل: لا خلابة)) متفق عليه.

الثاني: وَعَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْتَاعُ وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ -يَعْنِي: فِي عَقْلِهِ- ضَعْفٌ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اُحْجُرْ عَلَى فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ يَبْتَاعُ وَفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَدَعَاهُ وَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي لَا أَصْبِرُ عَنْ الْبَيْعِ، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ لِلْبَيْعِ فَقُلْ: هَا وَهَا، وَلَا خِلَابَةَ)) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، أي: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وفيه صحة الحجر على السفيه؛ لأنهم سألوه إياه، أي: سألوه الحجر على السفيه، وطلبوه منه، وأقرهم على ذلك صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن معروفًا عندهم لما طلبوه ولا أنكر عليهم.

الثالث: وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ مُنْقِذًا سُفِعَ فِي رَأْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَأْمُومَةً، فَخَبِلَتْ لِسَانُهُ، فَكَانَ إذَا بَايَعَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَايِعْ وَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَمِعْتُهُ يُبَايِعُ وَيَقُولُ: لَا خِذَابَةَ لَا خِذَابَةَ)) لأنه ضرب في رأسه فأثرت على لسانه؛ فكان ينطق اللام ذالًا، فيقول: لا خذابة بدل قوله: ((لا خلابة)) التي أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرابع: وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: قَالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ -الآمة: الضربة في أم الرأس- فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَكَانَ لَا يَدَعُ عَلَى ذَلِكَ التِّجَارَةَ، فَكَانَ لَا يَزَالُ يُغْبَنُ -يعني: يضحك عليه ويخدع- فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((إذَا أَنْتَ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي (تَارِيخِهِ) وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ. هذا كله حرص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على مال ذلك الصحابي الجليل.

ثانيًا: الشرح:

حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ، وحديث ابن عمر الثاني أخرجه البخاري في (تاريخه) والحاكم في (مستدركه) وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفي الباب عن عمر بن الخطاب عند الشافعي وابن الجارود وغيرهم.

قوله: ((لا خلابة)) -بكسر المعجمة الخاء وتخفيف اللام- أي: لا خديعة، قال العلماء: لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع؛ فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع، ومقادير القيمة، ويرى له ما يرى لنفسه، والمراد: أنه إذا ظهر غُبن أو غَبن رد الثمن واسترد المبيع.

واختلف العلماء في هذا الشرط: هل كان خاصًّا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط؛ فعند أحمد ومالك في رواية عنه والمنصور بالله، والإمام يحيى: أنه يثبت الرد لكل من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع، وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشًا، وهو ثلث القيمة -يعني: يكون فيه ضرر كبير يقع على البائع الذي لا يعرف الثمن الحقيقي للسلع.

قالوا: بجامع الخداع الذي لأجله أثبت النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الخيار.

وأجيب: بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله، كما في حديث أنس المذكور؛ فلا يلحق به من كان مثله ولا يصير عامًّا في كل مَن يبيع.

أما قوله: ((كان في عقدته شيء)) العقدة: العقل؛ كما يشعر بذلك التفسير المذكور في الحديث وفي (التلخيص) العقدة: الرأي، وقيل: هي العقدة في اللسان كما يشعر بذلك ما في رواية ابن عمر: ((أنها خبلت لسانه)) وكذلك قوله: ((فكسرت لسانه)) وعدم إفصاحه بلفظ “الخِلابة” حتى كان يقول: لا خذاية أو لا خناية أو لا خنابة -بإبدال اللام نونًا- يقول: لا خنابة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} [طه: 27] ولم يذكر في (القاموس): إلا عقدة اللسان.

قوله: ((سُفع)) أي: ضُرب.

و((المأمومة)) التي بلغت أم الرأس، وهي الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليه.

قوله ((ثم أنت بالخيار ثلاثًا))؛ استدل بها على أن مدة هذا الخيار ثلاثة أيام من دون زيادة، قال في (الفتح): أنه حكم ورد على خلاف الأصل، فاقتصروا به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار في المسرات ثلاثة أيام، واعتبار الثلاث في غير موضع، وأغرب بعض المالكية فقال: إنما قصروا على ثلاث؛ لأن معظم بيعه كان في الرقيق، وهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكفي مجرد الاحتمال.

2. إثبات خيار المجلس:

الحديث الأول: عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا؛ فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما؛ وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما)).

هذا الحديث يعطي الخيار للبائع والمشتري في إمضاء البيع أو توقفه ما لم يفترقا؛ أي ما لم يفارق أحدهما الآخر، يعني: ما لم يأخذ السلعة صاحبها ويمضي بها، فإن افترقا لا يصح الرجوع؛ إن صدقا في البيع -يعني: البائع والمشتري- بارك الله لهما في بيعهما، وإن كذبا -كذب المشتري على البائع أو كذب البائع على المشتري- محقت بركة هذا البيع.

الحديث الثاني: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المتبايعان بالخيار)) الرواية الأخرى تقول: ((البيِّعان)) وهنا يقول: ((المتبايعان)) والمراد من ((البيعان)): البائع والمشتري؛ وكذلك المراد من ((المتبايعان)): البائع والمشتري، هما بالخيار.

يقول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) وربما قال: ((أو يكون بيع الخيار))، وفي لفظ: ((إذا تبايع الرجلان؛ فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا أو يخير أحدهما الآخر؛ فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع)) متفق على ذلك كله، وفي لفظ: ((كل بيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار)) متفق عليه أيضًا.

وفي لفظ: ((المتبايعان كل واحد منهم بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار)).

وفي لفظ: ((إذا تبايع المتبايعان بالبيع؛ فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار؛ فإذا كان بيعهما عن خيار؛ فقد وجب)) قال نافع: وكان ابن عمر -رحمه الله- إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله؛ قام فمشى هنية ثم رجع”، أخرجهما البخاري ومسلم.

قوله: ((البيعان)) -بتشديد التحتانية- يعني: البائع والمشتري، والبيّع: هو البائع أطلق على المشتري على سبيل التغليب، أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على الآخر -كما سبق.

قوله: ((بالخيار)) -بكسر الخاء المعجمة- اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، والمراد ((بالخيار)) هنا: خيار المجلس، فهذا يعرف بخيار المجلس.

قوله: ((ما لم يفترقا)) قد اختلف: هل المعتبر التفرق بالأبدان أو بالأقوال، فابن عمر حمله على التفرق بالأبدان؛ ولذلك كان إذا باع مشى هنيهة، كما في الرواية المذكورة عنه في الباب، وكذلك حمله أبو برزة الأسلمي، حكى ذلك عنه أبو داود.

قال صاحب (الفتح): ولا يُعلم له مخالف من الصحابة، قال أيضًا: ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة أنه يُقال: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البينة: 4]؛ فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه بالاعتقاد.

وأجيب بأنه من لازمه في الغالب؛ لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيًا لمفارقته إياه في بدنه، ولا يخفى ضعف هذا الجواب.

والحق: حمل كلام الفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعًا.

وجاء في الحديث: ((فإن صدقا وبيَّنا)): أنه يجب على البائع والمشتري أن يكونا صادقين، وأن يبينا كل ما في السلعة، يعني: يبيع البائع ما في سلعته من عيوب، ويبين المشتري ما في ثمنه من عيوب إن كان فيه أيضًا.

فقوله: ((فإن صدقا وبيَّنا)) أي: صدق البائع في إخبار المشتري، وبيّن العيب إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن وبيع العيب إن كان في الثمن، يحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذكر أحدهما تأكيد للآخر.

قوله: ((مُحِقت بركة بيعهما)) يُحتمل أن يكون على ظاهره، يعني: إخبار أنه ليس هناك بركة في ذلك البيع الذي لم يصدق فيه كل من البائع والمشتري، ويحتمل أن يكون على سبيل الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاؤه مستجاب أن يدعو على البائع والمشتري إذا لم يكونا صادقين، ولم يبينا ما في السلعة.

يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد؛ فمحق الله بركة ذلك العقد وإن كان مأجورًا والكاذب مأزورًا؛ يحتمل أن يكون ذلك مختصًّا بما وقع منه التدليس بالعيب دون الآخر، ورجحه ابن أبي حمزة.

قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر. وربما قال: أو يكون بيع الخيار))، قد اختلف العلماء في المراد بقوله: ((إلا بيع الخيار)) فقال: الجمهور هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد: أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق؛ فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخابر، وقيل: هي استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، والمراد بقوله: ((أو يخبر أحدهما الآخر)) ويشترط الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة، حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار، ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث: ((فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع)) معين للاحتمال الأول، وكذلك قوله في الرواية الأخرى: ((فإذا كان بيعهما عن خيار؛ فقد وجب)) أي: فقد وجب الخيار والكلام الذي اشترطوه، وفي رواية للنسائي: ((إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار وجب البيع)) وقيل: وهو استثناء من إثبات خيار المجلس أو خيّر أحدهما الآخر، فيختار عدم ثبوت خيار المجلس، فينتفي الخيار.

قال في (الفتح): وهذا أضعف هذه الاحتمالات، وقيل: المراد بذلك إنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا أول قبل التفرق، وإلا أن لا يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق.

قال أيضًا في (الفتح): إلا بيع الخيار أو هو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيدهما ما وقع في رواية البخاري بلفظ: ((يقول لصاحبه: اختر)) إن حُمِلَت ((أوْ)) على التقسيم لا على الشك.

قوله ((أو يخير)) -بإسكان الراء- عطفًا على قوله: ((ما لم يتفرقا)) ويحتمل نصب الراء على أن ((أوْ)) بمعنى “إلا” أي أن كما قيل: أنها كذلك في قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)).

قوله: “قال نافع: وكان ابن عمر…”: وهو موصول بإسناد الحديث ورواه مسلم من طريق ابن جريج عن نافع، وهو ظاهر في أن ابن عمر رضي الله عنه ما كان يذهب إلى أن التفرق المذكور إنما يكون بالأبدان، وقد يكون بالأقوال ولكنه كان يأخذ بالقول أنه بالأبدان.

error: النص محمي !!