Top
Image Alt

تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي

  /  تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي

تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي

فإذا ما انتقلنا إلى شعراء المهجر وجدنا “جبران خليل جبران” نزاعًا إلى الغرب الأوربي حتى لقد حكى عنه بعض من يعرفه، أنه كان كلما انتهره وهو صغير يقول له: “ما لك وما لي أنا إيطالي” كما كان يقص لأصدقائه أنه بلغ من الهيام بالأدب الإنجليزي، أن تكررت رؤيته في المنام لـ”كيتس” و”شيلي” و”شكسبير”، وإلى جانب هذا فقد تأثر بـ”ويليم بليك” إلى مدى بعيد وكان لا يكاد يقترب كثيرًا من الشعر الرومانسي بفرنسا وإنجلترا، كذلك كان حاكي في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأمريكي “وولت ميتمان” مبتكر فن شعري سماه “Free verse” وذلك لون النثر الفني الذي حاكاه “أمين الريحاني” وأطلق عليه الشعر المنثور.

أما “أمين الريحاني” فقد عرف بترجمته عدد من القصائد لشعراء أمريكيين من أبرزهم “وولت ميتمان” الذي اتخذه رائدًا له في الخروج على الأساليب المتداولة؛ فتابعه وأدخل في اللغة العربية ما اصطلح عليه باسم “الشعر المنثور” حسبما كتب في مقدمة ديوانه “هتاف الأودية”.

وقد تجلى التأثير الذي أحدثه “ويتمان” في موضوعات قصائد “الريحاني” وروحها وصدر “هتاف الأودية” عام 1910م مشتملًا على عدد كبير من النصوص منها “ريح سموم”، “الثورة”، “عند مهد الربيع”، “هتاف الأودية”، “معبدي في الوادي”، “إلى الله”، “بلبل ورياح”، “الزنبقة الزاوية”، “أنا الشرق”، “إلى أبي العلاء”، “حصاد الزمان”، “البعث”، “طريقان”.

وكتب الريحاني مقدمة الكتاب أشار فيها إلى المصطلح الذي يطلقه الفرنسيون والإنجليز على هذا اللون من الكتابة وهو بالفرنسية “Vers libres” وهو بالإنجليزية “Free verse” أي: “الشعر الحر” الطليق قائلًا: “إنّ “شكسبير” قد أطلق الشعر الإنجليزي من قيود القافية، أما “ويتمان” فقد أطلقه من قيود العروض”.

وإن أكّد أديبنا اللبناني في ذات الوقت أن لهذا الشعر الطليق وزنًا جديدًا مخصوصًا، وأنّ القصيدة منه قد تجيء من أبحر عديدة ومتنوعة، كذلك أشار الريحاني إلى أن السمات التي تميز شعر “ويتمان” لا تنحصر في قالبه الغريب الجديد فقط؛ بل فيما تشتمل عليه من الفلسفة والخيال، مما هو أشد غرابة وجدة.

ولنأخذ من مجموعة الريحاني النص التالي وهو بعنوان “إلى جبران”: “على شاطئ البحر الأبيض بين مصب النهر وجبيب، رأيت نسوة ثلاثة يتطلعن إلى المشرق، الشمس كالجلنار تنبثق من ثلج كلل الجبل، امرأة في ثوب أسود، وقد قبل التهكم فمها الباسم، امرأة في جلباب أبيض نطق الحنان في عينها الدامعة، امرأة ترفرف بالأرجوان في صدرها للشهوات نار تتأجج، ثلاث نسوة يندبن تموز يسألن الفجر: هل عاد يا ترى هل عاد؟ رأيته في باريس مدينة النور يحيي الليالي على نور سراج ضئيل، رأيت بنات تموز نسوة الخيال يطفن حوله في سميرات باريسيات، ورفيقات أمريكيات يزده بهجة، شوقًا، ألمًا، وجدًا، البيضاء الجلباب تفتح له أبواب الفن والجمال، السوداء الثوب تقلب صفحات قلبه تطويها بأنامل ناعمة باردة، الأرجواني الوشاح تقف بين الاثنتين أفرغت الكأس إلى آخره”.

والملاحظ أن “الريحاني” قد يستخدم القافية في بعض النصوص وينثرها بحرية على السطور الشعرية، ورُبّما لا يستخدمها بتاتًا؛ بل ربما استغنى عن الوزن والقافية تمامًا، وقد استعمل مصطلح الشعر المنثور لهذا اللون من الكتابة.

وهناك كتاب عربٌ آخرون ساروا في هذا السبيل أو في سبيل يقاربه منهم “مصطفى لطفي المنفلوطي” و”مصطفى صادق الرافعي” مثلًا، كذلك كان للشعر الإنجليزي تأثيره في مجال “الشعر الحر” إذ يحكي “علي أحمد باكثير” -رحمه الله- أنه أثناء دراسته للأدب الإنجليزي في كلية الآداب “بجامعة فؤاد الأول” وهي “جامعة القاهرة” حاليًا، سمع أحد الأساتذة الإنجليز في الكلية يقول: “إنّ مرونة اللغة الإنجليزية هي التي مكنت الشعراء الإنجليز من تطوير الشعر وتطويعه لأغراض وفنون مختلفة كالمسرحية، وإن جمود اللغة العربية هو الذي حال دون تجديد الشعر العربي” فاعترض “باكثير” على كلامه بقوله: “إن المشكلة ليست في اللغة العربية بل في الشعراء الذين لا يزالون يتمسكون بالقافية”.

ثُمّ ذَهَب وانكب على مسرحية “شكسبير” المعروفة “روميو وجولييت” حتى فرغ من ترجمتها في شعر متحرر القافية، اعتمادًا على بحور الشعر الصافية، وهي البحور التي تتكون من تفعيلة واحدة، وهذا ما يُسمى “بالشعر الحر” وهو الشعر الذي كان من نظامه “السياب” و”نازك الملائكة” و”صلاح عبد الصبور” و”أحمد عبد المعطي حجازي” وغيرهم كثير.

ولنقف من هؤلاء عند “السياب” الذي دخل دار المعلمين العالية ببغداد من عام 1943م : 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية ثم الإنجليزية حيث أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي، ولقد اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية، وكان ينظم الشعر مع تنويع القافية، وفي عام 1947 ميلادية أصدر ديوانه “أعاصير” الذي حافظ في على الشكل العمودي مع الاهتمام بالقضايا الإنسانية، ثم ظهر تأثره بالشعر “t s l” و “t d wan” “أزهار وأساطير” وظهرت محاولات أولى في “الشعر الحر”.

ومع بداية الخمسينات قصر “السياب” كل شعره على ذا الشكل الجديد كما في قصائد “الأسلحة والأطفال” و”المومس العمياء” و”حفار القبور”، ومع بداية الستينات نشر السياب ديوانه “أنشودة مطر” واحتل موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري، ومن سمات شعره ما نلاحظه من استخدامه الأساطير البابلية والإغريقية، وقد ذكر بعضهم أنه عقب الحرب العالمية الثانية تعرفت مجموعة من مثقفي العراق على نماذج متنوعة من الشعر الإنجليزي وأساليبه وأبنيته، وخصوصا شعر “توماس إليوت” صاحب قصيدة “أرض الخراب” و”جل أيتون” و”اديل ستويل” و”روبرت فوست” وكذلك “ولت ويتمان” صاحب أهم مجموعة في تاريخ الشعر الأمريكي “أوراق العشب”.

وقد تركت هذه النماذج الشعرية تأثيرًا عميقًا في نفوس الشعراء الشباب، وجعلتهم يتفتحون على أفق فني لم يعهدوه، وهكذا كتب الشاعر العراقي “بدر شاكر السياب” أو الشاعرة العراقية “نازك الملائكة” و”عبد الوهاب البياتي” قصائدهم بشكل “الشعر الحر” الذي انتقل بعدها من العراق إلى مصر؛ فكتب به بعض من الشعراء المصريين منهم “صلاح عبد الصبور” و”أحمد عبد المعطي حجازي” لتنتشر القصيدة الحرة في أغلب بلدان الوطن العربي، وتصير كتابته أمر مألوفًا بين الشعراء.

وفي كتاب (بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره) يستشهد “إحسان عباس” بما ذكره “السياب” عن دراسة اللغة الإنجليزية وأدبها في دار المعلمين العالية ببغداد، إذ قال: ” درست “شكسبير” و”ميلتون” والشعراء “الفيكتوريين” ثم “الرومانتيكيين” وفي سنتي الأخيرتين في دار المعلمين العالية تعرفت لأول مرة الشاعر الإنجليزي “t s l weliot” وكان إعجابي الشديد بالشاعر “جون كيتس” لا يقل بإعجابي بـ”إليوت” “. ثم يعلق عباس على ذلك قائلًا: “يكفينا في هذا المقام أن نقول: إن دراسته الأدب الإنجليزي على تبعثر أجزائها وسرعتها وضعف مستواها، قد فتحت له نافذة يتطلع منها إلى غير الأدب العربي أعني: إلى الأدب الإنجليزي والآداب الأخرى المترجمة إلى الإنجليزية”.

ثم يُشير “إحسان عباس” إلى ما قاله “السياب” في مقدمته في ديوانه عن هذا اللون الجديد حين إذ من الشعر، أي “الشعر التفعيلي” إذ يرجع إقدامه عليه إلى تأثره بالشعر الإنجليزي، الذي يعتمد الضربة أساسًا، فيقول: “رأيت أن بالإمكان أن تحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، وذلك باستخدام الأبحر ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر، وأول تجربة لي من هذا القبيل كانت في قصيدة “هل كان حب” من ديواني الأول “أزهار ذابلة”.

وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولًا عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منه الشاعرة المبدعة الآنسة “نازك الملائكة”، ويصلح ديوان “أساطير” ليكون معرضًا لبعض المؤثرات التي أغدت تفعل بتوجيه شعر “بدر” كما يقول “إحسان عباس” فقد كنا لمحنا في ديوانه الأول تأثره بـ”علي محمود طه” وإدراجه لقطعة من قصيدة إنجليزية في إحدى قصائده، ولكن ديوان “أساطير” يدل على اتساع في التأثير، وإن كان ما يزال تأثيرًا خارجيًّا نوعًا من الإشارة العابرة أو التضمين؛ فهو يعرف أن لين القصيدة عنوانها “الأرض الخراب”: “فلتنبت الأرض الخراب على ثنى الليل الحزين صبارها”.

ويُعَلِّقُ على لفظة “الأرض الخراب” في الحاشية بقوله: “وعنوان القصيدة للشاعر الإنجليزي “rage t s eliot””، وقد وضعنا خطًّا تحت كلمة الرجع؛ لأن “السياب” بعد سنوات سيعد “إليوت” أعظم شاعر حديث باللغة الإنجليزية، ولكنه يصفه بالرجعية هنا؛ نزولًا على ما تطلبه منه اتجاهه اليساري، ولا ريب في أنه قد قرأ شيء من “إليوت” إذ إن قوله في قصيدة “ملال”: وأكيل بالأقداح ساعات، إنما هو الترجمة لقوله لـ”إليوت”: “I have regourte out my life with coffe spoons ” قدرت حياتي بملاعق القهوة.

وهذه ظاهرة حقيقة بالتنبه فإن “السياب” كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره، فيخفى مكانها على القارئ في درج النغم، وهو قرأ قصيدة للشاعر الإنجليزي “بيتس” يستشرف فيها السفن ويتملكها الحنين إلى البحر، وما قول “السياب” في قصيدة “القرية الظلماء”:

 إني سأغفو بعد حين سوف أحلم في البحار

أتيك أضواء المرافق وهي تلمع من بعيد

تلك المرافق في انتظار

تتحرك الأضواء فيها مثل أصداء تبيد

سوى صدى لوقفة ذلك الشاعر الإنجليزي، وهو يحلم بالسفن والبحار.

وهو يعرف أيضًا “كيتس” ويَجِدُ في نفسه صورة منه؛ لأنه كان يحس إنه سيموت مثله في سن صغيرة، ويقتبسُ قوله في آخر قطعة كتبها: “تمنيت يا كوكب ثبات كهذا أنام على صدرها في الظلام، وأفني كما تغرب”. وقد اختار السياب أسطر متفرقة متباعدة من قصيدة “كيتس” وتدل ترجمته على أنه لم يكن دقيقًا في فهم الأصل ونقله.

ومما كتَبَهُ إحسان عباس عن هذه القضية أيضًا قوله: ” لقد هيأت تلك الفترة لـ”السياب” أن يتحدث في مشكلات الأدب والشعر، وأن يسمع الناس رأيه فيها وكان قد وقع في نظرته إلى الشعر والشاعر تحت تأثير “سبندر” واستعار شيئًا من أرائه في مقال له عن الواقعية، وحين سُئل عمن أعجب به من شعراء الغرب أجاب في عصبية: “حين يسألني سائل عن من أعجبت به من شعراء الغرب أحدق في وجهه برهة من الزمن، محاولًا أن استشف أغوار نفسه أيجد أم يهزل فيما يسال؟ بمن أعجبت من شعراء الغرب منذ “هوميروس” حتى “دينان توماس” أتراه يدرك ضخامة ما يسال عنه!”.

ثم تتسع دائرة التأثير لدى “السياب” رغم ذلك؛ فإذا هو معجب “بشكسبير” و”دانتي” و”هوميروس” و”فيرجين” و”جي بوته” و”كيتس” و”إيدي سيت” و”إليوت” ويقر بتأثره بالشعر تدريجي بـ”البحتري” أو “المهندس” أولًا ثم بـ”أبي تمام” ثم بـ”شيلي” و”كيتس” و”إليوت” ثم “إيدي سيتوين” ويعتقد أن طريقته الشعرية مزج بين طريقة “سيتوين” و”أبي تمام” معًا، ونلمح في كل هذا أن للشعر الإنجليزية منزلة هامة في نفسه”.

وربما كان من الغريب أن تحتل “إيدي سيتون” كل هذه المكانة من نفسه؛ فإنها شغلت نفسها طويلًا في العناية بالإيقاعات الصوتية، وهي مغموسة في النفس الطيار الديني، وتستمدّ كثيرًا من صورها من قصة المسيح، وتعد بعضُ صورها أشدَّ غَرَابة من صور “لور لوك” ولكن الجواذب التي ربطت “السياب” بشعرها كانت متنوعة؛ فقد كان يريد منبعًا غير “إليوت” الذي حاول “البياتي” أن يحاكي بعض نماذجه، ولهذا فهو يرجع على إقراره بعظمة “إليوت” أن ينفي عن نفسه تأثره به كي لا يرد هو و”البياتي” موردًا واحدًا.

وقد أعجبه في شعرها ذلك الفزع الذي تغلغل فيه بسبب الحرب، وتفجير القنبلة الذرية ففي هذه المرحلة قل احتفاؤها نسبيًّا بموسيقى الألفاظ، كذلك كان يجمعه بها رابطة أخرى هي حاجة الاثنين إلى التركيز، وشغفها بترصيع القصائد بالدلالات الأسطورية، لا اتخاذ المبنى الأسطوري محملًا للقصيدة كما يفعل “إليوت”.

ولما كانت نواحي التلاقي بينه وبين تلك المرأة الشاعرة كثيرة؛ فإنه تحد عنها دائمًا في إجلال بالغ، وذهب يعلوا بها في شيء من المباهاة، أنه تأثر طريقتها في الشعر، وقارنها دائمًا بـ”إليوت” ليقول: إن الشعر الإنجليزي الحديث عرف شاعرين عظيمين لا واحدًا.

ولم يَقِفْ تأثير “سيت” عند المرحلة التي نتحدث عنها، بل تجاوز للمرحلة التالية وهي التي جعلته شغوفًا بالقصة قابيل يرددها في مناسبات عديدة، وعنها أخذ صورة التقابل الرمزي بين السنبلة والذهب النضار:

النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب

في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار

من كل سنبلة تصيح ومن نوافذ كل دار

وصورة طائر الحديد الذي يلقي القنابل على المدن الآمنة:

يا صليب المسيح الواقف ظلا

فوق جيكور طائر من حديد

وصورة الحياة السارية التي تنبض في عروق الكون على أوجه مختلفة فقوله:

أحسست ماذا صوت ناعورة

أم صيحة النسغ الذي في الجذور

إنما هو مستمد من قولها:

ومن خلال ما يعمله الموت

ومن خلال جفاف الغبار

 يسمع صوت النزغ الصاعد كأنه

 أصوات بقرية هائلة، تنبعث من

ميامس محتجبة مرعبة

وقد جرأته الشاعرة الإنجليزية على اقتباس رموز مسيحية والإكثار من ذكر المسيح والعذر ويهوذا، وإن كانت هناك عوامل أخرى شجعته على ذلك، وهو ترجم عنها بعض الأبيات ويضمنها قصيدة “رؤى فقاي” ومن هذا المثال يظهر كيف انتزع الأبيات التي ترجمها من مواضع بالقصيدة، وكيف رتبها حيثما شاء، وعندما بلغ إلى قوله: “فأزحف على أربع فالحضيض والعلا سيان”. زاد على ذلك قوله: “والحياة كالفناء” وهذه الزيادة قد جاء بها من قصيدة أخرى “where life and death equal” مما يدل على أن هذا الربط المتباعد كان يعتمد على اختزانه القصائد الشاعرة في ذاكرته إلى جانب ترجمته المتعمدة.

ويجري “السيابُ” على منوال الشاعرة الإنجليزية أيضًا في استخدام رموز المطر ففي قصيدة “أنشودة المطر” تجتمع لديه الكآبة الفردية بمنظر المطر بالاستبشار بما قد يتمخض عن المطر من زوال الجوع، وهذا يشبه جمع الشاعرة في قصيدتها “أمطار النسيان” بين البهجة بالحياة وتحسب الجفاف الذي سيعتلي كل شيء في الوجود. أما قصيدتها “وما زال المطر يتساقط” حيث يومي المطر إلى الموت والدماء والقنابل المتساقطة من الغارات الجوية؛ فإنها قد ألقت ظلها التام على قصيدة “السياب” “مدينة السندباد”.

ولعل قصيدتا “مارسيلية دايكور” و”مارسيلية الآلهة” و”من رؤيى فقاي” أقوى قصائد الشعر صلة بأثر “أديس سيتويت” لأنها تعد شاهدًا على الاتباع الدقيق، وعلى الاستقلال في نطاق ذلك الاتباع، فقد عمد الشاعر إلى قصيدة “ترنيمة السرير” “laugh bay” وإلى ثلاثة قصائد في القنبلة الذرية فأستمد منها كثيرًا من تصوراتها، ومن الجو العام الصالح لمثل موضوعه، بل جاراها في بعض الرموز والعبارات مقتبسة أو محورة.

وبالنسبة لـ”صلاح عبد الصبور” وتأثره بـ”إليوت” يؤكد دكتور “محمد شاهين” في كتابه عن “إليوت” وتأثيره في الشعر العربي أن قصيدة “لحن” والموجودة في ديون “الناس في بلادي” الصادر عام 1957م متأثرة بثلاث قصائد لـ”إليوت” هي “صورة سيدة” و”أغنية العاشق – ألفريد بروفريت” و”الرجال الجوف” وإن كان تأثرًا شكليًّا فضلًا عن تأثره به في دواوين “أقول لكم” و”أحلام الفارس القديم” و”تأملات في زمن الجريح” إذ يستعمل أساليب “إليوت” الفنية، وبخاصة فيما يتعلق ببنية القصيدة ما هو الحال في قصيدة “الظل والصليب” من ديوان “أقول لكم” التي تعكس تأثرًا بقصيدتا “إليوت” “الأرض الخراب” و”الرجال الجوف”.

فمثلًا قوله في تلك القصيدة: “إنني خاو ومملوء بقش وغبار” مأخوذ بالكامل من قصيدة “إليوت” “الرجال الجوف” مع إضافة كلمة “غبار” من عنده إلا أن التجربة التي تعكسها القصيدة ليست لها “إليوتية” كذلك يعكس الشاعر “عبد الصبور” تأثرًا واضحًا بنظرية “إليوت” في المعادل الموضوعي.

على أنّ المَصَادر التي تأثر بها شعر “صلاح عبد الصبور” متنوعة ولا تختص على “إليوت” وحده كما يؤكد كاتب مادة “صلاح عبد الصبور” في موسوعة “الويكيبيديا” إذ هناك شعر الصعاليك، وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب كـ”الحلاج” و”بشر الحافي” والذين استخدمهما قناع لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات، كما استفاد من منجزات الشعر الرمزي الفرنسي الألماني عند “بودلير” و”ريلك” والشعر الفلسفي الإنجليزي عند “جون دون ويتس” و”كيتس” و”T S L” بصفة خاصة، وثقافات الهند المتعددة وكذلك كتابات “قافق” السوداوية.

لقد كان لـ”إليوت” تأثيره القوي على القصيدة العربية عند “بدر شاكر السياب” و”عبد الوهاب البياتي” و”نازك الملائكة” و”أدونيس” و”يوسف الخال” و”خليل حابي” و”صلاح عبد الصبور” و”سعد يوسف” ومن لف لفهم، وكان للبعد الأسطوري دور كبير في إثارة اهتمام هؤلاء الشعراء بشعره، وأصبحت الأساطير الشرقية والإغريقية رموزًا أساسية للحياة والموت لغة وصور الشعر الحديث، ذلك لأن “إليوت” واحد من كبار شعراء القرن العشريين؛ فضلًا عن أنه يجمع بين النقد والمسرح والنظرية الفلسفية والثقافية، كما أنه حائز على جائزة نوبل للآداب اعترافًا له بتقدير شعره، الذي أقامه على نظرية من التطوير وهي نظرية المعادل الموضوعي.

ولقد لاحظ “جبرا إبراهيم جبرا” ما يقوله الدكتور “شاهين” في كتابه سالف الذكر أنّ الأساطير والإشارات التي انطوت عليها الأرض الليباب مثل “فيلبس الفينيقي” و” تموز” و”الملك الصياد” وغيرها من الأساطير وجدت سبيلها إلى أعمال الكُتّاب العرب، بما فيها من أصل محلي كان عاملًا في تقريب “ألد إليوت” من محاولتهم الشعرية والنسج على منوالها.

إلّا أنّ التّأثر الشعري العربي بهذا الجانب الشعري -كما لاحظ “جبر”- لم يتجاوز الجانب الظاهري، ويرجعُ هذا -حسبما لاحظ بعض الدارسين- إلى ما في شعر “إليوت” من صعوبة أسهمت بشكل كبير في منع القارئ العربي من التفاعل المطلوب معه؛ بسبب مرجعيته الفلسفية والرمزية والأسطورية والتاريخية، فضلًا عن عدم دقة الترجمة العربية لإبداعاته.

ونفس الشيء ينطبق على “أديس سيتويت” الذي تأثرت بها أشعار السبق كما رأينا، ولدي مثال فاقع الأخطاء الرهيبة التي يقع فيها من يتصدى لتفسير أشعارها، وللحديث عنها وعن تأثيرها في “السياب” وهو كتاب الدكتور “علي البطل” “شبح القايين” بين “إديس سيت” و”بدر شاكر السياب” إذ وجدته يخطأ أخطاء عجيبة، لا تليق بمن يتصدى لمثل تلك المهمة الجليلة؛ فكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس إذ أتى باستنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان.

ولنأخذ مثلًا ترجمته لكلمة “شادو” في عنوان القصيدة “بشبح” مع أن معناها واضح تماما ولا دليل لاستعمالها لدى “سيتول” مما يجعلنا نتأكد من معناها الذي يعرفه كل الناس وهو “الظل”. بل إن المُترجم ذاته قد ترجمها مرتين في القصيدة مرتين بالظل، ويُؤكد أنها لا تعني هنا إلا ذلك. أن الشاعرة قد كررتها في بيت واحد مستعملة في المرة الثانية كلمة “شيد” التي لا يمكن أن تعني شبحًا ولو على سبيل المجاز.

كما أن “السياب” قد استعمل كلمة الظل في تأثره بهذه القصيدة كما هو واضح، ولم يقل شبح قط، بل إنه في عنوان إحدى قصائده -حسبما يذكرون للدكتور “البطل” نفسه- قد استخدم لفظ ظل فقال: “ظل قابيل” فلماذا إذا ترك مترجمنا الصواب هنا للخطأ؟!.

وهناك أيضًا ترجمته لعبارة”rush down the dens of world away away” بـ”مندفعة إلى أسفل حافة العالم بعيدًا بعيدًا” مع أنه لا حافة هناك ولا أسفل بل كل ما يقصده التعبير الإنجليزي هو “إنها كانت تندفع بطول العالم” وكذلك ترجمته”The gulf to storm of the world” بـ”الخليج المحيط بالعالم” وصحتها: “الخليج المصنوع بطول الأرض” فهو لا يحيط العالم بل يشقه شقًّا وشتان هذا وذاك.

ومن تلك الأخطاء العجيبة ذلك الخطأ الأبلق، الذي لا أدري كيف وقع فيه ولا كيف فهم من ثم العبارات التي ورد فيها على نحو ما فهمها عليه، لقد ترجم عدة مرات كلمة “فايتس” بـ”السقوط” فقال: “حين إذ جيء بالسقوط وتمدد مثل شمس برصاء تغطيها أحزان العالم، بالقرب منه كان صوت ذهبي يدمع السقوط، صرخنا في وجه السقوط”.

وهي ترجمة غريبة لا معنى لها، فوق أنه قد ترتب عليها انطماس المعنى الذي أردته الكاتبة فوق انطماسه الأصلي، وكأنه كان ينقصنا هذا الغموض الإضافي، والصواب هو أن “فايتس” كلمة لاتينية تعني “الرجل الغني” وقد تستعمل اسم علم على الغني في المثل الذي ضربه “السيد المسيح” حسبما ورد في إنجيل اللوق على إمكان ذهاب الفقير المريض المحتقر بعد موته إلى الفردوس، وتمتعه هناك بكل ما يشاء من ألوان النعيم في الوقت الذي يصلع فيه الغني المتخم أهوال الجحيم بسبب قساوة قلبه وكبره واحتقاره لأمثال ذلك المريض البائس، وعدم مد يد المساعدة له.

ويبدو أن هذا الاسم كان موجودًا في بعض نسخ الأناجيل قبلًا ثم حذف، وكما يرى القارئ لا علاقة لهذه اللفظة بهذا السكوت لا من قريب ولا من بعيد، وغريب أن يفهمها المُترجم هذا الفهم، وهي موصوفة بالاسم الموصول “who” الدال على العاقل لا على المعاني ولا الأشياء وسائر ما لا يعقل، علاوة على أن الكلام على أساس من ترجمته لا يستقيم ولا يتسق أبدًا.

وكان من جراء هذا الخطأ أن انطلق الدكتور “البطل” فأفاض في الكلام عن عقيدة الخطيئة والسقوط في الفكر النصراني، مخصصًا لذلك صفحتين كاملتين تحت عنوان “السقوط” أو “الخطيئة” شرح فيهما الأسطورة التي قامت عليها عقيدة الخطيئة في التراث النصراني، ومنشأها في الفكر الصومالي والإغريقي وغيره، ويرى القارئ الآن كيف نشأ الخطأ الذي قاد إلى كل ذلك، دون أن يكون هناك ما له لشيء منه، علاوة على أن مثل هذا الفهم قد ضاعف غموض القصيدة، ومن ثم زاد القارئ إرهاقًا فوق ما أصابه من إرهاقها الأصلي.

وكعادة الدُّكتور “بطل” نراه لا يتوقف لو لحظة متشككًا أو على الأقل متسائلًا عما ما إذا كان قد أصاب الرمية، بل يمضي مطمئنًا تمام الاطمئنان لا يعرف التردد ولا التثبت، ولا يلفت إلى أن النص حسب ترجمته لا يمشي أبدًا.

ومن هُنَا فإننا نتساءل: أيمكن من يؤدي الترجمة على هذا النحو أن يقاوم القصيدة، ثم لا يكتفي بل يقارن أيضًا بينها وبين أشعار “السياب”، ثم مرة أخرى لا يكتفي بهذا بل يقاوم الشاعرة الإنجليزية، ونظيرها العراقي ويحكم أن صورها وفنها كله لا في تلك القصيدة فقط، أفضل كثيرًا من صوره وفنه؟.

والمسألة ببساطة: هو أن “ديفيس” لا يعني “السقوط” بل هو اسم يرمز إلى الجشع المادي عند السياسيين ورجال الأعمال، الذين كل همهم تكدس المال بل عبادته وعدم المبالاة بالمشاعر والقيم النبيلة في الحياة.

كذلك فات الدكتور “بطل” أن عندنا في القصيدة كما في إنجيل لوقا لعاذرين وليس لعاذر واحدًا، لعاذر الفقير المغطى جسده بالقروح وكانت الكلاب تلحسه، وقد ورد ذكره في المثل الذي سبق في الإشارة إليه مرارًا، أما العاذر الآخر فهو العاذر أخو “مارت” و”مريم” الذي كان يحب المسيح عيسى ابن مريم وهو الذي أقامه النبي الكريم من القبر وأعاده إلى الحياة بعد أن كان قد مضى على موته أربعة أيام حسب الرواية الإنجيلية.

ومن هُنا وجدنا الشاعرة تتحدّثُ عن القروح في سياق الحديث عنه في أكثر من مرة، “وفي هذا السطح يرقد جسد أخينا “العاذر” وقد دفن من قبر العالم، وقد كان ينام في ذلك الموت الكبير مثل الذهب في قشرة العالم، وحوله مثل البرق الخابي كان يرقد الجوهر بلسم قرحة العالم”، والترجمة من عندي أما في ترجمة الدكتور “بطل” فهو بلسم أحزان العالم. “جاءوا بأحقاب العمى وليل العالم صائحين إليه “العاذر” هبنا البصر أنت يا من قروحه من الذهب، ثم جيء بـ”دايفس” وقد كان متمددًا مثل شمس برصاء تغطيها قروح العالم، وقد كان برص الذهب يغلف العالم الذي كان هو قلبه”.

error: النص محمي !!