Top
Image Alt

تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة

  /  تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة

تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة

إن هذا الرعيل من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كان خليقًا بأن يسعد النوع الإنساني في ظله، وتحت حكمه، وأن يسير بقيادته سديد الخطا، رشيد الغاية، مستقيمَ السير، وأن يعمر، ويطمئن العالم في دوره وتخصب الأرض، وتأخذ زخرفها؛ فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها، ولا ينظرون إلى هذه الحياة كقفص من حديد، أو غلٍّ في عنق فيعادونه ويكسرونه، ولا ينظرون إليها كفرصة من لهو ونعيم ومتعة، ولا تعود أبدًا فينتهزونها وينتهبونها، ولا يضيعون منها ساعة، ولا يدخرون من طيباتها، وكذلك لا يعدونها عذابًا وعقوبة بجريمة؛ فيتخلصون منها.

ولا ينظرون إلى الدنيا كمائدة ممدودة فيتهالكون عليها، وإلى ما في الأرض من نعماء وخزائن وخيرات، كأنها مال سائب يتقاتلون عليه، وإلى الأمم الضعيفة كفريسة يتسابقون في اقتناصها، بل يعدون هذه الحياة نعمة من الله هي أصل كل خير، وسبب كل بر يتقربون فيها إلى الله، ويصلون إلى كمالهم الإنساني الذي قدر لهم، وفرصة من عمل، وجهاد لا فرصة بعدها: {الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7]. ويعدون هذا العالم مملكة لله استخلفهم فيها:

أولًا: من حيث أصل الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] {هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

وثانيًا: من حيث إنه إنسان أسلم لأمر الله، وانقاد لحكمه، فاستخلفه في الأرض واسترعاه أهلها: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور: 55]. ومنحهم حق التمتع بخيرات الأرض من غير إسراف وتبذير {خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً}، {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 31، 32].

وجعل لهم الولاية على أمم الأرض، وجماعات البشر، يراقبون سيرها، وسيرتها، وأخلاقها ورغباتها، فيرشدون الضال، ويردون الغاوي، ويصلحون الفاسد، ويقيمون الأود، ويرأبون الصدع، ويأخذون للضعيف من القوي، وينتصرون للمظلوم من الظالم، ويقيمون في الأرض القسط ويبسطون على العالم جناح الأمن {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]، {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ} [النساء: 135].

وقد وصف عالم ألماني ميزة المسلم وصفا دقيقًا، فقال: “إن الإسلام لا ينظر كالنصرانية إلى العالم بمنظار أسود، بل هو يعلمنا ألا نسرف في تقدير الحياة الأرضية، وألا نغالي في قيمتها مغالاة الحضارة الغربية الحاضرة، إن المسيحية تذم الحياة الأرضية وتكرهها، والغرب الحاضر خلاف الروح النصراني يهتم بالحياة كما يهتم النهم بطعامه، هو يبتلعه ولكن ليس عنده كرامة له، والإسلام بالعكس ينظر إلى الحياة بسكينة واحترام، هو لا يعبد الحياة بل يعدها كمرحلة نجتازها في طريقنا إلى حياة عليا، وبما أنها مرحلة ومرحلة لابد منها ليس للإنسان أن يحتقرها أو يقلل من قيمة حياته الأرضية. إن مرورنا بهذا العالم في سفر الحياة لابد منه، وقد سبق به تقدير الله. فالحياة الإنسانية لها قيمتها الكبرى، ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أنها ليست إلا واسطة وآلة، وليست قيمتها إلا قيمة الوسائط، والآلات.

الإسلام لا يسمح بالنظرية المادية القائلة: إن مملكتي ليست إلا هذا العالم، ولا بالنظرية المسيحية التي تزدري الحياة، وتقول: ليس هذا العالم مملكتي”، وطريق الإسلام طريق وسط بينهما. القرآن يرشدنا أن ندعو: {رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201]، فالتقدير لهذا العالم وأشيائه ليس حجر عثرة في سبيل جهودنا الروحية الخصبة والرقي المادي مرغوب فيه مع أنه ليس غاية في نفسه. إن غاية جهودنا ينبغي أن تكون إيجاد أحوال وظروف شخصية واجتماعية، والمحافظة عليها إن وجدت، تساعد في ارتقاء القوة الخلقية في الإنسان مطابقة لهذا المبدأ.

الإسلام يهدي الناس إلى الشعور بالمسئولية الخلقية في كل عمل يعمله كبيرًا كان أو صغيرًا: إن نظام الإسلام الديني لا يسمح أبدًا بمثل ما أمر به الإنجيل قائلًا: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وأعطوا ما لله لله؛ لأن الإسلام لا يسمح بتقسيم حاجات حياتنا إلى خلقية وعملية ليس هناك إلا خيرة فقط بين الحق والباطل وليس شيء وسطًا بينهما لذلك هو يلح على العمل؛ لأنه جزء لازم للأخلاق لا غنى عنه. ينبغي لكل فرد مسلم أن يعد نفسه مسئولًا شخصيًّا عن المحيط الذي يحيط به، وكل ما يقع حوله، ومأمورًا بالجهاد لإقامة الحق، ومحق الباطل في كل وقت، وفي كل جهة فإن القرآن يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 110] هذا هو المبرر الخلقي للحركة الإسلامية الجهادية والفتوح الإسلامية الأولى، والاستعمار الإسلامي.

فالإسلام استعماري إن كان لابد من هذا التعبير، ولكن هذا النوع من الاستعمار، ليس مدفوعًا بحب الحكومة والاستيلاء، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية في شيء، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش، ورخائه على حساب الناس الآخرين ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي. كما أن العلم بالفضيلة حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل. الإسلام لا يوافق أبدًا على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظريًّا بين الحق والباطل، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل؛ فإن الفضيلة كما يقول الإسلام: تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانه على الأرض، وتموت إذا خذلها، وتقاعد عن نصرتها.

error: النص محمي !!